تقارير

الفرات يخرج عن السيطرة في سوريا… فيضان غير مسبوق يعزل مناطق كاملة ويهدد آلاف العائلات

فيضان الفرات

في مشهد لم تعهده سوريا منذ عقود، عاد نهر الفرات ليتصدر واجهة الأحداث بعد فيضان واسع ضرب مناطق ممتدة من ريفي جرابلس وكوباني شمالاً وصولاً إلى الرقة ودير الزور شرقاً، متسبباً بأضرار كبيرة في البنية التحتية والمنازل والأراضي الزراعية، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم الكارثة الإنسانية في حال استمرار تدفق المياه بالمعدلات الحالية.

تدفق غير مسبوق منذ عقود

شهد نهر الفرات خلال الأيام الماضية ارتفاعاً حاداً في منسوب المياه بعد فتح السلطات التركية بوابات سد أتاتورك نتيجة امتلاء الخزانات والسدود بالمياه والأمطار والثلوج الذائبة في جنوب شرقي تركيا.

وبحسب معنيين بملف المياه، بلغ معدل التدفق نحو 1500 متر مكعب في الثانية، وهو رقم يتجاوز بثلاثة أضعاف الكمية المنصوص عليها في الاتفاق المائي الموقع بين سوريا وتركيا عام 1987، والذي ينص على تمرير 500 متر مكعب في الثانية كحد أدنى.

ويعد هذا التدفق الأكبر منذ نحو 40 عاماً، بعدما كان النهر خلال السنوات الماضية يعاني انخفاضاً حاداً في منسوبه، وصل في بعض الفترات إلى أقل من 200 متر مكعب في الثانية، خصوصاً قرب مدينة جرابلس.

كيف بدأت الكارثة؟

مع ازدياد قوة التيارات المائية، بدأت المياه تتسلل تدريجياً إلى القرى والأحياء الزراعية المحاذية للنهر، قبل أن تتوسع رقعة الغمر خلال أيام قليلة، لا سيما في المناطق الواقعة بعد سدي تشرين والفرات، حيث تضاعفت سرعة التدفق.

وأطلقت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية تحذيرات عاجلة للسكان دعتهم إلى الابتعاد عن ضفاف النهر ومنع السباحة واستخدام العبارات النهرية، إضافة إلى إيقاف الحركة على الجسور الترابية غير المجهزة لتحمل قوة المياه.

ورغم تلك التحذيرات، شهدت المنطقة حالات غرق عدة، فيما تحدثت تقارير محلية عن صعوبة وصول فرق الإنقاذ إلى بعض المناطق المعزولة بسبب انقطاع الطرق والجسور.

البنية التحتية تحت الماء

أدى الفيضان إلى خروج ثلاثة جسور ترابية وجسر عائم عن الخدمة، إضافة إلى تعطل أربع محطات لمياه الشرب، ما تسبب بعزل مناطق واسعة في ريف دير الزور وانقطاع التواصل بين ضفتي النهر.

كما دخلت المياه إلى عدد من محطات ضخ المياه، في وقت تعمل فيه فرق الطوارئ على تدعيم السواتر الترابية حول المنشآت الحيوية لمنع غمرها بالكامل.

وحذر مسؤولون محليون من احتمال خروج جسر العشارة، وهو آخر الجسور العاملة شرق دير الزور، عن الخدمة في أي لحظة إذا استمر ارتفاع المنسوب.

الزراعة في مواجهة الفيضان

لم تقتصر الأضرار على البنية التحتية، بل امتدت إلى القطاع الزراعي الذي يشكل المصدر الرئيسي لدخل آلاف العائلات في المنطقة.

وغمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية القريبة من النهر، بينما اضطر عدد من المزارعين إلى حصاد محاصيلهم بشكل مبكر قبل نضوجها الكامل خشية فقدانها بالكامل.

وتخشى الأوساط الزراعية من خسائر كبيرة في محصولي القمح والشعير، إضافة إلى تضرر شبكات الري والمضخات الزراعية التي تعتمد بشكل مباشر على النهر.

مخاطر إنسانية متزايدة

مع استمرار الفيضان، تتزايد المخاوف من اتساع الكارثة الإنسانية، خصوصاً مع الحديث عن احتمال إجلاء آلاف العائلات من المناطق المنخفضة القريبة من مجرى النهر.

كما تواجه مناطق واسعة خطر نقص مياه الشرب بعد خروج عدد من المحطات عن الخدمة، إضافة إلى احتمالات انتشار الأمراض نتيجة تلوث المياه وركودها في المناطق السكنية والزراعية.

وتحذر جهات محلية من أن استمرار استخدام العبارات النهرية البدائية في ظل قوة التيارات قد يؤدي إلى مزيد من حوادث الغرق، خصوصاً مع اعتماد السكان عليها بعد تعطل الجسور.

مشروع “غاب” يعود إلى الواجهة

أعاد الفيضان الحالي الجدل حول مشروع جنوب شرقي الأناضول التركي المعروف بـ”GAP”، الذي يضم أكثر من 20 سداً ضخماً على نهري دجلة والفرات، أبرزها سد أتاتورك وسد إليسو.

وتتهم سوريا والعراق تركيا منذ سنوات باستخدام المياه كورقة ضغط سياسية، في ظل تحكم أنقرة بمصادر النهرين داخل أراضيها، بينما تعتبر تركيا أن دجلة والفرات “نهران عابران للحدود” يحق لها إدارة مواردهما وفق مصالحها.

وخلال العقدين الماضيين، تسبب انخفاض منسوب الفرات بتراجع الزراعة وجفاف الأنهار الفرعية في شمال وشرق سوريا، قبل أن يتحول المشهد هذا العام إلى فيضان غير مسبوق قلب المعادلة بالكامل.

هل انتهى الخطر؟

رغم تأكيد المؤسسة العامة لسد الفرات أن الوضع المائي يشهد “استقراراً نسبياً” حالياً، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة مع استمرار التدفق المرتفع للمياه ووجود توقعات باستمرار الغزارة خلال الأيام المقبلة.

وتواصل فرق الطوارئ مراقبة السدود ومستويات المياه على امتداد مجرى النهر، وسط سباق مع الوقت لتطويق الأضرار ومنع تحول الفيضان إلى كارثة أوسع تهدد مئات القرى والبلدات في شرق سوريا.

المصدر: اندبندنت عربية

زر الذهاب إلى الأعلى