تقارير

تركيا تعطل إمدادات المياه ودمشق تعرقل المساعدات.. أطراف النزاع تفاقم من وباء الكوليرا

أدَّت أكثر من 10 سنوات من النِّزاع في سوريا، إلى تدمير البنية التحتية وخدماتها المدنية، بما فيها مرافق الرعاية الصحية وأنظمة المياه والصرف الصحي وشبكات الكهرباء، وفق ما جاء في تقرير صُدِر عن منظمة هيومن رايتس ووتش.

وتقدّر الأمم المتحدة أن ثُلثَي محطات معالجة المياه في سوريا، ونصف محطات الضخِّ، وثلث أبراج (خزانات) المياه في سوريا تضررت منذ العام 2011.

وقالت “هيومن رايتس ووتش” إنَّ السلطات التركية تفاقم أزمة المياه الحادّة، التي يُعتقد أنَّها أدت إلى انتشار وباء الكوليرا القاتل في جميع أنحاء سوريا وانتقاله إلى البلدان المجاورة.

ودعت المنظمة جميع أطراف النِّزاع ضمان الحق في المياه النظيفة والصحة للجميع في سوريا.

انتشار الكوليرا في سوريا

أعلنت وزارة الصحة السورية عن تفشّي وباء الكوليرا في 10 سبتمبر/ أيلول 2022، ووصفه منسق الأمم المتحدة السابق للإغاثة الإنسانية، عمران رضا، بأنه “تهديد خطير للناس في سوريا” ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها.

من جهتها كانت الإدارة الذاتية قد أعلنت عن تفشّي الكوليرا في “المناطق النهرية” (المحاذية لنهر الفرات) وفي منطقة الحسكة، بعد أن أوقفت تركيا ضخ المياه للمدينة.

وسجّلت “منظمة الصحة العالمية” حتى تاريخ 1 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، /81/ حالة وفاة بسبب الكوليرا في سوريا وأكثر من /24/ ألف حالة اشتباه، وانتشرت الكوليرا منذ ذلك الحين في لبنان.

وفي تقرير لـ”هيومن رايتس ووتش” أعادت انتشار وباء الكوليرا لأسباب عدّة؛ أبرزها، أزمة المياه نتيجة تحكّم تركيا بمنسوب مياه الفرات وقطعها مياه محطة علوك التي تغذي أحياء الحسكة بمياه الشرب.

أزمة مياه سببها تركيا “يُعتَقَد أنها أدّت إلى انتشار الكوليرا”

وقالت هيومن رايتس ووتش “لم تضمن السلطات التركية تدفقاً كافياً للمياه من المنبع نحو الجزء السوري من نهر الفرات، ولا إمدادات مستمرة للمياه من محطة علوك، وهي مصدر حيوي للمياه تقع في منطقة شمال سوريا”.

وأضافت في تقريرها: “أدَّت عوامل عدّة إلى أزمة المياه الحادة التي يعاني منها سكان شمال شرق سوريا بشكل ملحوظ منذ أواخر العام 2020، بما فيها المستويات المنخفضة بشكل خطير للمياه المتدفقة من تركيا إلى الجزء السوري من نهر الفرات، والذي يعتمد عليه أكثر من /5/ ملايين شخص في سوريا بشكل مباشر كمصدر للمياه. ويؤثّر ذلك على قدرة السلطات التي تتحكم بالمياه على خدمة المجتمعات، كم قد يؤدي التركيز العالي للملوثات في المياه إلى انتشار الأمراض”.

ووفقاً لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في يونيو/ حزيران عام 2021، تأثرت /54/ من أصل /73/ محطة مياه على طول الضفة الغربية لنهر الفرات بشكل كبير “بسبب الانخفاض الخطير لمنسوب المياه”.

وقال منسق الأمم المتحدة السابق للإغاثة الإنسانية، عمران رضا، في بيان بتاريخ 13 سبتمبر/ أيلول السابق، إنه “يُعتَقَدْ أنَّ مصدر العدوى مرتبط بشرب الأشخاص مياه غير آمنة مصدرها نهر الفرات، وكذلك استخدام مياه ملوّثة لريّ المحاصيل”.

ويشير تقرير لـ(أوتشا) بشأن سوريا إلى انخفاض بنسبة 65% في معدَّل تدفُّق المياه إلى الجزء السوري من النهر.

وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أنه في الوقت الذي تنفي فيه تركيا مسؤوليتها عن انخفاض مستويات المياه، وتشير إلى أنها بدورها تواجه نقصاً في المياه؛ تؤكد التقارير إلى أنه في الوقت الذي ينخفض منسوب المياه بشكل حاد في خزانات سوريا، والذي كاد يتسبب في أضرار جسيمة للسدود الكهرومائية، ارتفعت مستويات “خزان أتاتورك” التركي، أحد السدود العاملة العديدة على الجزء التركي من نهر الفرات.

وأضافت “تشير تصرفات تركيا ضمناً في بعض الأحيان إلى أن النهر، فعلياً، تركي”.

“قطع مياه محطة علوك من العوامل المسبِّبة لانتشار الكوليرا”

واعتبرت هيومن رايتس ووتش أن قطع تركيا المتكرّر المياه عن سكان الحسكة، من العوامل المسبِّبة لانتشار الكوليرا.

وقالت في تقريرها: “تخدم محطة مياه علوك أكثر من /460/ ألف شخص في محافظة الحسكة، وتصفها الأمم المتحدة بأنها المصدر الموثوق الوحيد للمياه لمدينة الحسكة وجوارها، المحطة، التي تضرَّرت أول مرة خلال العملية العسكرية عام 2019 باتجاه شمال سوريا، تقلَّص ضخ المياه فيها إلى حد بعيد وتوقف أكثر من مرة. أجبر ذلك سكان الحسكة على الاعتماد على صهاريج خاصة باهظة الثمن وغير موثوقة”.

ووثّقت هيومن رايتس ووتش أن تركيا لم تضمن إمدادات المياه الكافية من محطة علوك إلى مناطق في شمال وشرق سوريا في مارس/ آذار 2020، في وسط جائحة كوفيد – 19.

وقالت هيومن رايتس ووتش “إن على تركيا ضمان تقاسم الموارد المائية لنهر الفرات بشكل منصف مع سوريا والعراق، وضمان أن محطة علوك تستأنف فوراً مَدَّ المجتمعات المحتاجة بالمياه. على جميع أطراف النِّزاع السماح لعمال الإغاثة بالوصول المباشر، ودون عوائق، إلى جميع المناطق في سوريا”.

قيودٌ تفرضها دمشق على إيصال المساعدات لمناطق شمال وشرق سوريا

وبحسب هيومن رايتس ووتش؛ فإن انتشار الكوليرا لم تقتصر أسبابها على المياه فحسب.

وقالت إن “القيود طويلة الأمد على وصول المساعدات إلى مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، والتي فرضتها الحكومة السورية في دمشق، تركت منشآت الرعاية الصحية والمنظمات الإنسانية العاملة في شمال وشرق سوريا تكافح لمواجهة مرض يمكن أن ينتشر بسرعة في المناطق التي تشهد ضعف البنية التحتية للمياه والصرف الصحي”.

ووفقا لـ”هيومن رايتس ووتش”، قال أحد عمال الإغاثة: “هناك عائلات بأكملها تمرض، والمراكز الصحية مكتظَّة، والناس يرقدون على الأرض”.

وبحسب عامل الإغاثة “وعدت وكالات الأمم المتحدة بإيصال الإمدادات الطبية، بما فيها المضادات الحيوية والسوائل الوريدية، من دمشق، ولم تصل إمدادات حتى 7 أكتوبر/ تشرين الأول، بعد شهر من إعلان تفشّي المرض”.

وأضاف عامل الإغاثة: “̕دائماً يقولون الأسبوع المقبل، وكل مرة لا تصلنا”.

وتابع عامل الإغاثة القول إن “وكالات الأمم المتحدة تواجه – على ما يبدو – مشاكل في الحصول على موافقة الحكومة السورية على نقل الإمدادات”.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن تحويل وجهة المساعدات والخدمات الأساسية من قبل دمشق بشكل ينطوي على التمييز، بالإضافة إلى استمرار القيود الأمنية والقيود على إمكانية الحصول على المساعدات في جميع أنحاء سوريا، يمنع الاستجابة الإنسانية والاستجابة الطارئة المناسبة في الأجزاء المتضررة من البلاد.

سوريون “من النضال من أجل حقوقهم إلى الكفاح من أجل تلبية أبسط احتياجاتهم”

وبحسب تقرير هيومن رايتس ووتش؛ تحوَّل نضال السوريين من أجل الحقوق المدنية والسياسية، إلى كفاح لتلبية الاحتياجات الأساسية.

وقال آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: “في 2011، وقف السوريون بوجه حكومة ترتكب الفظائع للنضال من أجل حقوقهم المدنية والسياسية. الآن، بعد أكثر من عقد من الزمن، ها هم يكافحون من أجل تلبية أبسط احتياجاتهم الأساسية”.

زر الذهاب إلى الأعلى