آراء وتحليلات

خيارات أردوغان العدوانية للخروج من عنق زجاجة الانتخابات القادمة (2)

3 – حظر حزب الشعوب الديمقراطية وشنُّ المزيد من حملات الإبادة على الكُرد:

من الواضح أن أردوغان عازمً هذه المرة أيضا على فعل كل ما في وسعه لقمع تصويت حزب الشعوب الديمقراطي نهائياً؛ من أجل إبقائه خارج البرلمان تماماً، وضم أصوات المناطق الكُرديّة لأصوات حزبه؛ لأنه يعلم تماماً بأن أي نجاح للمعارضة ستجعل منه “عدنان مندريس” جديد، مصيره القبر، أو “نجم الدين أربكان” مصيره السجن.

لهذا تتزايد منذ فترة الدعوات لحظر حزب الشعوب الديمقراطية (HDP) من جانب الحكومة التركية ويقف وراء ذلك حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية التركي (MHP) ورئيسه “دولت بهجلي” حليف أردوغان.

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن المطالبة بالحظر هي إشارة إلى أن حزب الحركة القومية نفسه في أزمة، حيث تظهر أحدث التوقعات أن الحزب القومي الفاشي لن يتجاوز حالياً عتبة /10/ بالمئة. وتسود في الوقت الحالي تكهّنات في صفوف الرأي العام التركي فيما إذا كان حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان سيغير شريكه في الإئتلاف الحكومي حزب الحركة القومية، بحليف قومي آخر هو حزب “الخير” (IYI) القومي المنشقّ بالأصل عن (MHP).

تسيل الدماء الكُرديّة منذ أن جدَّد أردوغان حربه الهمجية على الكُرد لتأمين الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية عام 2015. لقد دمر الجيش التركي عشرات المدن والبلدات في كردستان الشمالية، وأصبح ما يقرب من مليون نسمة بلا مأوى. كانت السخرية وراء حسابات أردوغان لشن حرب شاملة ضد الحركة الكُرديّة عجيبة. والسبب الأكبر والأهم لفقدانه أغلبيته البرلمانية في يونيو/ حزيران 2015، حقيقةَ أنَّ الحزبً الممثّل لتطلعات للأكراد وله علاقات مع حزب العمال الكُردستاني، أي حزب الشعوب الديمقراطية (HDP)، كان قد نجح في عبور العتبة الانتخابية لتركيا البالغة /10/ في المئة لأوَّل مرة ونال مع ذلك /80/ مقعداً في البرلمان. وكان مفتاح نجاح حزب الشعوب الديمقراطية هو قدرته على كسب أعداد كبيرة من الأكراد المحافظين والمتديّنين الذين دعموا سابقاً حزب العدالة والتنمية في شمال كردستان.

بعد الانتخابات البرلمانية في 15 يونيو/ حزيران 2015، تكررت الهجمات الإرهابية ضد حزب الشعوب الديمقراطية وأنصاره، وكان النظام الأردوغاني مسؤولاً مسؤولية كاملة عن التأجيج، كما هو الحال في مجزرة بلدة “سروج” الواقعة على الجانب الآخر من الحدود التركية، حيث قُتل /33/ اشتراكياً كردياً في يوليو/ تموز 2015؛ أو عندما قتل /109/ شخصاً في هجوم بالقنابل على مَسيرة سلام مؤيدة لـ(HDP) في أنقرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2015، ونسب الهجومان لـ”داعش” بينما مخابرات أردوغان هي من خطَّطت ونفَّذت.

في أعقاب تحريض أردوغان ضد الكُرد؛ هاجمت عصابات يقودها أنصار حزب العدالة والتنمية المئات من مكاتب حزب الشعوب الديمقراطية وأحرقتهم، كما ارتفع عدد الاعتداءات العنيفة على الأكراد العاديين، وبالتزامن مع ذلك قام الجيش التركي بتكثيف العمليات الهجومية في جميع مناطق شمال كردستان وجنوب تركيا؛ مما أدى إلى انخفاض نسبة المشاركة الكُرديّة في يوم الانتخابات وتم تحقيق هذا الهدف، حيث انخفض عدد المقاعد البرلمانية لحزب الشعوب الديمقراطية إلى /54/ في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2015.

أصوات حزب الشعوب الديمقراطية هي بيضة القبان في الانتخابات القادمة

في الانتخابات البلدية في 31مارس/ آذار 2019 تنافس حزب العدالة والتنمية الحاكم (AKP) وحزب الحركة القومية (MHP) في الانتخابات في العديد من المحافظات، في ظل تحالف الشعب المشترك. وبالمثل، دخل حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحزب الخير (IYI) بعض السباقات تحت راية تحالف الأمة. ولم يعلن حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) صراحة دعمه لأي من التحالفين، لكنه لم يقدّم مرشحين في بعض المناطق لتحسين فرص مرشحي المعارضة.

عانى أعضاء تحالف الأمة في البداية من مشاكل تتعلق باختيار المرشحين والانقسامات داخل الحزب، والتي نشأت عن خسارتهم في الانتخابات العامة في يونيو/ حزيران عام 2018. ومع ذلك، نجح كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير بشكل جماعي في تجاوز التوقعات، ما أدى إلى تحقيق انتصارات «صادمة» في المدن الكبرى في تركيا. وشمل ذلك السيطرة على كل من أنقرة عاصمة تركيا وإسطنبول أكبر مدنها سيطر حزب الشعب الجمهوري أيضاً على إزمير، ثالث أكبر مدينة في تركيا، وهو يحكم الآن خمسة من أكبر ستة مراكز سكانية في تركيا بفضل أصوات (HDP) التي قلبت الموازين.

4 – شن حروب الإبادة على روجآفا لتعزيز حظوظ أردوغان الانتخابية:

يخطط أردوغان الآن لشن حملة عسكرية جديدة على مناطق جديدة في روجآفا، بمشاركة تنظيم القاعدة والميليشيات التركمانية و”داعش”، بالتوازي مع سعيه الدؤوب لتطبيع العلاقات مع دمشق والتخلي عن المعارضة السورية التابعة له في سبيل النجاح بالانتخابات.

في الواقع؛ تظهر تركيا باستمرار وجهها المعادية تجاه روجآفا، حيث تستند سياسة تركيا حيال روجآفا إلى حروب احتلال مباشر وقصف بري وجوي بلا انقطاع، لتشريد الكُرد، إبادتهم، وفرض حصار اقتصادي عليهم لخنقهم، ودعم خلايا “داعش” والمرتزقة السوريين والتقرب من دمشق لإثارة القلاقل والفوضى، ومحاولات مستمرة لفرض العزلة الدولية عليهم وتشويه صورة (قسد) والإدارة الذاتية عبر عملائه ضمن الإئتلاف السوري ( المعارض)، وخاصة بعض غلمانه الكُرد، والمعارضة الشرسة لتعاون التحالف الدولي ضد “داعش” مع روجآفا و(قسد)، ودعم الفصائل الإسلامية الإرهابية السورية لمهاجمة الشعب الكُردي ونهب ممتلكاته وتهجيره من أرضه، والقيام بعمليات تغيير ديموغرافي وتطهير عرقي شاملة في مناطق روجآفا المحتلة عبر مرتزقته التركمان والسوريين، بما في ذلك باستخدام إرهابيي “داعش” و”هيئة تحرير الشام”.

يعرف أردوغان حسن المعرفة أن روجآفا لا تهدد تركيا عسكريًا؛ بل تهدده من خلال تقديم رؤية بديلة لما يمكن أن تكون عليه الحياة في المنطقة، لذلك تقوم تركيا بمهاجمة أراضي روجآفا على مدار الساعة.

في 20 يناير/ كانون الثاني عام 2018، شنَّ أردوغان، بالتعاون مع مرتزقته السوريين حملة عنيفة براً وجواً على الكُرد في منطقة عفرين السورية، حتى تمكن من احتلالها وتشريد شعبها بعد شهرين من المقاومة البطولية، ثم دعا إلى إجراء انتخابات مبكرة في 24 يونيو/ حزيران، بعد أن أجَّجَ هذا الهجوم المشاعر القومية والإسلامية المتطرفة في تركيا، ليحصد بعدها ثمار عدوانه على عفرين.

رسالة صلاح الدين دميرتاش للمبتدئين في القضية الكُرديّة

في عام 1992رفض المناضل الكبير “نيلسون مانديلا” استلام جائزة “أتاتورك” لحقوق الإنسان، وسأله أحد الصحفيين عن سبب رفضه، فقال: “حاول أن تكون كردياً ساعة واحدة، وستعلم لماذا رفضت”.

في الواقع، هذا ما يتضمنه فحوى رسالة المناضل صلاح الدين دميرتاش من سجنه في الآونة الأخيرة، أي أنه من المفترض اليوم أن تكون القضية الكُرديّة معروفة بدقة ووضوح من قبل الجميع، لأنها على رأس المشاكل التي لم يتم حلها منذ أعوام في تركيا والمنطقة، في وقت يصر كثيرون من الشوفينيين والعنصريين بعدم وجودها.

يشير دميرتاش بإيجازٍ كبير، بأن المشاكل التي واجهها الكُرد والتي بدأت في الأعوام الأخيرة من عهد الإمبراطورية العثمانية، وتعمّقت في السنوات الأولى للجمهورية التركية، وتجذّرت وانتشرت على نطاقٍ واسع خلال مئة عام، تسمى بـ«القضية الكُرديّة». بعبارةٍ أخرى، المشكلة ليست الكُرد، بل كل ما حدث للكُرد من مذابح وقتل وتشريد وتهميش وما نتج عنه.

رغم ان القضية الكُرديّة هي قضية متعددة الأبعاد ومهمة للغاية ومن الصعب سرد تاريخ هذه القضية، ليس فقط خلال مقال واحد، بل حتى بالعديد من الكتب، وللمشكلة جوانب اجتماعية وسياسية واقتصادية عديدة، فإنه يختصرها ببضعة أسئلة من الحياة اليومية موجهة للناكرين والجاحدين.

لذلك، تستحيل الإجابة بشكلٍ كامل على السؤال المذكور في العنوان من جميع جوانبه في هذا المقال. «القضية الكُرديّة» مشكلة معروفة بشكلٍ عام. ومع ذلك، لا يعلم كثيرون في تركيا تماماً حقائق المشكلة؛ بسبب التصورات التي يؤسسها حزب العدالة والتنمية والنخب التركية السياسية، بالإضافة إلى وجود شريحة مهمة تعتقد أن المشكلة تم حلها أصلاً.

بعبارة أخرى، يقول دميرتاش: “لدي طلب واحد فقط؛ أرجو أن تتحسسوا ضمائركم وتجيبوا على الأسئلة بصدقٍ قدر الإمكان”.

في النهاية، نحن نتحدث عن أهم مشكلة في تركيا تتسبب بالأذى والموت لأعوامٍ عديدة. لفهم ومعرفة القضية بواقعية، ضعوا كل تصوراتكم المسبقة جانباً، ولنبدأ حواراً ودّياً وأخويّاً. ربما لا تكون القضية مشكلة الكُرد فقط، قد يكون لديكم أنتم أيضاً «قضية كُرديّة»، وتكون المشكلة مشكلتنا المشتركة.

لن أمطركم بالمعلومات التاريخية الزمنية، سأحاول التركيز على أمثلةٍ من الحياة اليومية. «غير موجودة»، يُقال عنها بأنها «حُلّت» اليوم. وفي الحقيقة، لا المعلومة الأولى صحيحة، ولا الثانية.

العرب والأتراك والإيرانيون ومن خلفهم المجتمع الدولي، ظلموا الكُرد وما زالوا يظلمون، على الرغم من أن لهم حقوقاً قومية، ولهم حق كباقي الشعوب بكيان مستقل. وبدل أن يعمل الأتراك والعرب والإيرانيون على وضع قضية الكُرد على جدول أعمالهم والاستمرار في مناقشتها حتى إيجاد حلٍّ يُرضي الجميع، لجأوا إلى الحروب كما تفعل تركيا الآن. العاقل هو من يتدارك الأمور قبل تطورها إلى الأسوأ. تركيا تتعجل الأمور ولن تحقق مسعاها في إخضاع الكُرد. يعاني الكُرد من ظلم عظيم، وهم لا ينتهون من حرب يتم شنها عليهم حتى تبدأ حرب أخرى، ومأساتهم أنهم موزّعون على عدد من الدول.

تعمدت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية توزيع الكُرد على عدد من الدول من أجل إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار، وزاخرة بالفتن والحروب. وإذا كان لنا أن نُحصيَ الشعوب التي تقع تحت ظلم كبير الآن، في القرن الحادي والعشرين، فإننا لا نستطيع تجاوز الشعب الكُرديّ الذي يعاني بشدة من الاضطهاد والملاحقة والقتل والتدمير في مختلف الأراضي الكُرديّة.

وإذا كان هناك من يدَّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، ومع العدل وحقوق الشعوب في الحرية والاستقلال؛ فإنه لا مفر أمامه إلا أن نقف مع الشعب الكُردي. ومن أراد أن يكون مُنصِفاً لنفسه؛ فعليه أن يكون منصفاً لغيره، وما يرتضيه لنفسه عليه أن يرضاه للآخرين، وإلا فإنه يقع في الانفصام والازدواجية وفقدان المعيار الأخلاقي.

الشعب الكُردي مظلوم بشدة، وأغلب إجراءات الظلم ضده تأتي من الذين يجب أن يتحملوا واجب الإحسان إليه وهم العرب والأتراك والإيرانيون. الكُرد يتعرضون للمهانة والقتل وتدمير القرى والحيلولة دونهم والاستقلال السياسي منذ زمن بعيد. الكُرد لهم الحق بإقامة كيان خاص بهم، فهم قوم أصحاب ثقافة ولغة مميزتين، كما شعوب الأرض الأخرى، لهم الحق لتأكيد أنفسهم، وتنظيم شؤونهم، والتمتع بكامل الحقوق التي تتمتع بها الشعوب والأمم الأخرى. الكُرد أصحاب ثقافة مميزة، ولهم بصماتهم الثقافية والحضارية في المنطقة العربية الإسلامية. هم شعب كباقي الشعوب ولهم طموحات قومية، وببساطة هم لا يريدون أن يبقوا تحت حكم غيرهم، ويبحثون عن تأكيد ذاتهم الخاصة، وتنمية طاقاتهم الثقافية والفكرية والاقتصادية والتراثية، هم يريدون العودة إلى الحياة ليكونوا على قدم المساواة مع الشعوب الأخرى. ولا يظن أحد أن الكُرد سينال اليأس منهم ويتوقفوا عن محاولاتهم لنيل استقلالهم. وبدل ضرب الكُرد؛ يجب البحث عن حلول عملية للمشكلة، وعلى الجميع في المنطقة العربية الإسلامية أن يتعلموا من تجارب الاستعمار الذي طردته الشعوب في النهاية بالقوة. مساحة كردستان وعدد سكانها كانا يؤهّلانها بعد الحرب العالمية الثانية لإقامة دولة مستقلة ذات سيادة، لكن يبدو أن الاستعمار البريطاني الفرنسي خطط لاستنزاف الطاقات والثروات الخاصة بشعوب المنطقة. وقد نجح الاستعمار في ذلك، من أن يُنهك الشعب الكُردي بسبب الحروب المستمرة ضده، ويستنزف طاقات العراق وإيران وتركيا، ونجح أيضاً في بث مشاعر الكراهية والبغضاء والأحقاد المتبادلة بين الكُرد وبقية شعوب المنطقة من عرب وأتراك وإيرانيين.

للأسف، في الدول التي يعيش فيها الكُرد على أراضيهم التاريخية، يتعرضون للكثير من المخاطر ولا تراهم القوى العالمية إلا وكلاء مفيدين عند الحاجة، وأصدقاء للنسيان عندما لا تكون هناك حاجة لهم.

يتبع…

الآراء المنشورة في المنصة تعبر عن وجهة نظر كتابها..

زر الذهاب إلى الأعلى