آراء وتحليلات

هندسة الانهيار: كيف أدى الانسحاب الأميركي من سوريا إلى تفـ.ـجير ملف سجناء د1عـ.ـش وتعريض الأمن العالمي للخطر

إيرينا تسوكرمان

الخلفية والسياق المؤديان إلى بيئة المخاطر الحالية
على مدار العام الماضي، دخل شمال وشرق سوريا مرحلة من عدم اليقين الاستراتيجي المتسارع، أدّت تدريجياً إلى تآكل أسس سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من دون أن تفرز سلطة بديلة واضحة. هذا التحول لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية واحدة في ساحة المعركة، بل حصيلة تضافر ضغوط سياسية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية، أضعفت مجتمعة قدرة مشروع “روج آفا” على العمل كنظام حكم مستقر. وقد تجنّبت دمشق بعناية أي مواجهة مباشرة من شأنها استدعاء رد فعل دولي فوري، واعتمدت بدلاً من ذلك سياسة ضغط محسوب تهدف إلى إنهاك قسد، وتفكيك تحالفاتها، واختبار حدود تحمّل الأطراف الخارجية.

أحد المحاور المركزية في هذه الاستراتيجية كان الاستهداف المنهجي للمكوّن العربي داخل قسد. تدرك دمشق أن صلابة حكم قسد لا تعتمد فقط على القوة العسكرية الكردية، بل أيضاً على مشاركة العرب في الأمن المحلي والإدارة وعمليات الاحتجاز. ومن خلال وسطاء، وعناصر مرتبطة بالاستخبارات، ووسطاء عشائريين، وجّه النظام رسالة ثابتة إلى القيادات العربية مفادها أن التعاون مع الإدارة الذاتية يحمل مخاطر شخصية وجماعية طويلة الأمد. ورغم أن الاغتيالات وحالات الاختفاء وحملات الترهيب لم تكن متواصلة في كل المناطق، إلا أنها كانت كافية لخلق مناخ من الخوف والحذر، ما أدى إلى تراجع التجنيد، وتقويض الثقة، وإضعاف القدرة المحلية على إنفاذ الأمن.

في الوقت ذاته، تصاعد الضغط الاقتصادي. تعطّلت طرق التجارة، وتقيّدت إمدادات الوقود، وتقلّصت مصادر الإيرادات. وواجهت الإدارة الذاتية صعوبة في دفع الرواتب، وصيانة البنية التحتية، وتقديم الخدمات الأساسية. هذه الضغوط لا تخلق معاناة فحسب، بل تقوّض الشرعية. فعندما تشهد المجتمعات المحلية تدهوراً في ظروف المعيشة من دون أفق سياسي واضح، تصبح الولاءات مؤقتة ونفعية. ويكون هذا المناخ مدمّراً بشكل خاص لعمليات الاحتجاز، التي تعتمد على تمويل مستدام، وكوادر منضبطة، وتعاون مجتمعي.

كما أصبح المشهد الأمني الخارجي أكثر غموضاً. فمع بقاء الوجود الأميركي، بدا التزام واشنطن طويل الأمد متزايد الشك في نظر الفاعلين المحليين. وهذا الإدراك لا يقل أهمية عن أعداد القوات الفعلية. فعندما يشتبه الشركاء في أن الدعم قد يُقلَّص أو يُؤجَّل أو يُسحب، يبدأون في التحوّط. وينتشر هذا السلوك داخل هياكل الحكم: القادة يحافظون على القوى البشرية، المجالس المحلية تتجنب المخاطرة، وحراس السجون والقوات المساندة يصبحون أقل استعداداً لمواجهة الاضطرابات بحزم. ومع مرور الوقت، يتآكل الردع من الداخل.

وقد دعّمت دمشق هذا الضغط بإشارات عسكرية انتقائية. فالقصف المدفعي، ونشاط الطائرات المسيّرة، والهجمات الاستطلاعية لم تهدف إلى السيطرة على الأرض، بل إلى إجبار قسد على إعادة نشر قواتها. وكل إعادة تموضع بعيداً عن مرافق الاحتجاز ودوريات مكافحة الإرهاب تزيد من المخاطر النظامية. واضطرت قسد إلى إعطاء الأولوية للدفاع الفوري عن الجبهات والاستقرار الداخلي على حساب الاحتواء طويل الأمد لبقايا داعش. وهذا المقايضـة غير قابلة للاستمرار مع مرور الوقت، خاصة في ظل الحجم الهائل لعدد المحتجزين.

أما نظام الاحتجاز نفسه، فيمثّل أحد أكثر إرث مرحلة ما بعد “الخلافة” هشاشة. فقد تحمّلت قسد مسؤولية عشرات الآلاف من سجناء داعش في ظروف طارئة، على أمل أن يوفّر المجتمع الدولي حلولاً دائمة لاحقاً. غير أن تلك الحلول لم تتحقق. ولا تزال المنشآت مكتظة، والحراس يعانون من نقص الموارد، والوضع القانوني غير محسوم، فيما تقيم عائلات المحتجزين في محيط قريب، ما يخلق ضغوطاً اجتماعية وتحديات أمنية إضافية. ولم يصمد هذا النظام إلا بفضل بيئة أمنية عامة كانت مستقرة نسبياً. ومع تدهور هذه البيئة، اختفى هامش الخطأ.

خلال الأسبوعين الأخيرين، تركزت عدة عوامل ضغط في وقت واحد، بطريقة تعكس المقدمات الكلاسيكية لفشل أنظمة الاحتجاز. أول هذه العوامل كان تصاعد الاشتباكات المحلية والحوادث الأمنية التي أجبرت قسد على إعادة توزيع القوى بسرعة. ولا يشترط أن تكون هذه الأحداث معارك كبرى كي تكون ذات دلالة استراتيجية؛ فحتى موجات عنف قصيرة قد تستدعي إعادة انتشار طارئة، وتُضعف تناوب الحراس، وتقلل من عدد العناصر ذوي الخبرة المكلّفين بالحراسة. وفي الأنظمة الهشة، يمكن لصدمة تشغيلية صغيرة أن تُحدث آثاراً كبيرة لأن مستويات التوظيف تكون أصلاً عند الحد الأدنى.
العامل الثاني تمثّل في الضغوط الواضحة داخل المناطق ذات الغالبية العربية، حيث تعتمد سلطة قسد بشكل كبير على التعاون المحلي. وخلال الأسبوعين الماضيين، ظهر النمط المعتاد في مثل هذه الظروف: احتجاجات، قطع طرق، رفض التعاون مع الحواجز، وتصاعد العداء تجاه المجالس المحلية. بعض ذلك نابع من ضيق اقتصادي حقيقي وغضب من إخفاقات الحكم، وبعضه نتيجة تحريض خارجي. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: سحب القوات الأمنية إلى مهام ضبط الحشود والاستقرار، وتدهور البيئة الاستخباراتية مع توقف المجتمعات عن تقديم المعلومات.

العامل الثالث كان تصاعد أنماط الترهيب المستهدف بما يتوافق مع حملة متعمدة لتصفية الوسطاء المحليين. ففي المراحل التي تسبق مكاسب تمردية كبرى، غالباً ما تُسجّل اغتيالات أو محاولات اغتيال لشخصيات عشائرية وأعضاء مجالس محلية وضباط ارتباط أمني. الهدف هو كسر البنية البشرية التي تجعل الحكم ممكناً. وعندما يُزال الوسطاء المحليون، ينهار التعاون وتكتسب الجماعات المسلحة حرية الحركة. وحتى إن لم تُنسب كل هجمة إلى فاعل واحد، فإن الأثر التراكمي واحد، ويزيد من هشاشة النظام.

أما العامل الرابع، وهو الأكثر ارتباطاً مباشرة بالموضوع، فيتمثل في مؤشرات تصاعد التوتر حول مرافق الاحتجاز نفسها. فالمرحلة التي تسبق الهروب الجماعي لا تبدو عادة اقتحاماً مفاجئاً، بل اضطرابات، وتحريضاً متزايداً بين المحتجزين، ومحاولات جسّ نبض لإرهاق الحراس، وضغط على المحيط عبر اضطرابات محلية. يختبر المحتجزون أزمنة الاستجابة، ويبحثون عن نوبات حراسة ضعيفة، ويستغلون اللحظات التي تشتّت فيها الحوادث الخارجية القادة. ويحاولون خلق فوضى داخلية تتزامن مع ضغط خارجي. وفي هذه المرحلة، قد يتحول حتى خرق محدود إلى شرارة لتفكك أوسع، لأن السلطات قد تختار الانسحاب بدلاً من خوض معركة داخل منشأة مكتظة.

العامل الخامس هو الضغط اللوجستي والإداري، الذي غالباً ما يُستهان به لأنه أقل درامية من تبادل إطلاق النار. فعندما تتأخر الرواتب، وتتناقص الإمدادات، وتُربك أزمات الوقود النقل، ويعجز القادة عن ضمان التعزيزات، تنهار المعنويات. ويصبح الحراس أكثر عرضة للرشوة أو الهروب أو عدم الامتثال السلبي. وفي الأسبوعين الأخيرين قبل فشل كبير في الاحتجاز، يبدأ النظام غالباً في التصرف وكأنه يتوقع الانهيار. ويتوقف الأفراد عن المخاطرة من أجل سلطة يعتقدون أنها تضعف. وعندها، تتحول حادثة كان يمكن احتواؤها سابقاً إلى كارثة لا يمكن السيطرة عليها.

المسرّع الأخير في مثل هذه الفترات هو سيكولوجيا عدم اليقين. فعندما يعتقد الفاعلون المحليون أن تحولاً في السيطرة بات وشيكاً، يبدأ الجميع في التحوّط في آن واحد. تفتح الشخصيات العشائرية قنوات مع دمشق، وتُحضّر شبكات التهريب مسارات خروج، وتعيد الميليشيات المحلية تموضعها، ويقدّم بعض العناصر الأمنيين سلامة أسرهم على الواجب. ولا يتطلب ذلك أوامر رسمية، بل يحدث تلقائياً عندما يعتقد الناس أن المركز لم يعد قادراً على حمايتهم. وفي مثل هذا المناخ، قد ينهار نظام السجون لا لأن أحداً أصدر أمراً بالإفراج، بل لأن المنظومة السياسية المحيطة توقفت عن دعم إنفاذه.

تتضافر كل هذه الضغوط قصيرة الأمد في مسار واحد عالي الخطورة: قسد منهكة تضطر لإعطاء الأولوية للجبهات والاضطرابات الداخلية، وبيئة استخباراتية متدهورة، وشبكة تمردية متشجعة تسعى لتحرير كوادرها، ومواقع احتجاز مثقلة هيكلياً. وهذه هي الوصفة للسيناريو الأسوأ الذي يجري التحذير منه، أي الانهيار المتسلسل يعقبه هروب أو تشتت أعداد كبيرة من محتجزي داعش. وإذا اكتمل هذا التسلسل، فلن يقتصر الأمر على زيادة العنف المحلي، بل سيعيد لداعش قياداته التشغيلية، ويشعل من جديد حملات الترهيب ضد الشركاء العرب والأكراد، ويفتح مسارات عابرة للحدود تبدأ بالعراق ثم تمتد إلى خارجه.

الأحداث الأخيرة المحددة والانهيارات المحلية التي تغذي خطر انهيار قسد وتشتت سجناء داعش
في المرحلة النهائية المؤدية إلى الفشل النظامي، لم يعد الضغط على قسد مجرد عامل مجرد، بل تجسّد في انهيارات محلية ملموسة عبر عدة مراكز حضرية وشبه حضرية في شمال شرق سوريا. فقد شهدت مدن مثل الحسكة، والقامشلي، والرقة، ودير الزور، والأرياف المحيطة بها ضغوطاً متفاوتة، لكن أثرها التراكمي كان إغراق التنسيق، وإضعاف سلطة القيادة، وتفكك التغطية الأمنية. وتكمن أهمية هذه المدن ليس فقط في كثافتها السكانية، بل في استضافتها مرافق احتجاز رئيسية، وعُقد لوجستية، ونقاطاً إدارية تشكّل ركائز نظام أمن قسد.
ظلت الحسكة نقطة الضغط الأشد، لكونها تضم بعض أكبر مجمعات الاحتجاز والنزوح التي تؤوي محتجزي داعش وعائلاتهم. وفي الأيام الأخيرة، أجبرت الاضطرابات المتزايدة في الأحياء والمخيمات المحيطة على إعادة نشر متكررة لوحدات قسد، ما خفّض كثافة الحراسة وأطال أزمنة الاستجابة. كما أن التركيبة الإثنية المختلطة للمدينة وقربها من مناطق سيطرة النظام خلقت بيئة أسهل للاختراق الاستخباراتي والتحريض المحلي. وحتى الاضطرابات المحدودة في هذا السياق أحدثت آثاراً متسلسلة لأن موارد القيادة كانت أصلاً شحيحة.

في القامشلي، تشكّل الوضع بفعل تداخل الصلاحيات والقرب من قوات النظام. فقد عقّد وجود عناصر أمنية مرتبطة بالنظام داخل المدينة أو قربها حركة قسد وقراراتها، ما خلق تردداً في نشر التعزيزات وحدّ من حرية المناورة. ومع تصاعد الإشارات السياسية، بدأ الفاعلون المحليون في التحوّط ترقباً لتحولات محتملة في السيطرة. وزاد هذا المناخ من احتمال إدارة حوادث الاحتجاز بأسلوب دفاعي لا حاسم، ما رفع خطر خروج الاضطرابات عن نطاق الاحتواء.
أما الرقة، ذات الرمزية العالية بوصفها العاصمة السابقة لـ“خلافة” داعش، فقد شهدت ضغوطاً أمنية متجددة نتيجة عودة الاغتيالات وحملات الترهيب المستهدفة. وقد ركزت هذه العمليات على قادة محليين ووسطاء أمنيين، لا على هجمات واسعة النطاق. وكان أثر ذلك تقويض التعاون وتآكل الثقة بين المجتمعات والقوى الأمنية. ومع انتشار الخوف، تضرر جمع المعلومات الاستخباراتية، ما صعّب رصد المؤشرات المبكرة على تحريض منسق داخل مرافق الاحتجاز أو تسهيل خارجي لعمليات هروب.

في دير الزور وريفها، برزت الساحة الأكثر تقلباً بسبب التفكك العشائري والقرب من ممرات التهريب. وشهدت المنطقة اشتباكات متكررة بين فصائل محلية، واحتجاجات على مظالم الحكم، وحوادث مسلحة أجبرت وحدات قسد على التشتت عبر رقعة جغرافية واسعة. وأضعف هذا التشتت القيادة المركزية وقلّص القدرة على تعزيز مرافق الاحتجاز بسرعة. كما زادت البيئة الحدودية المفتوحة من خطر انتقال أي فارّين بسرعة إلى خارج نطاق الملاحقة.
في هذا السياق، لم تفشل مرافق الاحتجاز دفعة واحدة وبشكل درامي، بل عانت نمطاً من أحداث الضغط المحلية التي رفعت مجتمعة احتمال التشتت الأوسع. وشملت هذه الأحداث أعمال شغب داخل أماكن الاحتجاز، واضطرابات منسقة تزامنت مع حوادث أمنية خارجية، وضغوطاً على الحراس الذين كانت معنوياتهم قد تآكلت أصلاً بفعل الغموض حول الرواتب والتعزيزات والدعم السياسي. وفي عدة حالات، أفادت التقارير بأن القوات الأمنية فضّلت الاحتواء على المواجهة لتجنب سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وهو قرار إنساني في نواياه، لكنه زاد خطر الهروب الجزئي.
كما برز دور مخيمات العائلات والتجمعات المدنية المحيطة بشكل أوضح. فالمرافق التي تحتجز أقارب السجناء غالباً ما تكون ملاصقة للسجون وتتطلب جهداً أمنياً دائماً. ومع انتشار الاضطرابات في هذه المناطق، سُحب الحراس من مهام الاحتجاز الأساسية لإدارة ضبط الحشود ومنع اتساع العنف، ما خلق نوافذ فرصة لاختبار المحيط واستغلال نوبات الحراسة الضعيفة والتنسيق بين الداخل والخارج.

عامل حاسم آخر كان تآكل وضوح القيادة خلال التطورات السريعة. فمع تداول تقارير عن تقدم للنظام أو مفاوضات أو تحولات سياسية، واجه القادة المحليون غموضاً حول قواعد الاشتباك والتوقعات طويلة الأمد. وفي مثل هذه اللحظات، يميل اتخاذ القرار إلى تجنب المخاطر بدلاً من الاحتواء الحازم. وهذا بالضبط الظرف الذي تكون فيه أنظمة الاحتجاز الأكثر هشاشة، لأن التردد قد يكون أشد ضرراً من المواجهة المباشرة.

الأثر التراكمي لهذه الانهيارات على مستوى المدن لم يكن سقوطاً واحداً مدوّياً، بل انهياراً متدرجاً في الثقة والسيطرة. عزز كل حادثة الانطباع بأن السلطة تضعف. توقّع الحراس التخلي عنهم، واستعد الفاعلون المحليون لخطط خروج، وتموضعت شبكات التهريب لنقل الأشخاص بسرعة، واستغل ميسّرو داعش الفوضى لإعادة الاتصال بالمحتجزين وتفعيل خطط كامنة. هذا التلاقي في العوامل خلق الظروف التي جعلت الإفراج عن السجناء أو هروبهم ليس ممكناً فحسب، بل مرجحاً على نحو متزايد.

ومن المهم أن هذه الأحداث جرت بشكل غير متكافئ، ما عقّد الاستجابة. فبقيت بعض المناطق مستقرة نسبياً بينما تدهورت أخرى بسرعة، ما ولّد ثقة زائفة وأجّل التدخل الحاسم. وبحلول الوقت الذي اتضحت فيه الصورة، كان النظام قد فقد قدرته على التعويض. ويعتمد أمن الاحتجاز على التكرار والاحتياط أكثر مما يعتمد على القوة؛ وحين يختفي هذا الاحتياط، يصبح التعافي أصعب أضعافاً مضاعفة.

مجتمعةً، تُظهر التطورات المحددة في الحسكة والقامشلي والرقة ودير الزور ومحيطها كيف تُترجم الهجمة الاستراتيجية الواسعة إلى انهيار أمني محلي. إن إطلاق سراح سجناء داعش أو تشتتهم في مثل هذا المناخ ليس حادثة معزولة ولا شذوذاً، بل النتيجة المتوقعة لضغط مستدام فُرض على نظام هش من دون بديل قابل للحياة. وإذا استمر هذا المسار، فإن العواقب ستتجاوز سوريا بكثير، لأن الأفراد المعنيين، والشبكات التي سيعيدون الارتباط بها، والمسارات التي سيسلكونها، كلها عابرة للحدود بطبيعتها.

إطلاق السجناء والانتقال من الخطر إلى الواقع

ما كان يتبلور خلال الأسابيع الماضية كمسار عالي الخطورة دخل الآن مرحلة لا رجعة فيها. فقد وقع بالفعل إطلاق سراح وتشتت آلاف من سجناء داعش في مواقع متعددة، محوّلاً ما كان سابقاً سيناريو تحذير إلى أزمة أمنية عالمية قائمة. ولم تتخذ هذه الإطلاقات شكل قرار مركزي واحد، بل جرت عبر مزيج من انسحابات فوضوية، ومرافق احتجاز منهكة، وانهيارات جزئية في السيطرة على المحيط، وقرارات اتُّخذت تحت الإكراه من قبل سلطات محلية واجهت انهياراً وشيكاً. ويتسق هذا النمط مع الكيفية التي حدث بها تشتت جماعي للمحتجزين في مناطق نزاع سابقة، حيث يسبق الفشل النظامي الاعتراف الرسمي.

في مدن مثل الحسكة ومحيطها، شهدت مرافق الاحتجاز إخفاقات أمنية متسلسلة مع إعادة نشر قوات قسد للتعامل مع تهديدات متزامنة. ومع تقلص وحدات الحراسة وتدهور القدرة على الاستجابة، اجتاحت اضطرابات منسقة داخل مراكز الاحتجاز ما تبقى من الأمن. وفي عدة حالات، أُطلق سراح محتجزين أو فرّوا خلال فترات عدم استقرار حاد، عندما فضّلت السلطات منع إراقة دماء واسعة أو حالة هلع مدني على الحفاظ على الاحتجاز. واتُّخذت هذه القرارات تحت ضغط شديد، ومن دون وقت كافٍ للتنسيق الخارجي أو التعزيز.

في الرقة ودير الزور، جرت عمليات الإفراج في سياق مختلف. فهناك كان الانهيار أقل ارتباطاً باضطرابات السجون المباشرة، وأكثر ناتجاً عن تفكك البيئة الأمنية المحيطة. ومع تصاعد الاغتيالات والاشتباكات العشائرية والمواجهات المسلحة، أصبحت مرافق الاحتجاز غير قابلة للاستمرار. وواجه القادة المحليون احتمال اجتياح السجون بالكامل، إما من شبكات مرتبطة بداعش أو بفعل اضطرابات مدنية غير مضبوطة. وفي مثل هذه الظروف، حدثت إفراجات انتقائية وفقدان للسيطرة بوصفها جزءاً من انهيار مؤسسي أوسع، لا أحداث هروب منفصلة.

وقد غيّر إطلاق السجناء المشهد الأمني فوراً. فالعناصر المرتبطة بداعش، التي كانت محتواة لسنوات، باتت مشتتة في البيئات الريفية والحضرية. وقد أعاد بعضهم الاتصال بميسّرين معروفين وشبكات تهريب، فيما اختفى آخرون داخل هياكل عائلية أو عشائرية توفر الغطاء والحركة. وهذا التشتت يجعل إعادة القبض عليهم شبه مستحيلة. وعلى عكس الهروب الجماعي الواحد، فإن التشتت يجزّئ التهديد داخل السكان المدنيين، ما يعقّد جهود مكافحة الإرهاب بشكل جذري.

وكان أثر ذلك على المجتمعات المحلية سريعاً وقاسياً. فقد أصبح القادة العرب والأكراد الذين تعاونوا مع قسد عرضة للانتقام من قبل المفرَج عنهم. وتصاعد الخوف، وتراجع التعاون مع الهياكل الأمنية المتبقية، وبدأ الحكم غير الرسمي في التفكك. وفي عدة مناطق، أفاد السكان بزيادة الترهيب والإنذارات الصادرة عن عناصر مرتبطة بداعش، في إشارة إلى إعادة فرض السيطرة عبر الخوف لا عبر العنف العلني. وهذا نمط كلاسيكي للعودة في مراحلها الأولى.

إقليمياً، بدأت العواقب بالظهور. فقد شرع السجناء المفرج عنهم في التحرك عبر ممرات معروفة نحو العراق، مستغلين الحدود المفتوحة وشبكات التهريب الراسخة. وتواجه الأجهزة الأمنية العراقية الآن ضغوطاً متجددة مع استعادة شبكات كانت تُعد خاملة لقيادتها وتنسيقها. ويهدد هذا التطور زعزعة استقرار محافظات لم تتعافَ سوى جزئياً من دورات سابقة من عنف داعش. ولم يعد خطر الامتداد نحو الأردن والخليج نظرياً، مع تزايد التهريب وحركة المسلحين.

وعالمياً، للإفراج تداعيات فورية على الأمن الدولي. فمن بين المفرج عنهم مقاتلون أجانب وأفراد ذوو خبرة عملياتية عابرة للحدود. وحريتهم تزيد احتمال التخطيط الخارجي، والتسهيل، والإرشاد الأيديولوجي لفروع التنظيم في الخارج. وتواجه أجهزة الاستخبارات تحدي تتبع مجموعة مشتتة بقدرات محدودة على الرصد والملاحقة القانونية. وهذا بالضبط ما سعت استراتيجيات مكافحة الإرهاب إلى منعه عبر الحفاظ على السيطرة على الاحتجاز في شمال شرق سوريا.

أما القيمة الدعائية لداعش فهي هائلة. إذ بدأ التنظيم بالفعل في تصوير الإفراجات كدليل على صموده و”نصر إلهي”. ويركّز الخطاب على أن السجون عجزت عن احتجاز مقاتليه، وأن خصومه منقسمون وغير قادرين على الحفاظ على السيطرة. ويتردد هذا الخطاب بعيداً عن سوريا، خاصة في البيئات التي تعاني اغتراباً اجتماعياً وعدم استقرار سياسي. ومن المرجح أن تتبعه موجات تجنيد وتعبئة أيديولوجية.

كما تكشف هذه التطورات فشلاً بنيوياً أعمق في المقاربة الدولية لاحتواء مرحلة ما بعد “الخلافة”. فقد تُركت مسؤولية آلاف المحتجزين على عاتق فاعل غير دولتي يعمل تحت حصار، من دون دعم سياسي أو موارد دائمة. وعندما انهار هذا الفاعل تحت الضغط، لم تكن هناك خطة طوارئ. والنتيجة ليست فشلاً محلياً فحسب، بل فشل نظامي ينقل عبء الخطر إلى المجتمع الدولي بأسره.

وبالنظر إلى الوراء، يتضح أن انهيار سيطرة قسد على الاحتجاز لم يكن مفاجئاً ولا غير متوقع. فقد اتبع مساراً واضحاً من العزلة السياسية، والضغط الاقتصادي، وإعادة نشر القوى الأمنية، وتآكل الشرعية. وكان الإفراج النهائي عن سجناء داعش هو المحطة المنطقية لهذا المسار، لا استثناءً عنه. وما يميّز اللحظة الراهنة أن العواقب باتت تتكشف في الزمن الحقيقي، مع خيارات محدودة للعكس.

الواقع الاستراتيجي هو أن إطلاق سراح آلاف من سجناء داعش أعاد فتح فصل ظنّ الإقليم والعالم أنه أُغلق. لقد فشل الاحتواء. ولم يعد التهديد محصوراً. وما تبقى هو سباق للحد من الآثار الثانوية والثالثية، مع إدراك أن الضرر الأساسي قد وقع بالفعل.

طمس إرث محاربة داعش: المقاتلات الكرديات، التمثال المدمَّر، وأولويات دمشق

لم تكن النساء الكرديات اللواتي قُتلن في قتال داعش مجرد مقاتلات في حرب وحشية، بل أصبحن رموزاً للمقاومة ضد حركة استعبدت النساء، ودمّرت المجتمعات، وسعت إلى فرض الخوف كنظام سياسي دائم. ولم يكن دورهن هامشياً؛ إذ كانت المقاتلات في كثير من الأحيان في صلب العمليات الأمامية، وجمع المعلومات، والدفاع المجتمعي، وحملن دلالة نفسية قوية لأن داعش بنى جزءاً من قوته على إذلال النساء والسيطرة عليهن. وعندما حملت النساء الكرديات السلاح وهزمن داعش في معارك مفصلية، حطّمن أسطورته وقدّمن رواية بديلة عن الكرامة والتحدي. وبهذا المعنى، كان لتضحياتهن معنى إقليمي يتجاوز بكثير السياسة الداخلية لقسد.

من هنا تكتسب عملية تدمير تمثال يخلّد هؤلاء المقاتلات أهمية خاصة. فالأمر ليس تخريباً عادياً ولا عملاً معزولاً بدافع الحقد السياسي. فالرموز في بيئات ما بعد الحرب هي بيانات سياسية تُقدَّم على الملأ. وتدمير نصب يكرّم نساءً قُتلن في قتال داعش يرسل إشارة واضحة حول أي السرديات تريد السلطة الجديدة محوها وأي الذكريات تسعى لاستبدالها. ولا ينفق نظام رأسمالاً سياسياً على تحطيم تماثيل إلا إذا اعتقد أن رمزيتها تهدد شرعيته. والفعل يبلّغ بأن دمشق تعطي أولوية للسيطرة السياسية على الذاكرة المشتركة، ومستعدة لإضعاف وحدة مناهضة لداعش إذا نافست روايتها المفضلة عن السيادة.

الرسالة المضمَرة في هذا الفعل هي أن النظام ليس معنياً أساساً بتكريم النضال الجماعي ضد داعش، بل باستعادة الملكية الأيديولوجية لتاريخ سوريا. فقد أوجدت الحملة التي قادها الأكراد ضد داعش شرعية موازية، متجذرة في التضحية والحكم المحلي والشراكة الدولية. وهذه الشرعية خطِرة على دمشق لأنها توحي بأن السلطة يمكن اكتسابها خارج الدولة. ومن خلال تفكيك النُصُب التذكارية للمقاتلات الكرديات، يؤكد النظام أن الدولة المركزية وحدها تملك حق تعريف البطولة الوطنية والمعاناة الوطنية والنصر الوطني. وهذا أقل ارتباطاً بداعش وأكثر تعلقاً بمحو مصادر بديلة للسلطة الأخلاقية.

ويكشف ذلك أيضاً كيفية حساب دمشق للأولويات. فحكومة تركّز على منع عودة داعش ستكون حذرة في التعامل مع الرمزية التي تعزز التعاون المحلي والمعنويات لدى القوى والمجتمعات التي قاتلت داعش. وستتجنب استفزاز تلك المجتمعات، لأن مكافحة التمرد تعتمد على الثقة وتبادل المعلومات والاستعداد لمقاومة الترهيب. وعندما تختار دمشق تدمير نصب لمقاتلات مناهضات لداعش، فإنها تشير إلى أن المصالحة والتنسيق في مكافحة الإرهاب ثانويان أمام السيطرة وإذلال الخصوم. وعملياً، هو خيار يزيد الاستياء، ويقلل التعاون، ويخلق ثغرات تستغلها الجماعات المتطرفة.
وتتضاعف حدة الرمزية لأن المكرَّمات كنّ نساءً. ففي معظم المنطقة، لا تزال مشاركة النساء المسلحة مسألة حساسة سياسياً، وقد مثّلت المقاتلات الكرديات تحدياً مباشراً للسرديات الأبوية وللأيديولوجيا الإسلامية المتطرفة. نظر داعش إليهن كخصوم أيديولوجيين، ورأت فيهن مجتمعات كردية كثيرة حاميات. ومن ثم، يُقرأ تدمير نصبهن ليس كهجوم على قسد فحسب، بل كهجوم على نموذج اجتماعي أحرج داعش وأنظمة استبدادية أخرى. وهو ما يوحي بأن دمشق غير مرتاحة للمعنى الاجتماعي لهؤلاء المقاتلات بقدر عدم ارتياحها لإرثهن السياسي.

ولهذا تبعات على المجتمعات العربية أيضاً. فقد تحالفت عشائر عربية وفاعلون محليون في شمال شرق سوريا مع قسد جزئياً لأن قسد كانت القوة التي أبعدت داعش. وعندما تهاجم دمشق رموز قسد، فإنها ترسل بصورة غير مباشرة إشارة إلى نزع الشرعية عن التحالف المناهض لداعش. وقد يفسر الشركاء العرب الذين خاطروا بالتعاون ذلك على أنه تحذير من أن تضحياتهم وخياراتهم ستُعاد كتابتها أو معاقبتها لاحقاً. وهذا الإدراك يشجع التحوّط والصمت والانسحاب من التعاون، ويضعف الشبكات المحلية التي تمنع عودة خلايا داعش.

كما ينسجم تدمير التمثال مع نمط أوسع لسياسات ترميم السلطوية. فالأنظمة الاستبدادية غالباً ما تسعى إلى إعادة كتابة التاريخ القريب لتصوير نفسها كحتمية، ونزع الشرعية عن كل مراكز القوة البديلة. وإذا بقيت قصة هزيمة قسد لداعش بارزة، يصبح من الصعب على دمشق الادعاء بأن الدولة وحدها قادرة على توفير الأمن. وبمحو تلك القصة، يقلّص النظام المنافسة على الشرعية. ولا يحتاج لإثبات أنه يحكم جيداً، بل يكفيه أن يضمن ألا يُذكر أي طرف آخر على أنه حكم أفضل.

من منظور أمني، يُعد هذا قصير النظر على نحو بالغ. فداعش يزدهر في البيئات التي تشعر فيها المجتمعات بالخيانة والإذلال والتخلي عنها. وعندما تُستهدف الكرامة المحلية وتُسخر التضحيات، يتحول الغضب إلى مورد للتجنيد والترهيب. ولا يحتاج داعش إلى أن يحبه الناس، بل أن يكرهوا طرفاً آخر أكثر، أو أن يشعروا بأن لا سلطة تستحق الولاء. ويُسرّع الإذلال الرمزي هذا الانهيار العاطفي، ويزيد احتمال انسحاب المجتمعات من التعاون، وهو بالضبط ما يحتاجه داعش للعمل.

كما يبعث تدمير النصب برسالة إلى المراقبين الخارجيين مفادها أن دمشق تعطي أولوية لرمزية السيادة على حساب مكافحة الإرهاب العملية. فلو كان النظام يركز حقاً على منع عودة داعش، لشدّد على سرديات الوحدة التي تجمع العرب والأكراد والمدنيين والقوى الأمنية في ذاكرة مشتركة لمقاومة التطرف. وبدلاً من ذلك، يوحي الفعل بتركيز على المركزية والعقاب، ما يقوض ثقة الشركاء الخارجيين الذين قد يدعمون الاستقرار. ويشير إلى أن دمشق مهتمة بالهيمنة على الشمال الشرقي أكثر من الحفاظ على ما نجح في احتواء داعش.

وأخيراً، ينبغي قراءة معنى هذا الفعل في سياق مخاطر الانهيار الأوسع في شمال شرق سوريا. فعندما تكون أنظمة الاحتجاز قد زُعزعت وتتوفر لداعش مساحة لإعادة التشكل، تصبح الرمزية أكثر حساسية. فالعالم لا يراقب فقط قدرة دمشق على السيطرة على الأرض، بل قدرتها على الحفاظ على الشرعية والتعاون. ويشير تدمير تمثال يكرّم نساءً قُتلن في قتال داعش إلى أن أولويات دمشق لا تتماشى مع الاحتياجات الملحّة لمكافحة الإرهاب في هذه اللحظة. إنه تصريح بأن السيطرة على السردية أهم من تماسك التحالف، وأن معاقبة الخصوم أهم من الحفاظ على الوحدة الاجتماعية الهشة التي أبقت داعش تحت السيطرة.

إشارة باراك: إدارة دمج الأكراد، الانسحاب السريع، والفجوة الخطيرة بين النية والنتيجة

عبّرت السياسة الأميركية إزاء هذه التطورات عن نفسها من خلال تصريحات السفير توم باراك. فقد قدّم باراك سياسة إدارة ترامب في سوريا على أنها تحوّل متعمّد بعيداً عن شراكة طويلة الأمد مع قسد، نحو دمج سريع للقوى والأراضي الكردية في دولة سورية مركزية معترف بها حديثاً. وصوّر هذا التحول كفرصة تاريخية للأكراد السوريين لنيل المواطنة والاعتراف الثقافي والمشاركة السياسية، وكخاتمة منطقية للمهمة الأميركية الأصلية في شمال شرق سوريا، التي عرّفها بهزيمة “خلافة” داعش الإقليمية. وأكد باراك أن دمشق تُعد الآن شريكاً شرعياً في مكافحة الإرهاب، وأن الولايات المتحدة تسهّل بنشاط تسليم المسؤوليات الأمنية ومرافق الاحتجاز، ولا مصلحة لها في الإبقاء على وجود عسكري طويل الأمد أو دعم الحكم الذاتي أو الفيدرالية. ووفق روايته، فإن الدمج ليس تنازلاً فرضته الأحداث، بل انتقالاً مُداراً تقوده الدبلوماسية الأميركية لمنع عدم الاستقرار وعودة داعش.

غير أن تصريحات باراك، عند قراءتها على ضوء ما جرى فعلياً على الأرض – بما في ذلك الإفراج المؤكد عن آلاف من سجناء داعش وتشتتهم – تبدو أقل تفسيراً وأكثر تبريراً لاحقاً لفشل سياسي بدأت عواقبه بالظهور. فجوهر حجته يقوم على أن الغرض الأصلي لقسد انتهى لأن داعش لم يعد يسيطر على أرض، ولأن دمشق عادت شريكاً قابلاً للحياة في مكافحة الإرهاب. وهذا الإطار معيب بعمق. إذ لم تكن أصعب مراحل مكافحة داعش هزيمة الإقليم، بل الاحتواء طويل الأمد لشبكاته وأيديولوجيته وبنيته البشرية. ومن خلال تعريف النجاح بشكل ضيق ومبكر، تعاملت إدارة ترامب مع مكافحة الإرهاب كحملة منتهية، لا التزاماً أمنياً دائماً. ويُظهر انهيار سيطرة قسد على الاحتجاز وهروب السجناء لماذا كان هذا الافتراض خطيراً.

كما تتجاهل مزاعم باراك بأن دمشق قادرة على تولي مسؤوليات الاحتجاز والأمن كلاً من القدرات والحوافز. فحكومة مركزية خرجت لتوها من سنوات حرب وتشرذم داخلي وانهيار اقتصادي لا ترث تلقائياً الكفاءة التشغيلية اللازمة لإدارة عشرات الآلاف من الجهاديين المتشددين. والأهم أن دمشق أظهرت مراراً أن أولويتها الأساسية هي السيطرة السياسية لا التعاون في مكافحة الإرهاب. فتدمير النُصُب المناهضة لداعش، وترهيب شركاء قسد السابقين، وتسامح النظام مع أساليب زعزعة الاستقرار، كلها تناقض فكرة أن منع عودة داعش هو شاغله المركزي.

أخطر تناقض في تصريحات باراك يكمن في إصراره على أن الولايات المتحدة تركز على تأمين سجون داعش، بينما تُسرّع في الوقت نفسه تفكيك القوة التي كانت تحرسها. لقد حدث الاختراق بالفعل، ولم يحدث رغم السياسة الأميركية، بل بسببها. فبدفع الدمج السريع، وتجريد قسد من السلطة، والإشارة إلى نهاية الدعم الأميركي، انهارت المعنويات، وتدهض الانضباط القيادي، وتلاشت الحوافز لإدارة المخاطر طويلة الأمد. وفي مناطق النزاع، لا تصمد أنظمة الاحتجاز أمام التخلي السياسي؛ بل تنهار فجأة عندما يعتقد الحراس أن مهمتهم انتهت وأن حُماتهم غادروا.

وتكشف لغة باراك حول حقوق الأكراد أيضاً الفجوة بين الخطاب والواقع. فوعود المواطنة والحماية الثقافية والمشاركة السياسية تُقدَّم كتعويض عن فقدان الحكم الذاتي والسيطرة الأمنية. لكنها وعود غير قابلة للإنفاذ بعد زوال النفوذ الأميركي. إذ لم تؤمّن الولايات المتحدة آليات ملزمة أو رقابة دولية أو عقوبات ذات مصداقية قبل هندسة انهيار قسد. وبذلك طُلب من المجتمعات الكردية أن تستبدل سيطرة حقيقية – وإن كانت ناقصة – على أمنها بضمانات من دولة انتهكت تاريخياً مثل هذه التعهدات متى شاءت.

كما يقوّض دور الإدارة في تسهيل اتفاق الدمج الادعاء بأن انهيار قسد كان عضوياً أو لا مفر منه. إذ يوضح باراك أن واشنطن كانت منخرطة بعمق، وأن الجداول الزمنية دُفعت، وأن البنية التحتية وحقول النفط والحدود ومرافق الاحتجاز سُلّمت بموجب ترتيبات بوساطة أميركية. لم تكن هذه وساطة حيادية، بل ضغطاً نشطاً. وعندما ظهرت فجوات أمنية حتمية وهرب سجناء داعش أو أُطلق سراحهم وسط الفوضى، لا يمكن تحميل المسؤولية بالكامل لفاعلين محليين جرى تفكيكهم عمداً.

ويفضح هروب السجناء نفسه الضعف القاتل في مقاربة إدارة ترامب. فبمجرد تشتت المحتجزين، انهار المنطق الاستراتيجي برمته. إذ أعاد المفرَج عنهم الاندماج في الشبكات، وعبروا الحدود، وفعّلوا خلايا نائمة. والضرر غير قابل للعكس في المدى القريب. ولا اتفاق دمج ولا لغة دبلوماسية ولا إدماج رمزي يمكن أن يمحو حقيقة أن آلاف الجهاديين ذوي الخبرة باتوا طلقاء. ولا يمكن وصف سياسة تزعم منع عودة داعش بينما تخلق شروط تجددها بالناجحة، مهما كانت النوايا.

كما ترسل صياغة باراك إشارة خطيرة للحلفاء والخصوم على السواء. فهي تُظهر للشركاء أن الدعم الأميركي مشروط ومعاملاتي، وقابل لإعادة التعريف المفاجئ عند تغيّر الملاءمة السياسية. وتؤكد للخصوم والجماعات المتطرفة أن الصبر يؤتي ثماره، وأن الشراكات الأميركية تتآكل، وأن الفراغات الأمنية يمكن صناعتها بالضغط الدبلوماسي بقدر ما تُصنع بالقوة العسكرية. ولا يحتاج داعش إلى هزيمة الولايات المتحدة في ساحة المعركة إذا استطاع انتظار انحسار التزامها واستغلال انتقالات صُنعت في واشنطن.

وفي المستقبل، لن تحمي محاولة الإدارة إعادة توصيف النتيجة كفرصة تاريخية لدمج الأكراد من تبعاتها. فقد أعاد الاختراق تشكيل بيئة التهديد الإقليمي بالفعل. وسيتحمل العراق والأردن وغيرهما كلفة قرار اتُّخذ باسم الانسحاب. وإذا تصاعدت هجمات داعش، وانتشر عدم الاستقرار الإقليمي، واضطرت الولايات المتحدة إلى العودة لعمليات طارئة لمكافحة الإرهاب، فسيكون ذلك لأن واشنطن فككت نظام احتواء كان يعمل قبل تأمين بديل قابل للحياة.

وفي التقييم النهائي، تكشف تصريحات باراك سياسة مدفوعة أكثر برغبة في الخروج “النظيف” منها بفهم رصين لواقع مكافحة التمرد. لم تكتفِ إدارة ترامب بسوء تقدير المخاطر، بل سرّعت بنشاط انهيار قسد وهي تصرّ على أنها تمنع الفوضى. إن هروب سجناء داعش ليس أثراً جانبياً مؤسفاً، بل الدليل الأوضح على فشل الاستراتيجية، وعلى أن كلفة هذا الفشل سيدفعها ليس الأكراد السوريون وحدهم، بل الإقليم والعالم.

زر الذهاب إلى الأعلى