احتجاجات القمح في سوريا.. تسعيرة حكومية تُشعل غضب المزارعين ومخاوف على الأمن الغذائي

تصاعدت حالة الغضب في عدة مناطق سورية عقب إعلان الحكومة السعر الرسمي لشراء القمح من المزارعين، ما دفع عشرات الفلاحين في محافظات الرقة ودير الزور ودرعا إلى تنظيم وقفات احتجاجية، مطالبين برفع التسعيرة بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج المرتفعة، وسط تحذيرات من تراجع كميات القمح المسلّمة للدولة خلال الموسم الحالي.
التسعيرة تثير الاستياء
وجاءت الاحتجاجات بعد صدور القرار رقم 94 لعام 2025 عن وزارة الاقتصاد والصناعة، والذي حدد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى “المشول” لموسم 2026 بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن الواحد.
وفي مدينة الرقة، تجمع محتجون عند دوار النعيم وأغلقوا الطريق لفترة مؤقتة، معتبرين أن السعر المحدد لا يغطي التكاليف التي تكبدها المزارعون خلال الموسم، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة وأجور النقل والحصاد. كما شهدت مناطق في ريف دير الزور تحركات مشابهة رفضاً للتسعيرة المعلنة.
أما في الجنوب السوري، فقد دعا اتحاد فلاحي درعا إلى إعادة النظر بالسعر الحالي، مشيراً إلى أن الفلاحين تحملوا نفقات كبيرة منذ بداية الموسم شملت البذار والحراثة والتسميد والمبيدات الزراعية وأجور الحصاد والنقل.
“السلة الغذائية” في دائرة القلق
تتركز الاعتراضات الأوسع في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، التي تُعد أبرز مناطق إنتاج القمح في سوريا، إذ تنتج أكثر من نصف المحصول المحلي.
ويخشى مزارعون من أن استمرار التسعيرة الحالية سيدفع عدداً كبيراً منهم إلى الامتناع عن تسليم محصولهم للمؤسسة السورية للحبوب، أو الاتجاه نحو بيعه للتجار أو تخزينه بانتظار ارتفاع الأسعار.
ورغم أن السعر العالمي للقمح يُقدّر بنحو 190 إلى 200 دولار للطن خلال عام 2026، إلا أن مزارعين يؤكدون أن هذه الأسعار لا تعكس حجم التكاليف المرتفعة التي يتحملها الفلاح السوري، في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج وضعف القدرة الإنتاجية.
فجوة بين الخطة والإنتاج
وبحسب بيانات الخطة الزراعية للموسم 2025-2026، استهدفت سوريا زراعة 1.4 مليون هكتار من القمح، إلا أن المساحات المنفذة بلغت نحو 1.2 مليون هكتار فقط، بنسبة تنفيذ وصلت إلى 86 بالمئة.
كما تُقدّر إنتاجية الهكتار المروي بنحو 3.5 طن، مقابل 1.75 طن للهكتار البعلي، ما يضعف فرص تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي تحدثت عنه الحكومة في وقت سابق.
مطالب بإعادة التسعير
عضو اتحاد الفلاحين في سوريا محمد الخليف قال لـ “الحل نت” إن التسعيرة المعلنة “أثارت استياءً واسعاً بين الفلاحين”، لأنها لا تتناسب مع تكاليف البذار والأسمدة والمبيدات الزراعية.
وأضاف أن الموسم الحالي يبدو جيداً من حيث الجودة والإنتاج، داعياً إلى دعم القطاع الزراعي وضمان استمرار تنفيذ الخطة الزراعية السنوية، مع إعادة النظر بالسعر المعلن لضمان تسليم كامل الإنتاج للدولة.
كما طالب الخليف بتأمين مستحقات الفلاحين بسرعة، وتوفير وسائل نقل المحصول إلى مراكز الحبوب، إضافة إلى تجهيز سيارات إطفاء في مناطق الإنتاج لتفادي خسائر الحرائق.
مخاوف من عزوف المنتجين
وأشار الخليف إلى أن استمرار التسعيرة الحالية قد يدفع كثيراً من المنتجين إلى الامتناع عن تسليم محصولهم للمؤسسة السورية للحبوب، إذا لم تُراجع الأسعار أو تُقدم حوافز إضافية مثل تسريع عمليات الدفع أو تخفيض تكاليف النقل.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تتوقع فيه وزارة الزراعة السورية أن يتراوح إنتاج القمح هذا الموسم بين 2.3 و2.5 مليون طن، وهو أقل من الهدف المحدد في الخطة الزراعية البالغ 2.8 مليون طن، لكنه أفضل من إنتاج الموسم الماضي.
المخزون الاستراتيجي تحت الضغط
وكان مدير المؤسسة السورية للحبوب حسن عثمان قد أعلن نهاية الشهر الماضي أن سوريا “لن تحتاج إلى استيراد القمح هذا العام كحد أدنى”، مشيراً إلى اتخاذ إجراءات لوقف الاستيراد خلال فترة الاستلام والعمل على تفريغ المخازن لاستيعاب المحصول الجديد.
وأوضح عثمان أن حاجة سوريا السنوية من القمح تبلغ نحو 2.55 مليون طن، فيما تُقدّر الكميات المتوفرة حالياً، بما فيها الإنتاج المسوّق والكميات المتعاقد عليها، بنحو مليون طن فقط.
ويُقدّر المخزون الاستراتيجي الحالي من القمح بما يكفي لاستهلاك خمسة إلى ستة أشهر، ما يعني أن أي تراجع في كميات القمح المسلّمة محلياً قد يدفع البلاد مجدداً نحو الاستيراد، بكلفة قد تتجاوز 560 مليون دولار وفق الأسعار العالمية الحالية.




