تقارير

رياض درار: الانسداد السياسي في سوريا نتاج تداخل أزمات داخلية وخارجية والحل يتطلب مساراً انتقالياً شاملاً

أكد السياسي السوري رياض درار أن سوريا ما تزال تعيش حالة من الانسداد السياسي، نتيجة تراكم عوامل داخلية وخارجية متشابكة أعاقت حتى الآن الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، رغم استمرار الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دفع العملية السياسية قدماً.

وفي حديث خاص لوكالة “هاوار”، أوضح درار أن المشهد السوري لا يزال يتسم بتعدد مراكز النفوذ والسلطة، في ظل وجود قوى محلية وإقليمية ودولية تمتلك مصالح ورؤى متباينة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على فرص التوافق السياسي ويحد من قدرة المسارات التفاوضية المختلفة على تحقيق تقدم ملموس.

عوامل تعمّق حالة الانسداد

وأشار درار إلى أن الخلافات المستمرة بين الحكومة والمعارضة بشأن طبيعة الحل السياسي، وشكل الدولة، وآليات الانتقال السياسي والإصلاح الدستوري، ما تزال تشكل أحد أبرز أسباب الجمود السياسي القائم.

وأضاف أن سنوات الصراع الطويلة عمقت حالة انعدام الثقة بين مختلف الأطراف السياسية والعسكرية، ما جعل الوصول إلى تفاهمات وتسويات مستدامة أكثر صعوبة وتعقيداً.

كما لفت إلى أن تشابك المصالح الإقليمية والدولية حوّل الأزمة السورية إلى ساحة لتقاطع أجندات متعددة، الأمر الذي انعكس سلباً على فرص التوصل إلى توافق سياسي جامع، في وقت لا تزال فيه مناطق النفوذ المختلفة والقوى المسلحة المتعددة تمثل تحدياً أمام تنفيذ أي اتفاق سياسي شامل على مستوى البلاد.

ورأى أن المسارات التفاوضية القائمة لم تنجح حتى الآن في تحقيق اختراق حقيقي في الملفات الجوهرية المرتبطة بالدستور أو الحكم أو الانتخابات، وهو ما ساهم في استمرار حالة الجمود السياسي.

الأوضاع المعيشية تضغط على المشهد السياسي

وبيّن درار أن التدهور الاقتصادي والإنساني بات أحد أبرز العوامل المؤثرة في المشهد السوري، حيث أصبحت الأولويات اليومية للمواطنين مرتبطة بتأمين الاحتياجات الأساسية ومواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة.

وأشار إلى أن تراجع مستوى المعيشة واتساع دائرة الفقر جعلا الملفات الاقتصادية والخدمية أكثر إلحاحاً بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين، في وقت ما تزال فيه القضايا السياسية الكبرى عالقة دون حلول واضحة.

ورغم التحولات الإقليمية والدولية التي شهدتها الساحة السورية خلال الفترة الأخيرة، رأى درار أن المؤشرات الحالية لا تزال غير كافية للحديث عن اقتراب تسوية سياسية شاملة، مؤكداً أن حالة الانسداد ما تزال قائمة بدرجات متفاوتة.

تداعيات الانسداد السياسي

وحول انعكاسات استمرار الجمود السياسي، أكد درار أن تداعياته تتجاوز الجانب السياسي لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والأمنية.

وأوضح أن استمرار حالة عدم الاستقرار يؤدي إلى تأخير الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، ويعرقل الإصلاحات السياسية والمؤسسية الضرورية لتعزيز الحوكمة وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

كما ينعكس غياب الاستقرار السياسي على الاقتصاد من خلال تباطؤ عمليات إعادة الإعمار والاستثمار نتيجة غياب بيئة مستقرة وجاذبة، فضلاً عن استمرار الضغوط المعيشية واتساع رقعة الفقر والهشاشة الاجتماعية.

وأضاف أن الجانب الإنساني لا يزال متأثراً بشكل مباشر باستمرار الأزمة، في ظل حاجة ملايين السوريين إلى المساعدات الإنسانية، واستمرار الضغوط على قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، إلى جانب تعقيد جهود عودة اللاجئين والنازحين بصورة آمنة ومستدامة.

أما على المستوى الأمني، فأشار إلى أن استمرار بؤر التوتر المحلية واحتمالات التصعيد في بعض المناطق يبقيان من أبرز نتائج غياب التسوية السياسية الشاملة، ما يحد من فرص تحقيق استقرار أمني كامل في البلاد.

رؤية للخروج من المأزق

وفي حديثه عن الآلية الأنسب لتجاوز حالة الانسداد، شدد درار على ضرورة إطلاق مسار انتقالي سوري ـ سوري برعاية أممية وعربية، يعتمد على خطوات متدرجة ومتزامنة بدلاً من انتظار حل شامل دفعة واحدة.

وأوضح أن هذا المسار يجب أن يبدأ بحوار وطني شامل يضم الحكومة والمعارضة والقوى المحلية والمكونات المجتمعية والنساء والشباب وممثلي اللاجئين والنازحين، بما يضمن توسيع قاعدة المشاركة السياسية وعدم حصرها بالنخب التقليدية.

كما دعا إلى تشكيل هيئة أو حكومة انتقالية موسعة بصلاحيات واضحة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية وفق مبادئ الحكم الشامل وغير الإقصائي، وبما ينسجم مع قرار مجلس الأمن 2254.

وأكد أهمية إطلاق مسار دستوري جاد يفضي إلى صياغة دستور يضمن فصل السلطات وحماية الحقوق والحريات وتوسيع اللامركزية الإدارية ومشاركة مختلف المكونات السورية في إدارة شؤون البلاد.

وشدد كذلك على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لبناء الثقة بين الأطراف السورية، تشمل إطلاق سراح المعتقلين، وكشف مصير المفقودين، ووقف الاعتقالات التعسفية، وتسهيل عودة اللاجئين، وتوسيع المجال الإنساني بعيداً عن الاعتبارات السياسية.

ضمانات دولية لإنجاح التسوية

وأشار درار إلى أهمية الترتيبات الأمنية التدريجية التي تتضمن إصلاح المؤسسات الأمنية ومعالجة ملف التشكيلات المسلحة، بما يضمن عدم استخدام السلاح في الصراع السياسي مستقبلاً.

كما رأى أن جهود إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي ينبغي أن تكون مرتبطة بالتقدم في العملية السياسية، مؤكداً أن أي تخفيف للعقوبات أو تقديم تمويل دولي يجب أن يقترن بخطوات ملموسة على طريق الانتقال السياسي.

وختم درار حديثه بالتأكيد على أن الأزمة السورية لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالتوازنات الإقليمية والدولية، ما يجعل نجاح أي تسوية سياسية مرهوناً بتوافر ضمانات من الأمم المتحدة والدول العربية والقوى الدولية الفاعلة.

وأكد أن المخرج الحقيقي من الأزمة لا يكمن في الغلبة العسكرية أو الاكتفاء بمسارات التطبيع السياسي، بل في بناء تسوية انتقالية تدريجية وشاملة تتيح للسوريين المشاركة الفعلية في صياغة مستقبل بلادهم وإنهاء حالة الانسداد التي ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة في سوريا.

زر الذهاب إلى الأعلى