ماذا بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من حلب؟

بقلم: إيرينا تسوكرمان
الفراغ الأمني: أول النتائج وليس التسوية
الواقع المباشر بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من حلب هو نشوء فراغ يُملأ بسرعة أكبر مما يتوقعه الناس، ونادرًا ما يُملأ من قبل الجهة التي يفضّلها المدنيون. ففي مدينة تتجزأ فيها السيطرة شارعًا شارعًا، لا يؤدي خروج قوة مسلحة منضبطة إلى حياد، بل إلى صراع سريع على الحواجز، والأحياء، والمستودعات، والمشافي، ومسارات المساعدات.
أول ما يحدث ليس تسوية سياسية كبرى، بل سباق على الإدارة الميدانية، وسلطة الاعتقال، والتحكم بالسردية، لأن من يسيطر على الأرض هو من يعرّف ما الذي حدث وما هو “قانوني” لاحقًا.
أهداف القوى المرتبطة بدمشق
بالنسبة للقوى المرتبطة بدمشق، لا يقتصر الهدف على استعادة السيطرة المادية، بل على إعادة ترسيخ مبدأ أنه لا يمكن السماح بوجود أي سلطة موازية. وهذا يعني تفكيك البنى الأمنية المحلية، واستبدال الإدارة البلدية، وتحويل أي شبكات مستقلة متبقية إما إلى أدوات تابعة أو إلى أهداف.
حتى في حال التوصل إلى ترتيبات محلية، يبقى المنطق السائد هو الإدماج بشروط تُنهي أي قدرة عسكرية كردية مستقلة وأي إدارة سياسية كردية مستقلة. عمليًا، يتجسد ذلك في الاعتقالات، وفرض “مصالحات” قسرية، وضغوط التجنيد، وامتصاص أو حلّ المجالس المحلية.
السياسة الأميركية: مفارقة تقوّض السلام
السياسة الأميركية في هذا المشهد تمثل مفارقة أضعفت مرارًا جهود السلام حتى حين تعتقد واشنطن أنها تعزز الاستقرار. فقد ركزت الولايات المتحدة على أولويات مكافحة الإرهاب عبر شراكات تكتيكية كانت كافية لتغيير ميزان المعركة، لكنها غير كافية لصناعة نهاية سياسية دائمة.
هذا الخلل يشوّه مسار المفاوضات، إذ يشجع الشركاء المحليين على توقعات قصوى اعتمادًا على دعم خارجي مؤقت، بينما يدفع دمشق وحلفاءها إلى المماطلة بانتظار انحسار الاهتمام الأميركي. وعندما تبدأ الدبلوماسية، تبدأ فوق أرض تشكلت بوعود لم تتحول إلى ضمانات سياسية قابلة للتنفيذ.
الإشارات المتناقضة وتأثيرها على المفاوضات
إحدى طرق إضرار السياسة الأميركية بمحادثات السلام هي الإشارات المتناقضة. فعندما يعتقد الفاعلون المحليون أن واشنطن ستعاقب بعض التصعيدات وتتغاضى عن أخرى، يبدأ الجميع بتكييف سلوكهم وفق دورات السياسة الداخلية الأميركية لا وفق منطق التسوية.
النتيجة تآكلية: كل طرف ينظر إلى التفاوض كزر إيقاف مؤقت، لا كحل، فيحتفظ بأوراق الضغط، ويخفي المعتقلين، ويحصّن الميليشيات، ويستخدم المدنيين كورقة تفاوض. وهكذا تتحول محادثات السلام إلى مسرح بلا آلية إنفاذ حقيقية.
العقوبات والاقتصاد: عنف بطيء
هناك ضرر أكثر هدوءًا لكنه بنيوي. فالعقوبات الأميركية وسياسات العزل الدبلوماسي قلّصت أحيانًا هامش عقد صفقات محلية براغماتية تُبقي المجتمعات على قيد الحياة، حتى عندما لا تعزز تلك الأنشطة قدرات الفاعلين المسلحين.
عندما يُخنق الاقتصاد، يزدهر أمراء الحرب، وتصبح شبكات التهريب المؤسسات الوحيدة الفاعلة، ويزداد اعتماد المدنيين على من يملك السلاح لتأمين الخبز والوقود أو المرور الآمن. في هذا السياق، تصبح المفاوضات صراعًا على إدارة الندرة لا على المصالحة، وهو ما يكافئ الإكراه ويعاقب التسوية.
المدنيون والجرحى: الانهيار الإداري
المدنيون والجرحى يواجهون النسخة الأشد قسوة من هذا الانتقال. الخطر المباشر لا يكون دائمًا القتال، بل الانهيار الإداري. يفقد الناس الوصول إلى الأدوية، وغسيل الكلى، والأنسولين، والرعاية الطارئة عندما يفرّ الكادر الطبي أو تتجمد الإمدادات أو تُعاد تصنيف المشافي كمواقع أمنية.
الجرحى يصبحون فئة مشبوهة، إذ يمكن تفسير الإصابة كدليل انتماء. ومسارات الإسعاف تتحول إلى أوراق تفاوض عند الحواجز. وتبدأ العائلات باتخاذ قرارات تبدو غير منطقية من الخارج، مثل رفض الإجلاء، خوفًا مما ينتظرها في الجهة التالية.
النزوح والهندسة الديموغرافية
من المرجح أن تتبع أنماط النزوح خطوطًا عرقية وسياسية. تسعى العائلات إلى مناطق تمتلك فيها روابط قرابة أو حيث تقل احتمالات التعامل معها ككتلة معادية. وينتج عن ذلك أزمة إنسانية ثانوية: اكتظاظ، ارتفاع الإيجارات، مخيمات غير رسمية، واستغلال من قبل وسطاء “المرور الآمن”.
وإذا كان هناك جهد متعمد لدفع أعداد كبيرة من الأكراد خارج حلب، فيجب فهمه كهندسة ديموغرافية استراتيجية لا كانتقام عفوي. الهدف هو تفكيك القاعدة الاجتماعية للتنظيم السياسي الكردي في مدينة كبرى، وتقليص فرص التعبئة المستقبلية، وإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية.
أدوات الإكراه غير المعلنة
يمكن تطبيق هذا الضغط دون الإعلان عن “تطهير عرقي” عبر أدوات بيروقراطية. يمكن تسليح قوانين الملكية عبر تطبيق انتقائي، أو فرض بيع قسري، أو إعادة تخصيص المساكن لموالين. ويمكن تطبيق التدقيق الأمني بشكل غير متكافئ، واستهداف أحياء محددة بتهديدات التجنيد، وربط المساعدات بالامتثال. تجتمع هذه الأدوات لإفراغ الأحياء مع الادعاء بأن المغادرة كانت طوعية.
تفكيك شبكات الأمن الكردية
يتقاطع هذا الجهد مع منطق أوسع لدى النظام يتمثل في القضاء على أي منظومات أمنية منافسة. فالشبكات الكردية المسلحة والاستخباراتية تمثل سلسلة سلطة بديلة. وتشتيت المجتمعات عبر النزوح من أنجح الوسائل لتفكيك الثقة، وتعطيل التجنيد، وتحويل التنظيم السياسي إلى مسألة بقاء فردي.
السيناريوهات السياسية المحتملة
ما سيحدث لاحقًا سياسيًا يعتمد على استعداد أي طرف خارجي لفرض كلفة على الإكراه الجماعي، وعلى قدرة القادة المحليين على التفاوض على ضمانات قابلة للتنفيذ. السيناريو الأكثر تفاؤلًا هو ترتيب مراقَب يحمي المدنيين ويضمن الرعاية الطبية وآلية لمعالجة الاعتقالات ومصادرة الممتلكات.
السيناريو الأكثر شيوعًا هو صفقات غير رسمية مجزأة، يُحترم بعضها ويُخرق بعضها الآخر، مع احتفاظ الأجهزة الأمنية بسلطة إعادة تفسير الاتفاقات.
اختبار مصداقية الولايات المتحدة
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن مرحلة ما بعد الانسحاب هي اختبار المصداقية الحقيقي. إذا اكتفت واشنطن بالبيانات بينما يتجسد الواقع في تهجير قسري واعتقالات وانهيار طبي، فسيعامل أي شريك مستقبلي ضماناتها كأمر مؤقت.
أما إذا ركزت على أولويات إنسانية محددة—ممرات طبية محمية، آليات إجلاء، وتبعات محددة لانتهاكات بعينها—فبإمكانها التأثير دون تسوية كبرى.
النزوح إلى شمال وشرق سوريا
المدنيون الذين يُجلون إلى شمال شرق سوريا يدخلون مساحة أكثر أمانًا من القتال المباشر لكنها أقل قدرة على استيعاب موجات كبيرة. الأولوية تصبح الفرز والإغاثة، لكن البنية التحتية محدودة، ما يؤدي إلى اكتظاظ وارتفاع الأسعار وسكن غير رسمي.
أما الجرحى، فيواجهون وضعًا أكثر هشاشة بسبب نقص الرعاية المتخصصة، وانقطاع استمرارية العلاج، والخوف من التدقيق والوصم، ما يدفع كثيرين إلى تأجيل العلاج أو إخفاء إصاباتهم.
الفراغ القانوني كأداة سلطة
على المدى المتوسط، يواجه النازحون حالة فراغ قانوني وإداري. نقص الوثائق وسجلات الملكية يعقّد العودة لاحقًا. وطول أمد النزوح دون اعتراف رسمي يسهل الاستيلاء على المنازل وإعادة كتابة الواقع الديموغرافي بأوراق رسمية تخدم الطرف الأقوى.
هل هو تطهير عرقي؟
الإجابة المسؤولة تعتمد على النية والنمط لا النتيجة فقط. إذا ترافق النزوح مع اعتقالات انتقائية، ومصادرة ممتلكات، وعرقلة العودة، فإن ذلك ينسجم مع منطق التطهير العرقي حتى لو غُلّف بلغة إدارية. المؤشر الأقوى هو ما يحدث بعد النزوح: من يسكن الأحياء؟ هل تُحترم حقوق الملكية؟ هل يُمنع العائدون لأسباب “أمنية” دائمة؟
دور تركيا: استفادة متعددة الأوجه
القول إن قوى خارجية، خصوصًا تركيا، استفادت من الوضع هو طرح معقول. فأنقرة تنظر إلى بعض البنى الكردية كتهديد مباشر، وتفضّل حصرها جغرافيًا وإضعافها إداريًا.
نزوح الأكراد إلى الشمال الشرقي قد يخدم هذا الهدف عبر إنهاك الإدارة هناك، وزيادة التوترات الداخلية، وتقديم مبررات لتدخلات أعمق أو مطالب سياسية من واشنطن.
الخلاصة
من هذا المنظور، لا يتعلق الأمر بتمكين الحكم الذاتي الكردي، بل بحصره في مساحة مثقلة بالضغوط، مراقَبة، وهشّة سياسيًا، مع تفريغ مناطق أخرى من الوجود الكردي وإعادة تشكيل المشهد الديموغرافي والأمني بطرق يصعب عكسها لاحقًا.




