سياسة التظاهر بعدم الرؤية.. في سوريا الاستثمار على حساب الأمن

بقلم: إيرينا تسوكرمان
تواصُل توم باراك مع القيادة السعودية بشأن سوريا لم يكشف عن ثغرة في السياسة، بل عن تنازل متعمد عن المسؤولية.
فقد رفع الاجتماع من شأن التعهدات الاستثمارية والتطبيع الدبلوماسي، بينما تجاهل عمداً أي مطلب من السعودية للحد من العنف ضد الكُرد والأقليات الضعيفة الأخرى، أو لتحميلها مسؤولية دورها غير المباشر في استمرار الفوضى المسلحة.
من خلال التعامل مع إعادة الاندماج الاقتصادي والحكم المركزي كبدائل كافية للحماية والمساءلة وإصلاح الأمن، أشار الاجتماع إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لتقبل القمع الانتقائي وعدم الاستقرار المدفوع بالوكلاء طالما بقي توافق النخب وتدفقات رأس المال مستمرة.
لم يكن هذا فشلاً في التقدير، بل خياراً محسوباً أعاد صياغة أمن الأقليات كمصالح قابلة للتنازل، وحمى الشركاء الإقليميين من التدقيق، وشرعن نظام ما بعد الحرب قائم على إدارة الاستقرار بدلاً من العدالة، تاركاً الهياكل التي تمكّن العنف قائمة وفعلياً معتمدة.
الاجتماع مع السعودية: الاقتصاد على رأس الأولويات
تم تقديم اجتماع توم باراك مع وزير الخارجية السعودي علنياً على أنه نقاش حول استقرار سوريا وإعادة دمجها، لكن الدلالة الحقيقية للقاء تكمن في ما كشفه عن ترتيب الأولويات في التعامل الخارجي مع سوريا.
تم التعامل مع التطبيع الاقتصادي وتعبئة رأس المال كأدوات أساسية للنظام، فيما وضع العنف ضد الكورد والأقليات إلى مرتبة ثانوية. لم يكن هذا مجرد ترتيب محايد؛ بل يعكس افتراضاً بأن السلطة المركزية وتدفقات الاستثمار يمكن أن تحل محل إصلاح الأمن وحماية المجتمعات، رغم أن العنف في سوريا بعد الحرب ليس نتيجة فراغ اقتصادي فحسب، بل نتيجة ممارسات قسرية متعمدة متجذرة في الاقتصاد السياسي الذي يساهم باراك في إعادة تطبيعه.
تجاهل دور السعودية في حماية الأقليات
يجب فهم فشل باراك في الضغط على السعودية للحد من العنف ضد الكرد والأقليات كخيار استراتيجي وليس سهواً.
إذ يتم وضع السعودية كركيزة أساسية لإعادة إدماج الاقتصاد السوري، وتصرّف باراك وكأن هذا الدور ثمين جداً بحيث لا يمكن تحميله شروطاً مرتبطة بالحماية أو المساءلة.
هذا الخيار فصل فعلياً النشاط الاقتصادي السعودي عن آثاره الأمنية، مما منح الرياض حرية التأثير من خلال رأس المال دون تحمل مسؤولية كيف يعيد هذا التأثير تشكيل توازنات القوى المحلية. وتصبح هذه القضية بالغة الأهمية خصوصاً في المناطق التي تتعرض فيها الأقليات للقمع من فاعلين مسلحين يعملون ضمن مناطق رمادية متسامح معها.
التعهد الاستثماري السعودي: أهداف ضيقة تحت ستار ضخ الأموال
يشكل التعهد الاستثماري السعودي الذي تجاوز خمسة مليارات دولار محور هذه الديناميكية. الرقم يبدو وكأنه يرمز إلى إعادة إعمار شاملة وتحويلية، لكن طريقة استخدام رأس المال تكشف عن هدف ضيق: زيادة الظهور والسيطرة وليس العدالة التوزيعية.
يتم توجيه الاستثمارات إلى القطاعات التي يمكن تأمينها عبر السلطة المركزية القسرية وتحقيق الأرباح من خلال عقود طويلة الأجل عبر وسطاء مرتبطين بالدولة، مما يفضل البيروقراطيات في دمشق، والوسطاء الخاضعين لفحص أمني، والشبكات التجارية المتصلة سياسياً والتي تهيمن بالفعل على اقتصاد إعادة الإعمار.
قطاعات محددة للاستثمار وتعزيز السيطرة
القطاعات المستهدفة تشمل: الكهرباء، لوجستيات الطاقة، النقل، البنية التحتية للاتصالات، التمويل، مواد البناء، وإعادة تطوير المدن.
• الكهرباء والطاقة: توليد الكهرباء وتأهيل الشبكات يزيد من الاعتماد على القرارات المركزية في التوزيع والوقود، مما يترك المناطق الطرفية والمهمشة بخدمات غير موثوقة، بما فيها المناطق الكوردية والأقليات.
• اللوجستيات والطاقة: تشمل التخزين والتوزيع، لكنها تستخدم كأداة لخلق نقاط اختناق اقتصادية تمنح الوسطاء قدرة على السيطرة وفرض الرسوم وتأخير التوزيع.
• النقل والمواصلات: إعادة تأهيل الطرق والموانئ تشكل شرايين مؤمنة تتحكم فيها المليشيات والمهربون، مما يزيد من خطر الابتزاز والعنف ضد الأقليات.
• الاتصالات والبنية الرقمية: التوسعة تزيد من المراقبة المركزية والقدرة على فرض الانضباط أكثر من تمكين المجتمعات.
التحيز المركزي وإهمال الحماية
يستخدم باراك التركيز على الحكم المركزي لتبرير هذه النتائج:
• يظهر المركزية كحل للتجزؤ الإداري، لكنها لا تستهدف التجزؤ القسري الذي يهدد المدنيين.
• الفاعلون المسلحون المرتبطون بالدولة يواصلون استخراج الموارد وإرهاب السكان دون مساءلة.
• يتم الضغط على قوات الكورد للاندماج بدون ضمانات متبادلة، بينما المليشيات الموالية للنظام تبقى دون استهداف.
الاقتصاد والسيطرة على الموارد
• الاستثمارات السعودية تقوي الوسطاء الذين يسيطرون على الاقتصاد المحلي، مع زيادة استبعاد الأقليات من المنافع المباشرة وتحملهم مخاطر أمنية أكبر.
• الاقتصاد المحلي يتحول إلى أداة للسيطرة المركزية، مع توسع اقتصادات الحواجز وزيادة المراقبة.
• التهميش لا يحدث عبر التخلي المباشر، بل عبر إهمال متواصل للأولويات الأمنية والاجتماعية.
القوة والضغط: استغلال النفوذ الأمني والإداري
• القوة الأمنية: قوات الكورد لا تزال مركزية في منع إعادة تكوين الجماعات المتطرفة، والضغط عليها للاستسلام يقلل من استقلالها السياسي.
• القوة الإدارية: مناطق الكورد وبعض الأقليات تدير الخدمات بكفاءة، لكنها تُستغل دون منحها سلطة حقيقية، لضمان قدرتها على الإنتاج دون نفوذ.
• القوة الاقتصادية والعمل: تعتمد المشاريع على العمالة المحلية ومواردها، لكن يتم التحكم فيها عبر وسطاء، مما يقلل من قدرة المجتمعات على التفاوض أو حماية مصالحها.
• قوة الشتات والدعم الخارجي: المجتمع الكوردي والأقليات لديهم قدرة على الضغط من الخارج، لكن سياسة التطبيع تقلل من تأثيرها مع مرور الوقت.
تطبيع على حساب الحماية
ما يربط هذه النقاط هو أن جميع أشكال النفوذ لا تقوم على النية الحسنة أو المبادئ المشتركة، بل لأن النظام يعتمد على مناطق الكورد والأقليات لأداء وظائفه التي لا يمكنه استبدالها.
• الاستراتيجية الحالية ليست استيعاب هذه النقاط، بل إفراغها تدريجياً من نفوذها عبر التنازلات البطيئة، وتقليل شرعيتها، وجعلها غير قابلة للعكس.
• كل مشروع إدماج، كل تطوير في الطرق، كل نقل إداري يقلل من قدرة المجتمعات المهمشة على فرض أي تكاليف، مع تقديم ضمانات رمزية فقط.
• المستقبل القريب سيحدد بـ الضغط أكثر من التفاوض: الاستغلال الأمني والإداري والاقتصادي سيُفرض بينما تُحرم المجتمعات من الوكالة السياسية والحماية الفعلية.




