داعـ.ـش يعيد التموضع في سوريا.. خطر متصاعد ومساعي تجنيد تستغل الهشاشة الاجتماعية والعشائرية

تواجه سوريا في المرحلة الحالية تحدياً أمنياً متجدداً يتمثل في تصاعد نشاط تنظيم “داعش”، الذي يحاول استغلال التحولات السياسية والأمنية الجارية لإعادة بناء شبكاته وتوسيع نفوذه، عبر التركيز على مسارات التجنيد واستثمار التوترات الاجتماعية، خصوصاً في مناطق البادية والجزيرة السورية وفق تقرير لـ “الشرق الأوسط”.
ورغم الانتقال النسبي من حالة الفوضى الواسعة إلى استقرار هش في عدة مناطق، إلا أن التنظيم لا يزال ينشط كعامل تهديد مباشر، مستفيداً من الثغرات الأمنية على الجغرافيا الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، وهي المناطق التي تشكل اليوم مركز ثقله العملياتي.
خطر متجدد وتحوّل في أسلوب العمل
تشير المعطيات الميدانية إلى أن “داعش” لم يعد يسعى للسيطرة الجغرافية المباشرة كما في السابق، بل اعتمد بشكل متزايد على استراتيجية “الإزعاج الأمني”، عبر خلايا صغيرة مرنة تنفذ هجمات خاطفة تستهدف نقاطاً عسكرية ودوريات وأهدافاً مدنية في بعض الأحيان، بهدف إظهار استمرار وجوده وإرباك الأجهزة الأمنية.
كما شهدت الأشهر الماضية تصعيداً في العمليات، بالتوازي مع نشاط إعلامي مكثف يهدف إلى إعادة تقديم التنظيم كبديل “مقاوم”، ومحاولة تقويض الثقة بالسلطات القائمة، مع التركيز على استقطاب فئات جديدة من الشباب.
التجنيد.. الخطر الأكبر
يُعد ملف التجنيد أحد أخطر مؤشرات عودة نشاط التنظيم، حيث يركّز “داعش” على فئة الشباب والمراهقين، خصوصاً في المخيمات ومناطق النزوح والبيئات ذات الوضع الاقتصادي المتدهور.
ويستخدم التنظيم أدوات رقمية ومنصات مشفرة لتجاوز الرقابة الأمنية، إضافة إلى خطاب ديني وعاطفي يستغل الشعور بالتهميش أو غياب الفرص الاقتصادية، ما يجعله قادراً على الوصول إلى شرائح جديدة رغم الضربات الأمنية المتكررة.
كما يستفيد التنظيم من هشاشة البنية الاجتماعية في بعض المناطق، حيث يشكل العامل الاقتصادي والبطالة وانتشار الاقتصاد غير الرسمي بيئة خصبة لعمليات الاستقطاب.
الدور العشائري.. بين الاستغلال والاختراق المحدود
في السياق العشائري، تشير تقارير ميدانية إلى أن “داعش” يحاول استغلال التوازنات القبلية في شرق سوريا، خصوصاً في دير الزور، عبر توظيف الخلافات العشائرية أو النزاعات المحلية المرتبطة بالموارد والنفوذ.
وتفيد مصادر محلية بأن التنظيم يسعى إلى تقديم نفسه لبعض البيئات العشائرية كـ“طرف محايد” أو “حامٍ” ضد ما يعتبره تجاوزات من قوى محلية أو أمنية، بهدف خلق موطئ قدم اجتماعي يسهّل عمليات التجنيد أو الإيواء.
في المقابل، تؤكد جهات أمنية وعشائرية أن هذا النفوذ لا يزال محدوداً، وأن غالبية العشائر ترفض عودة التنظيم، بل شاركت في محاربته خلال مراحل سابقة، إلا أن استمرار بعض التوترات المحلية قد يوفر له فرصاً استثنائية للاستغلال، دون أن يعني ذلك وجود دعم عشائري منظم أو واسع له.
تحديات أمنية مستمرة
وبحسب التقرير لا يزال التنظيم يحتفظ بقدرة على إعادة التموضع في البادية السورية، مستفيداً من طبيعتها الجغرافية وصعوبة السيطرة الكاملة عليها.
كما تشير التقديرات إلى أن التنظيم دخل مرحلة “الكمون النشط”، أي تقليل الهجمات الكبيرة مقابل الحفاظ على وجود ميداني مرن، مع التركيز على الاستنزاف الأمني والتجنيد التدريجي.
من مشروع سيطرة إلى استنزاف وتسلل اجتماعي
ويظهر المشهد الأمني في سوريا أن خطر “داعش” لم ينتهِ، بل تحوّل من مشروع سيطرة إلى مشروع استنزاف وتسلل اجتماعي، يعتمد على التجنيد واستغلال التناقضات المحلية، بما فيها بعض التوترات العشائرية والهشاشة الاقتصادية.
ويبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بقدرة التنظيم على إعادة إنتاج نفسه داخل بيئات رخوة أمنياً واجتماعياً، ما يجعل مواجهته اليوم أكثر تعقيداً من مرحلة المواجهة العسكرية التقليدية.




