آراء وتحليلات

الرجل الذي يربط بغداد بدمشق

بقلم: إيرينا تسوكرمان

من مبعوث إلى سوريا إلى مبعوث للعراق وسوريا

طوال معظم عطلة نهاية الأسبوع الماضية، بدا أن دور توم باراك في صياغة السياسة الأمريكية تجاه سوريا يقترب من نهايته. فقد أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو أن تعيين باراك مبعوثاً خاصاً إلى سوريا سينتهي، ما أثار على الفور موجة من التكهنات في واشنطن والشرق الأوسط.

وتساءل محللون عما إذا كانت إدارة ترامب تستعد لإحداث تحول كبير في سياستها تجاه سوريا، أو ما إذا كانت خلافات داخلية قد ظهرت بشأن مستقبل الانخراط مع دمشق، أو حتى ما إذا كان البيت الأبيض يستعد لإعادة الملف السوري إلى إطار دبلوماسي أكثر تقليدية.

لكن حالة الارتباك لم تدم طويلاً. ففي غضون أيام، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن باراك سيتولى منصباً موسعاً بصفته مبعوثاً رئاسياً خاصاً للعراق وسوريا. وما بدا في البداية وكأنه تقليص لصلاحياته، تحول سريعاً إلى أمر مختلف تماماً. فبدلاً من خسارة النفوذ، خرج باراك بمسؤوليات أكبر من السابق، بعدما أصبح مشرفاً على اثنين من أكثر بلدان المنطقة أهمية من الناحية الاستراتيجية.

رؤية أمريكية جديدة للمنطقة

لم تكن هذه الحادثة مجرد سوء فهم إداري، بل قدمت نافذة واضحة على الطريقة التي تنظر بها الإدارة الأمريكية بشكل متزايد إلى الشرق الأوسط.

فالعراق وسوريا لم يعودا يُعاملان كملفين دبلوماسيين منفصلين، بل يبدو أن واشنطن باتت تنظر إليهما باعتبارهما ساحة استراتيجية واحدة ترتبط بقضايا أمن الحدود، والبنية التحتية للطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتنمية الاقتصادية، وحركات الهجرة، والتنافس الإقليمي على النفوذ.

ويقف باراك في قلب هذه الرؤية الجديدة.

ورغم أن القرار قد يبدو منطقياً من منظور الكفاءة الإدارية والتنسيق الاستراتيجي، فإنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات مهمة بشأن تركيز هذا القدر من السلطة بيد شخصية أثارت مقاربتها للمنطقة جدلاً واسعاً، كما أن علاقاتها الوثيقة مع تركيا خضعت لتدقيق متزايد.

رجل الأعمال داخل الدبلوماسية الأمريكية

يشغل باراك موقعاً فريداً داخل إدارة ترامب. فعلى خلاف الدبلوماسيين التقليديين الذين يصعدون عبر عقود من العمل داخل المؤسسة الدبلوماسية، يُعرف باراك أولاً كرجل أعمال وصديق مقرب للرئيس ترامب.

ولا يستمد نفوذه من السلطة المؤسسية فقط، بل من قربه الشخصي من الرئيس، وهو ما سمح له بأن يصبح أحد أهم الوسطاء الأمريكيين في الشرق الأوسط، حيث يتحرك بالتوازي على المسارات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية.

ويرى مؤيدوه أن هذا الأمر يمثل ميزة مهمة، إذ إن وصوله المباشر إلى البيت الأبيض يسمح له بتجاوز العقبات البيروقراطية وتنفيذ السياسات بسرعة أكبر.

أما منتقدوه فيرون العكس تماماً، معتبرين أن الدبلوماسية الشخصية تفتقر إلى الشفافية وتضعف المساءلة، وتستبدل الاستراتيجية طويلة الأمد بعلاقات وصفقات مؤقتة.

سوريا بين إعادة الإعمار وصراع النفوذ

تزداد أهمية هذه المخاوف في سوريا، حيث لا تزال قضايا الشرعية والحكم وإعادة الإعمار والسيادة دون حلول نهائية.

فالبيئات الخارجة من النزاعات تكون أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية والشبكات غير الرسمية والأجندات الأجنبية المتنافسة. لذلك فإن تركيز الصلاحيات بيد مبعوث واحد يتمتع بنفوذ سياسي واسع يحمل تداعيات تتجاوز حدود العمل الدبلوماسي التقليدي.

لماذا تربط واشنطن بين العراق وسوريا؟

ليس من الصعب فهم منطق الإدارة الأمريكية في الربط بين البلدين.

فالعراق وسوريا يشتركان بحدود طويلة تحولت مراراً إلى ممر للنشاطات المسلحة وشبكات التهريب وحركات اللاجئين ومشاريع النفوذ الإقليمي.

وقد أظهر صعود تنظيم داعش مدى سرعة انتقال عدم الاستقرار بين البلدين. وحتى بعد انهيار “الخلافة” المكانية للتنظيم، لا يزال المسؤولون الأمنيون ينظرون إلى الممر العراقي السوري باعتباره بيئة عملياتية واحدة.

ولا تزال مكافحة الإرهاب تمثل أولوية رئيسية، إذ تنشط خلايا داعش على جانبي الحدود، فيما تظل مراكز الاحتجاز التي تضم آلاف المقاتلين السابقين وعائلاتهم مصدر قلق أمني مستمر.

ومن وجهة نظر واشنطن، أصبح التعامل مع العراق وسوريا كملفين منفصلين أقل كفاءة من السابق.

الاقتصاد كأداة للاستقرار

لكن الاعتبارات الأمنية ليست العامل الوحيد. فالعوامل الاقتصادية باتت تكتسب أهمية مماثلة.

إذ يتزايد الحديث عن ممرات نقل تربط تركيا والعراق وسوريا ودول الخليج، إضافة إلى مشاريع للطاقة يمكن أن تربط عدة أسواق إقليمية ببعضها البعض.

كما تتطلب جهود إعادة الإعمار استثمارات وتجارة عابرة للحدود، ما يدفع صناع القرار إلى النظر إلى التكامل الاقتصادي كوسيلة لتحقيق الاستقرار.

وهنا تبرز خلفية باراك التجارية بشكل واضح، إذ لطالما شدد على أهمية الاستثمار والعلاقات التجارية والحوافز الاقتصادية كوسائل لتحقيق أهداف سياسية.

مخاوف سورية من إعادة رسم المستقبل

غير أن التكامل الاقتصادي ليس عملية محايدة سياسياً.

فالقرارات المتعلقة بطرق التجارة ومشاريع البنية التحتية وتدفقات الاستثمار وأولويات إعادة الإعمار تخلق رابحين وخاسرين، وتعيد تشكيل موازين القوة والنفوذ السياسي.

وفي الحالة السورية، ستحدد هذه القرارات من سيستفيد من إعادة الإعمار، وأي المناطق ستحصل على الموارد، وأي القوى الأجنبية ستتمتع بنفوذ أكبر داخل البلاد.

ولهذا يخشى كثير من السوريين أن تتحول بلادهم مرة أخرى إلى موضوع للمساومات الإقليمية بدلاً من أن تكون طرفاً يحدد مستقبله بنفسه.

العامل التركي ومصدر القلق الرئيسي

تتضاعف هذه المخاوف بسبب علاقة باراك بتركيا.

فبصفته سفيراً للولايات المتحدة لدى أنقرة، يؤدي باراك بالفعل دوراً محورياً في إدارة واحدة من أهم العلاقات الإقليمية لواشنطن.

كما أن النفوذ التركي داخل سوريا واسع النطاق، حيث تحتفظ أنقرة بقوات ومواقع عسكرية في الشمال السوري، وتواصل الفصائل المدعومة منها لعب أدوار مؤثرة.

وبالنسبة لكثير من السوريين، وخاصة القوى الكردية وبعض الأقليات، فإن باراك يُنظر إليه كشخص قريب من الأولويات التركية، حتى وإن حاول تحقيق توازن بين مختلف الأطراف.

مخاوف الأكراد

تنظر قطاعات واسعة من الكرد السوريين إلى تعيين باراك من زاوية العلاقة الأمريكية التركية.

فأنقرة تعارض منذ سنوات أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي على حدودها الجنوبية، بينما لا تزال ذكريات التراجع الأمريكي عن بعض الالتزامات السابقة حاضرة بقوة لدى القيادات الكردية.

ويخشى كثير من الكرد أن يؤدي دمج الملفين العراقي والسوري تحت إشراف مبعوث واحد إلى جعل المصالح الكردية جزءاً من صفقات إقليمية أوسع تتعلق بالعلاقات الأمريكية التركية أو استقرار العراق أو جهود مكافحة الإرهاب.

هواجس الدروز

أما الدروز، فلديهم مخاوف مختلفة.

فقد سعت القيادات الدرزية طوال سنوات الحرب إلى الحفاظ على قدر من الاستقلالية المحلية وتجنب الانخراط الكامل في أجندات القوى الإقليمية الكبرى.

ويخشون اليوم أن تؤدي التسويات الإقليمية الكبرى إلى إعطاء الأولوية للاستقرار الأمني على حساب المشاركة السياسية والحماية الفعلية للأقليات.

كما زادت التوترات الأخيرة في جنوب سوريا من القلق بشأن مستقبل الأمن المحلي وإمكانية الحفاظ على هامش من الإدارة الذاتية.

القلق العلوي بعد سقوط الأسد

بالنسبة للعلويين، تبدو التداعيات أكثر عمقاً.

فقد أدى سقوط حكومة الأسد إلى تغيير جذري في موقع الطائفة داخل المشهد السوري، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلها السياسي والأمني.

وتخشى قطاعات من العلويين أن تؤدي المقاربة الإقليمية الجديدة إلى تهميش قضايا المصالحة والعدالة الانتقالية وحماية الأقليات لصالح أولويات تتعلق بالأمن الإقليمي والطاقة ومكافحة الإرهاب.

مخاوف المسيحيين

تواجه المجتمعات المسيحية السورية بدورها هواجس مشابهة.

فالحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي والهجرة أدت إلى تراجع ديموغرافي ملحوظ في أعداد المسيحيين.

ويرى كثير من قادتهم أن مستقبلهم يعتمد على وجود دولة تعددية قادرة على حماية التنوع الديني والمواطنة المتساوية.

لكنهم يخشون أن تركز القوى الدولية على الترتيبات الجيوسياسية الكبرى، بينما تبقى القضايا المرتبطة بحقوق الأقليات والتمثيل السياسي في مرتبة ثانوية.

دبلوماسية الصفقات أم بناء المؤسسات؟

يثير توسع صلاحيات باراك أيضاً مخاوف من أن يؤدي التركيز المتزايد على “الدبلوماسية القائمة على الصفقات” إلى تقوية القوى السياسية الكبرى على حساب المكونات الأصغر.

فالأقليات تعتمد عادة على الضمانات الدستورية والمؤسساتية والاهتمام الدولي المستمر، وهي أمور لا تحظى غالباً بالأولوية في الصفقات الجيوسياسية الواسعة.

بغداد ودمشق ضمن ساحة واحدة

في نهاية المطاف، تكشف خطوة الإدارة الأمريكية حقيقة مهمة: واشنطن تنظر بشكل متزايد إلى بغداد ودمشق باعتبارهما جزءاً من مشهد استراتيجي واحد.

فأمن الحدود، وإعادة الإعمار، ومشاريع الطاقة، وعمليات مكافحة الإرهاب، وحركات اللاجئين، والدبلوماسية الإقليمية، كلها باتت تندرج ضمن إطار موحد.

ويمثل توسيع صلاحيات باراك التعبير الأوضح عن هذا التوجه.

مستقبل سوريا بين السيادة والتجاذبات الإقليمية

بالنسبة لسوريا، تحمل هذه المقاربة تداعيات عميقة.

فمستقبل البلاد قد يتشكل بشكل متزايد عبر مفاوضات تشمل العراق وتركيا واعتبارات إقليمية أوسع.

ويبقى السؤال الأساسي: هل سيؤدي هذا النهج إلى تعزيز السيادة السورية أم إلى مزيد من تآكلها؟

الإجابة لن تعتمد فقط على نوايا واشنطن، بل أيضاً على الطريقة التي سيستخدم بها توم باراك الصلاحيات الواسعة التي باتت مركزة بين يديه.

وربما يُنسى الارتباك الذي رافق الإعلان عن منصبه خلال أيام، لكن نتائج القرار نفسه قد تستمر لسنوات طويلة.

فباراك لم يعد مجرد مبعوث أمريكي إلى سوريا، بل أصبح الرجل الذي يربط بغداد بدمشق، وأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في رسم الفصل المقبل من مستقبل البلدين

زر الذهاب إلى الأعلى