آراء وتحليلات

حدود الضبابية: الضربات الأمنية وسياسة ما بعد الحرب في سوريا

بقلم: إيرينا تسوكرمان

لم يكن افتتاح فصل جديد في العلاقات السورية-الإسرائيلية وليد اتفاقية سلام أو قمة سياسية، بل جاء عبر خطوة أكثر تواضعًا: ممر إنساني. من الناحية النظرية، يُفترض أن يشكّل هذا الممر العابر للحدود بداية منظمة لإعادة الإعمار بعد الأسد، ومسارًا لتقديم المساعدات، لا سيما للمجتمعات الدرزية الهشة، إضافة إلى كونه مساحة للتجارة والحوار قد تتطور تدريجيًا إلى منصة للتطبيع.

لكن بدلًا من أن يكون جسرًا للتقارب، تحوّل إلى نقطة اشتعال لرؤى متنافسة حول السيادة والأمن والنظام الإقليمي. فما بدأ كمبادرة إنسانية، أصبح خط صدع جيوسياسي يعكس التوازن المضطرب بين الغرائز العملياتية الإسرائيلية، تعافي سوريا الهش، وطموحات القوى الخارجية.

الحسابات الإسرائيلية والسورية والدرزية

لا يمكن المبالغة في حجم المخاطر. بالنسبة لإسرائيل، يشكّل الممر الإنساني فرصة ومصدر قلق في آنٍ واحد: فرصة لترسيخ الاستقرار على حدودها الشمالية، لكنه أيضًا منفذ محتمل لتسلل الجهاديين، والميليشيات المدعومة من تركيا، أو بقايا الشبكات الموالية لإيران.

أما القيادة الانتقالية في سوريا، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، فترى في هذا الممر اختبارًا للسلطة، ومؤشرًا على قدرة الحكومة الجديدة على تقديم الإغاثة، فرض السيطرة، وإقناع الشركاء الإقليميين بجدارتها في الحكم.

وبالنسبة للمجتمعات الدرزية على جانبي الحدود، فالممر ليس مجرد طريق، بل مسألة وجودية ترتبط بالهوية والانتماء والبقاء.

الضربات الإسرائيلية وتعقيد المشهد الدبلوماسي

بدلًا من أن تسهم في بناء الثقة، أدّت الضربات الجوية الإسرائيلية على أهداف داخل الأراضي السورية إلى تجميد الزخم الدبلوماسي. فكل ضربة دقيقة قد تزيل تهديداً مباشراً، لكنها تعزز أيضًا شعور دمشق بالتطويق، وتضعف الثقة الهشة الضرورية لأي تعاون مستقبلي.

كما أن هذه الضربات عقدت دور الفاعلين المحليين، ووضعت المجتمعات الدرزية في موقف حساس، حيث باتوا يُنظر إليهم كوسطاء محتملين، لكنهم أيضًا رهائن مترددون في صراع أوسع. وفي الوقت ذاته، تواصل تركيا إسقاط نفوذها عبر ميليشيات بالوكالة، مستغلةً الفراغ الذي خلفته دولة لا تزال في طور إعادة البناء.

من التعايش إلى التنافس

في هذا الخليط المتقلب، تحوّل الممر الإنساني من رمز للتعايش العملي إلى صورة مصغّرة لتناقضات مرحلة ما بعد الحرب: مساحة تتصادم فيها الأجندات، وتتفوق فيها الشكوك على حسن النوايا، ويصبح الخط الفاصل بين الإغاثة والتنافس هشًا وخطيراً.

فبدلاً من أن يكون وسيلة لتخفيف المعاناة، بات يُستخدم كأداة للمناورة السياسية، حيث تُقاس كل خطوة فيه بميزان المصالح الأمنية، والرمزية السيادية، والرهانات الإقليمية.

التفاعل المحلي والإقليمي: قراءة مزدوجة لكل خطوة

في ظل هذا المشهد المعقد، لا يمكن فصل الديناميكيات المحلية عن الحسابات الإقليمية والدولية. فكل خطوة على الأرض سواء كانت توزيعًا للمساعدات أو إعادة فتح طريق تجاري تُقرأ كإشارة سياسية.

إسرائيل تراقب عن كثب أي تحرك قد يعيد تشكيل ميزان القوى على حدودها، بينما ترى تركيا في أي تقدم للمجتمعات الدرزية أو الحكومة السورية تهديدًا لنفوذها في الشمال. أما القوى الغربية، فتتأرجح بين دعم الاستقرار ومخاوف من أن يؤدي أي انفتاح غير محسوب إلى تعزيز نفوذ خصومها.

الحاجة إلى مقاربة جديدة

وسط هذا التداخل بين المحلي والدولي، تبرز الحاجة إلى نهج لا يكتفي بإدارة المخاوف الأمنية، بل يسعى أيضًا إلى بناء الثقة عبر خطوات ملموسة.

فالممر الإنساني، رغم هشاشته، يمكن أن يتحول إلى منصة لتجريب نماذج من التعاون المحدود، حيث تُربط المساعدات بالشفافية، وتُصاغ آليات مراقبة مشتركة، وتُمنح المجتمعات المحلية دورًا حقيقيًا في تحديد أولوياتها.

مثل هذه المقاربة لا تلغي التهديدات، لكنها تعترف بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى عبر التفاعل، والاحترام، والتدرج.

اختبار الثقة في بيئة متقلبة

لكن حتى أكثر المقاربات حذرًا لا يمكنها تجاهل الواقع السياسي المتغير. فمع كل تطور ميداني، تتغير الحسابات، وتُعاد صياغة التحالفات، وتُختبر النوايا. إن بناء الثقة في بيئة كهذه يتطلب أكثر من مجرد إجراءات تقنية؛ إنه يتطلب التزامًا طويل الأمد، واستعدادًا لقبول التعقيد والإحباط.

فالممر الإنساني، في نهاية المطاف، ليس مجرد طريق، بل اختبار لقدرة المنطقة على تجاوز منطق الحرب، والانتقال نحو منطق التعايش، مهما كان هشًا أو مؤقتًا.

خاتمة: بين الردع والبناء التدريجي

إن مستقبل هذا الممر الإنساني، وما يمثله من إمكانيات، لا يتوقف على نوايا الأطراف فحسب، بل على قدرتها على تجاوز منطق الردع والشك، والانتقال إلى منطق البناء التدريجي.

فبينما تظل التهديدات قائمة، وتستمر القوى الإقليمية والدولية في المناورة، يبقى الأمل معقودًا على أن تتحول هذه المساحة الضبابية إلى نقطة انطلاق نحو نظام إقليمي أكثر توازنًا، حيث تُمنح المجتمعات المحلية صوتًا، وتُصاغ السياسات لا على أساس الخوف، بل على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.

زر الذهاب إلى الأعلى