واشنطن تراقب مسار دمج “قسد” في الجيش السوري.. والكونغرس يربط الاستقرار بإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية

يتجه ملف إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية إلى واجهة الاهتمام الأميركي مجدداً، بعد أن أظهرت تعديلات أقرّتها لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي اهتماماً خاصاً بمسار دمج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ضمن هيكلية الجيش السوري، في خطوة تعكس تصاعد النقاش داخل واشنطن بشأن شكل المؤسسات الأمنية والعسكرية في سوريا خلال المرحلة المقبلة.
ورغم أن التعديلات شملت ملفات متعددة تتعلق بالنفوذ الروسي والوجود العسكري الأجنبي، فإن إدراج قضية دمج “قسد” بصورة مباشرة ضمن الوثائق التشريعية الأميركية يمنح هذا الملف ثقلاً سياسياً إضافياً، ويؤشر إلى أن إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السورية باتت تُنظر إليها كأحد العناصر الأساسية في أي رؤية دولية لاستقرار البلاد.
إعادة بناء الجيش السوري تحت المتابعة الأميركية
التعديلات التي حظيت بموافقة اللجنة المختصة في الكونغرس لا تتضمن إجراءات تنفيذية مباشرة، لكنها ترسم ملامح أولويات المشرعين الأميركيين تجاه سوريا خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا الإطار، أبدت اللجنة دعماً لجهود دمج التشكيلات العسكرية المحلية ضمن بنية الجيش السوري، مع الإشارة بشكل واضح إلى قوات سوريا الديمقراطية، وضرورة إيجاد آليات تسمح بمشاركتها ضمن المؤسسات الدفاعية الرسمية للدولة.
كما دعت وزارة الدفاع الأميركية إلى دراسة فرص المساهمة في تطوير البنية المؤسسية للأجهزة الأمنية السورية، عبر برامج تعاون وتدريب تركز على رفع الكفاءة المهنية وترسيخ مبادئ الحوكمة العسكرية وسيادة القانون والالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تعكس توجهاً أميركياً يتجاوز الاعتبارات العسكرية التقليدية، ليركز على طبيعة المؤسسة الأمنية التي يمكن أن تنشأ في سوريا خلال مرحلة إعادة البناء.
ملف روسي حاضر بقوة
بالتوازي مع الاهتمام بإعادة هيكلة الجيش السوري، خصصت اللجنة جانباً مهماً من تعديلاتها لمتابعة مستقبل الوجود الروسي في سوريا.
وطالبت وزارة الدفاع الأميركية بإعداد تقييم شامل حول طبيعة النشاط العسكري الروسي داخل البلاد، والخيارات المتاحة للحد من نفوذه، إضافة إلى دراسة الأدوار التي تؤديها القواعد الروسية في الساحل السوري وانعكاساتها على المصالح الأميركية والإقليمية.
ويشير السفير والباحث بسام بربندي إلى أن هذا التوجه ينسجم مع النظرة السائدة داخل الكونغرس الأميركي التي تعتبر روسيا منافساً استراتيجياً يجب الحد من مساحة نفوذه في مناطق الصراع، لافتاً إلى أن الوجود الروسي في سوريا يتجاوز البعد المحلي ليشكل جزءاً من شبكة النفوذ العسكري التي بنتها موسكو خلال السنوات الماضية في الشرق الأوسط وإفريقيا.
ومع ذلك، يؤكد بربندي أن ما صدر عن اللجنة لا يعكس بالضرورة سياسة تنفيذية جديدة للإدارة الأميركية، بقدر ما يمثل محاولة للحصول على تقديرات رسمية من المؤسسات الحكومية حول مستقبل الدور الروسي في سوريا.
توازنات دمشق المعقدة
في المقابل، تبدو دمشق أمام معادلة دقيقة في إدارة علاقاتها الدولية، إذ لا تزال ترتبط بعلاقات عسكرية واقتصادية مع موسكو، في وقت تعمل فيه على توسيع قنوات التواصل مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية.
ويشير بربندي إلى أن الواقع العسكري السوري ما زال يعتمد بدرجات متفاوتة على المنظومات الروسية، سواء من ناحية التسليح أو الصيانة والدعم الفني، وهو ما يجعل أي تحول جذري في العلاقة مع موسكو أمراً معقداً من الناحية العملية.
كما أن روسيا ما تزال تلعب دوراً اقتصادياً مهماً في بعض الملفات الحيوية، الأمر الذي يدفع دمشق إلى اتباع سياسة تقوم على إعادة تنظيم هذه العلاقة بدلاً من إنهائها.
اهتمام أميركي بمستقبل الترتيبات الأمنية
من جانبه، يرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان أن ما يلفت الانتباه في التعديلات الأخيرة هو تركيزها المتزامن على ملفين مترابطين: مستقبل القواعد الروسية من جهة، وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية من جهة أخرى.
ويؤكد أن مسار دمج “قسد” ضمن الجيش السوري لم يعد مجرد طرح سياسي، بل أصبح جزءاً من نقاشات عملية مرتبطة بإعادة هيكلة المنظومة الدفاعية في البلاد، مشيراً إلى أن اهتمام الكونغرس بهذا الملف يعكس رغبة أميركية في متابعة مسار الدمج وتقييم فرص نجاحه.
ويضيف أن النقاشات المتعلقة بالوجود الروسي تختلف بين ما تطرحه بعض الأوساط الأميركية وما يجري تداوله بين دمشق وموسكو، إذ تركز الأخيرة على إعادة تعريف طبيعة الدور الروسي وأشكال حضوره المستقبلي أكثر من الحديث عن انسحاب كامل من الأراضي السورية.
وبينما تتواصل هذه النقاشات على المستويين السياسي والعسكري، تبدو التعديلات الأميركية الأخيرة بمثابة مؤشر إلى أن واشنطن تتابع عن كثب عملية إعادة رسم المشهد الأمني في سوريا، وأن ملف دمج “قسد” داخل الجيش السوري بات جزءاً أساسياً من الرؤية المطروحة لمستقبل الدولة ومؤسساتها العسكرية.




