آراء وتحليلات

مليارات سوريا المفقودة

بقلم: إيرينا تسوكرمان

أصبحت قصة إعادة إعمار سوريا نموذجًا لدراسة سياسة التعافي المؤجل. فبعد سقوط نظام الأسد، تغيّرت اللغة المستخدمة بشأن سوريا بين ليلة وضحاها تقريبًا. بدأ الدبلوماسيون يتحدثون عن المرحلة الانتقالية، وأعاد المانحون استخدام مصطلح “التعافي المبكر”. ووصل المستثمرون الخليجيون مع وفودهم ومذكرات التفاهم ومراسم توقيع الاتفاقيات. كما بدأت الحكومات الغربية في تفكيك بنية العقوبات التي كانت قد جمدت أجزاء واسعة من الاقتصاد السوري خارج النظام المالي الدولي الرسمي. وبدا أن بروكسل والرياض والدوحة وأنقرة وواشنطن والبنك الدولي، كلٌّ بلغته الخاصة، تتحرك نحو سوريا جديدة. وبالنسبة لبلد دمّرته أكثر من عشر سنوات من الحرب والنزوح والانهيار المؤسسي وتدمير العملة وتدهور البنية التحتية، كان يفترض أن يشكل ذلك بداية حقيقية لمرحلة إعادة الإعمار.

لكن تلك اللحظة لم تصل بعد. فسوريا تمتلك اليوم إعلانات، ومؤتمرات، وأطر عمل، ومنتديات استثمار، وتخفيفًا للعقوبات، ومساعدات فنية، ومشروعات قطاعية محدودة. لكنها لا تمتلك خطة لإعادة الإعمار تتناسب مع حجم الدمار الوطني. كما لا تمتلك آلية تمويل دولية كبرى قادرة على استيعاب عشرات المليارات من الدولارات وترتيب أولويات إنفاقها ومراقبتها وصرفها. ولا تملك وصولًا طبيعيًا إلى أسواق رأس المال، أو قطاعًا مصرفيًا يحظى بالثقة، أو اقتصادًا موحدًا على كامل الأراضي، أو نظامًا موثوقًا لإعادة الحقوق العقارية. فهي تمتلك زخمًا سياسيًا بلا عمق مالي، وتعاطفًا من المانحين بلا ثقة منهم، وعناوين استثمارية تتجاوز بكثير التدفقات النقدية الفعلية الداخلة إلى البلاد.

تكفي الأرقام وحدها لتفسير جزء من هذا الجمود. فقد قدّر تقييم البنك الدولي لاحتياجات سوريا بعد النزاع كلفة إعادة الإعمار المادية بنحو 216 مليار دولار، مع نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. ويشمل هذا التقدير المحافظ نحو 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية. ويعادل هذا الرقم نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لسوريا في عام 2024، ما يجعل إعادة الإعمار أقل شبهًا ببرنامج تقليدي لإعادة البناء بعد الحرب، وأكثر شبهًا بعملية إعادة تمويل شاملة تمتد عبر أجيال للدولة، والمساكن، وشبكات الكهرباء، وأنظمة المياه، والطرق، والمباني العامة، والخدمات الحضرية، والحياة الاقتصادية الخاصة. وحتى التعهدات السخية تبدو شكلية أمام هذا الحجم. فبضعة مئات من ملايين الدولارات يمكنها إصلاح خطوط نقل الكهرباء أو العيادات أو شبكات المياه، لكنها لا تستطيع إعادة بناء دولة دُمّرت بنيتها العمرانية والصناعية والاجتماعية بصورة منهجية.

ولهذا السبب بقي مسار المانحين الدوليين محصورًا في الإطار الإنساني. فقد أسفر مؤتمر بروكسل للمانحين في مارس/آذار 2025 عن تعهدات بلغت نحو 5.8 مليارات يورو، أي ما يقارب 6.3 مليارات دولار، إلا أن الجزء الأكبر من هذه الأموال خُصص للدعم الإنساني للسوريين داخل البلاد واللاجئين في الدول المجاورة، وليس لإعادة الإعمار الوطنية تحت سلطة دمشق. ولا يزال الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء يشكلون أكبر المانحين، وقد غيّر الاتحاد لغته باتجاه التعافي والانتقال ودعم المؤسسات. ومع ذلك، فإن هذا يظل بعيدًا جدًا عن تمويل برنامج وطني لإعادة البناء. لقد ساهمت مؤتمرات المانحين في إبقاء السوريين على قيد الحياة، لكنها لم تعِد رسملة سوريا.

وكان تأثير الولايات المتحدة عبر تراجعها أكبر من تأثيرها عبر انخراطها. فقد أتاح تخفيف العقوبات الأمريكية مساحة سياسية ومالية، ولا سيما بعد أن اتخذت إدارة ترامب خطوات لرفع العقوبات الواسعة في عام 2025، وإلغاء قيود قانون قيصر رسميًا. لكن في الوقت ذاته تقلصت المساعدات الإنسانية والتنموية الأمريكية، وأدى تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) إلى ترك فجوة واضحة في منظومة المساعدات التي كانت تعتمد طويلًا على التمويل الأمريكي. وفي عام 2025، تراجع التمويل الأمريكي لسوريا بشكل حاد بحسب التقارير، وحذرت المنظمات الإنسانية من أن العيادات وبرامج توزيع الغذاء والتغذية وشبكات المياه أصبحت تتعرض للتقليص في الوقت الذي كانت فيه سوريا بحاجة إلى جسر يربط بين الإغاثة الطارئة والتعافي. لقد منح تخفيف العقوبات الإذن بالتحرك، لكن خفض المساعدات سلب القدرة على التنفيذ.

وقد مضت أوروبا أبعد مما توقعه كثيرون في إعادة فتح الملف الاقتصادي رسميًا. فقد رفع الاتحاد الأوروبي ما تبقى من عقوباته الاقتصادية على سوريا في مايو/أيار 2025، مع الإبقاء على الإجراءات المستهدفة ضد شخصيات مرتبطة بالنظام السابق وجهات أمنية، وأعاد التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا في مايو/أيار 2026. كما أعلن بروكسل عن حزمة بقيمة 175 مليون يورو للتعافي الاجتماعي والاقتصادي في عام 2025. وتمثل هذه الخطوات أهمية سياسية لأنها تشير إلى أن أوروبا لم تعد ترغب في إبقاء سوريا معزولة بصورة دائمة عن الحياة الاقتصادية. لكنها تكشف أيضًا حدود التطبيع القانوني، إذ إن رفع العقوبات لا يعيد تلقائيًا العلاقات المصرفية المراسلة، أو خدمات التأمين، أو شهية المخاطرة، أو الجدارة الائتمانية، أو حوكمة المشاريع، أو ثقة المستثمرين.

أما عودة البنك الدولي إلى سوريا، فتحمل قيمة رمزية وبعض القيمة العملية، إلا أن حجمها لا يزال متواضعًا. ففي يونيو/حزيران 2025، وافق البنك على منحة بقيمة 146 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية لقطاع الكهرباء السوري، وهي أول مشروع له في سوريا منذ نحو أربعة عقود. وفي أبريل/نيسان 2026، وافق على منحة أخرى بقيمة 225 مليون دولار لإعادة خدمات المياه والصحة. وتُعد هذه تدخلات مهمة في مرحلة التعافي المبكر، لأن الكهرباء والمياه والصحة تشكل شروطًا أساسية لعودة السكان واستئناف النشاط التجاري واستعادة الشرعية المحلية. لكنها تظل ضئيلة جدًا مقارنة بفاتورة إعادة الإعمار. فسوريا تحتاج إلى شبكة كهرباء عاملة، وإعادة تأهيل محطات التوليد، وتأمين الوقود، والربط الإقليمي، وأنظمة القياس، وإصلاح شبكات التوزيع، وحوكمة قطاع الطاقة. ويمكن لمنحة أن تعيد تشغيل جزء من المنظومة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل استراتيجية وطنية لتمويل قطاع الطاقة.

أما دول الخليج فقد قدمت أكثر الإعلانات إثارة. فقد تحركت السعودية وقطر والإمارات وتركيا بسرعة لملء الفراغ الذي خلفه التردد الغربي، من خلال المزج بين الدبلوماسية والتموضع الاستراتيجي والطموح التجاري وبناء النفوذ. ووقعت سوريا في أغسطس/آب 2025 اتفاقيات استثمارية بقيمة 14 مليار دولار، شملت مشروعًا رئيسيًا لمطار دمشق مع شركة UCC Holding القطرية، ومشروع مترو دمشق المرتبط بشركة إماراتية، إضافة إلى مشاريع عقارية ضخمة. كما وقعت السعودية بصورة منفصلة أكثر من 6 مليارات دولار من الاتفاقيات في يوليو/تموز 2025، أعقبتها حزم إضافية بمليارات الدولارات خلال عام 2026 مرتبطة بالمطارات والاتصالات والعقارات والطيران والطاقة. وتكتسب هذه الصفقات أهميتها لأنها تظهر أن الفاعلين الإقليميين ينظرون إلى سوريا باعتبارها منصة للنفوذ والتموضع الاقتصادي طويل الأمد. لكنها لا تثبت أن سوريا قد تسلمت هذه الأموال بالفعل.

والفرق بين إعلان استثماري وتمويل إعادة الإعمار هو فرق حاسم. فامتياز مطار مدعوم خليجيًا، أو اتفاق لإعادة تطوير ميناء، أو مشروع اتصالات، أو مشروع عقاري، أو خطة لإنشاء محطة كهرباء، قد يجلب رأس مال إلى أصل معين ضمن شروط تجارية محددة. لكنه لا يعيد بناء الأحياء المدمرة، ولا يعوض المالكين المهجرين، ولا يعيد الخدمات البلدية، ولا يمول رواتب القطاع العام، ولا يعيد رسملة البنوك، ولا يزيل الذخائر غير المنفجرة، ولا يصلح المدارس الريفية، ولا يعيد الاستقرار إلى العقد الاجتماعي. إن جزءًا كبيرًا من الأموال الخليجية هو استثمار استراتيجي وليس أموال مانحين. فهو مصمم لاكتساب مواقع نفوذ، وتأمين العقود، والسيطرة على الممرات، وبناء أدوات الضغط، وتشكيل شبكات الربط، والاستفادة من التعافي المستقبلي. وسوريا بحاجة إلى هذا النوع من رأس المال، لكنها لا تستطيع اعتباره خزانة وطنية لإعادة الإعمار.

ولهذا فإن السؤال: “أين المانحون؟” يقود إلى إجابة غير مريحة؛ فكثير منهم حاضرون بالفعل، لكنهم لا يكتبون الشيكات التي يتخيلها السوريون عندما يسمعون عبارة “إعادة الإعمار”. فالمانحون الغربيون التقليديون لا يزالون يركزون على الإغاثة الإنسانية، ودعم اللاجئين، والحماية، وتعزيز الصمود المحلي، والصحة، والغذاء، والمأوى، والمياه، والتعافي المبكر. أما دول الخليج، فهي تركز على البنية التحتية القابلة للاستثمار التجاري، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والطيران، والموانئ، والاتصالات، والمشروعات العملاقة الرمزية. بينما يركز البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على إعادة الانخراط الفني، وإصلاح المؤسسات، وأنظمة البيانات، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، والمنح المحدودة. أما المستثمرون من القطاع الخاص فينتظرون حتى تصبح المخاطر أكثر قابلية للتقييم. وفي المقابل، تريد الدولة السورية الأموال بوتيرة أسرع مما تستطيع بناء المؤسسات اللازمة لاستقبالها بصورة آمنة.

ولا يزال القطاع المصرفي يمثل إحدى أبرز العقبات. فقد أمضت المصارف السورية سنوات طويلة معزولة عن النظام المالي العالمي، وأضعفتها العقوبات والحرب وانهيار العملة وانكشافها على الأزمة المالية اللبنانية. وأصدر المصرف المركزي تعليمات للمصارف التجارية بتكوين مخصصات للخسائر المرتبطة بلبنان وتقديم خطط لإعادة الهيكلة، في خطوة تهدف إلى إصلاح قطاع غير قادر بصيغته الحالية على دعم التعافي. كما أعلنت شركة فيزا عن خطط لدخول سوق المدفوعات الرقمية في سوريا، وأبدى بنك زراعات التركي اهتمامًا بالعمل فيها، وهي مؤشرات على بدء عملية التطبيع المالي. إلا أن العلاقات المصرفية المراسلة لا تعود بقرار إداري، إذ تتحرك إدارات الامتثال وشركات التأمين ومؤسسات التمويل التنموي ومجالس إدارات الشركات وفق مصفوفات المخاطر، لا وفق التفاؤل الدبلوماسي.

ويبرز انخراط صندوق النقد الدولي المعضلة ذاتها. فقد أشار خبراء الصندوق إلى وجود مؤشرات على التعافي، واتفقوا على تقديم مساعدات فنية لإعادة تأهيل المؤسسات الاقتصادية، وتعزيز النظام المالي، وتحسين الإحصاءات، وتحديث السياسة النقدية، والإعداد لاندماج أعمق في الاقتصاد الدولي. وهذا عمل ضروري، لكنه بطيء وإداري وحساس سياسيًا. فتعافي سوريا يعتمد على إعادة بناء الجهاز المالي لدولة جرى إفراغ مؤسساتها من مضمونها، وعسكرتها، وإفسادها، وإخضاعها للعقوبات، وتفكيكها. ولا تستطيع أي حكومة إقناع المانحين الجادين بتمويل إعادة الإعمار الوطنية إذا لم تتمكن من تقديم حسابات موثوقة، وفرض مشتريات عامة شفافة، وحماية الأموال العامة، وتنظيم عمل البنوك، وإظهار كيفية انتقال الأموال من الوزارات إلى المشاريع دون أن تتحول إلى أدوات للمحسوبية.

ولا تزال المخاطر الأمنية تلقي بظلالها على كل نقاش يتعلق بالتعافي. فقد أحرزت السلطات السورية الجديدة تقدمًا في استعادة حضور الدولة في أجزاء من البلاد، بما في ذلك شمال شرق سوريا، حيث أصبحت عملية دمج المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية والمناطق الغنية بالموارد محورًا رئيسيًا للمستقبل الاقتصادي للدولة. ويعد التحكم بالنفط والغاز والسدود والمعابر الحدودية أمرًا أساسيًا لتأمين الإيرادات وإنتاج الطاقة. ومع ذلك، تبقى عملية الدمج حساسة، إذ لا تزال قضايا التمثيل السياسي الكردي، ودمج القوات العسكرية، والإدارة المحلية، وملف المعتقلين، وسياسات العشائر العربية، قادرة على إعادة إشعال الصراع. ويمكن للمستثمرين احتساب تكلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، لكنهم يجدون صعوبة في تسعير مخاطر السيادة غير المحسومة.

وقد عمقت السويداء هذه المخاوف. فبعد مرور ما يقرب من عام على أعمال العنف الطائفي التي أودت بحياة أكثر من 1700 شخص، قال مسؤول في الأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2026 إن سوريا لم تحقق أي تقدم في خطة إعادة دمج المحافظة وتحقيق الاستقرار فيها. وكشفت أعمال العنف هشاشة سلطة الدولة، وعمق انعدام الثقة لدى الأقليات، وخطورة الفاعلين المسلحين المحليين، وتحول الصراعات الداخلية السورية إلى نزاعات ذات أبعاد إقليمية بفعل التدخل الإسرائيلي والضغوط الخارجية. وبالنسبة للمانحين، فإن السويداء ليست مجرد ملف إنساني، بل اختبار للحكم الرشيد. فالدولة التي تعجز عن تحقيق المصالحة، أو توفير الحماية، أو إدارة المحافظات الحساسة بصورة موثوقة، ستجد صعوبة في إقناع المانحين بأن أموال إعادة الإعمار ستنتج الاستقرار بدلًا من خلق مظالم جديدة.

كما تمثل حقوق السكن والأراضي والملكية حقل ألغام آخر لم يُحسم بعد. فقد نزح ملايين السوريين، وفقد كثير منهم وثائقهم، ودُمرت منازل كثيرة، وتحولت أحياء بأكملها بفعل المصادرات زمن الحرب، وإعادة التطوير غير الرسمية، والتغيرات الديموغرافية، والنزاعات على الملكية. وأي إعادة إعمار تبدأ بالجرافات قبل إعادة الحقوق ستخلق صراعات جديدة تحت شعار التجديد العمراني. وقد أظهرت حلب بالفعل كيف يمكن أن تتصادم مشاريع إعادة التطوير مع سكان لا يملكون سندات ملكية رسمية، لكنهم يمتلكون حقوقًا تاريخية في منازلهم وأحيائهم. ومن دون إطار موثوق للملكية، تصبح العودة محفوفة بالمخاطر، ويتحول التعويض إلى قضية مسيسة، وتصبح المشاريع العقارية أدوات للإقصاء.
ولا يزال الوضع الإنساني يبتلع أجندة التعافي. إذ تقدر خطة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) لعام 2026 أن سوريا تحتاج إلى مليارات الدولارات لدعم ملايين الأشخاص، فيما لا تزال تقارير الاتحاد الأوروبي الإنسانية تشير إلى أن عدد المحتاجين للمساعدة بلغ 15.6 مليون شخص في عام 2026. ولا تزال فجوات التمويل كبيرة، كما أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 لم تحصل إلا على جزء من التمويل المطلوب. وهذا يعني أن الأموال التي كان يمكن أن تذهب إلى التنمية تُسحب باستمرار نحو الاستجابة الطارئة، مثل الغذاء، والرعاية الصحية، والمأوى، والمياه، والصرف الصحي، والاستعداد لفصل الشتاء، وحماية الأطفال، والخدمات الأساسية. ولا يمكن لأي بلد أن ينتقل بسهولة إلى مرحلة إعادة الإعمار بينما تُغلق العيادات، وتفتقر المدارس إلى التمويل، وتمنع الذخائر غير المنفجرة عودة السكان، ولا تزال الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية.

كما أن خطاب الحكومة السورية بشأن إعادة الإعمار سبق قدراتها الإدارية. فمنتديات الاستثمار وإعلانات المشاريع العملاقة تخلق انطباعًا بوجود زخم، لكنها قد تعمق أيضًا حالة الشك عندما يرى المواطنون الحديث عن المطارات والأبراج قبل شبكات الصرف الصحي، والإسكان، والكهرباء، والمدارس، والمستشفيات، والتعويضات. وقد تبهر استراتيجية إعادة إعمار تركز على المشاريع الرمزية الوفود الأجنبية والنخب الحضرية، لكنها تخاطر بتنفير المجتمعات التي تربط التعافي بعودة الحياة الطبيعية. فبالنسبة لمعظم السوريين، لا يُقاس التعافي بأفق المدينة، بل براتب مستقر، ومنزل مُرمم، ومدرسة تفتح أبوابها، وعيادة يتوفر فيها الدواء، وطريق خالٍ من الحواجز، وكهرباء تتجاوز بضع ساعات يوميًا، وحق قانوني في العودة.

كما يعكس تردد المانحين قلقًا سياسيًا تجاه القيادة السورية الجديدة. فقد حصلت حكومة أحمد الشرع على اعتراف دولي وانخراط عملي، إلا أن العواصم الغربية لا تزال تتعامل بحذر مع قضايا الشمولية، وحماية الأقليات، ودمج القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية، ومخاطر الإرهاب، واحتمال أن تؤدي إعادة الإعمار إلى ترسيخ نظام جديد قائم على المحسوبية المركزية. وهذا لا يعني أن المانحين يريدون فشل سوريا، بل إن كثيرين منهم يخشون تحديدًا هذا السيناريو. ويستند حذرهم إلى تجارب العراق وأفغانستان ولبنان، وسوريا نفسها قبل عام 2011، حيث أدى ضخ الأموال دون إصلاحات في الحوكمة إلى تغذية الفساد، ونفوذ الميليشيات، واستحواذ النخب، وتصاعد السخط الاجتماعي. وفي سوريا، تتضاعف هذه المخاوف بسبب استمرار الشبكات المسلحة، والنفوذ الخارجي، والهواجس المتعلقة بالامتثال للعقوبات، وضعف المؤسسات.

والنتيجة هي اقتصاد لإعادة الإعمار منقسم إلى أجزاء منفصلة. فالمانحون الإنسانيون يمولون البقاء على قيد الحياة. والمستثمرون الخليجيون يلاحقون الأصول الاستراتيجية. وتتحرك تركيا عبر التجارة، والقطاع المصرفي، والبناء، والنفوذ في الشمال. ويمول البنك الدولي مشاريع محددة بعناية. ويعيد صندوق النقد الدولي بناء القدرات الفنية. بينما تستكشف الشركات الخاصة فرصًا في الطاقة والموانئ والطيران والاتصالات والمدفوعات. وتسعى السلطات السورية إلى اكتساب الشرعية من خلال الصفقات المرئية. أما المجتمعات المحلية، فتعيد البناء عبر الحوالات المالية، والمتطوعين، وأموال المغتربين، والارتجال البلدي، ودعم المنظمات غير الحكومية. ولا يوجد حتى الآن طرف واحد يمتلك ملف التعافي بأكمله، كما لا توجد خطة وطنية تجمع هذه الأجزاء في تسلسل متماسك للاحتياجات والتمويل والأولويات والضمانات وآليات المساءلة.

إن غياب التدفقات المالية الضخمة لا يعود إلى أن العالم نسي سوريا، بل لأن إعادة الإعمار أصبحت أكبر من أن تمولها المساعدات، وأكثر خطورة من أن تجذب الاستثمار التقليدي، وأكثر تسييسًا من أن تمولها الجهات المانحة دون شروط، وأكثر تشتتًا من أن تُنفذ بسرعة، وأكثر تطلبًا مؤسسيًا مما تستطيع الدولة السورية الحالية تلبيته. لقد أزال تخفيف العقوبات حاجزًا، لكنه لم يبنِ نظامًا مصرفيًا. وأنتجت مؤتمرات المانحين تعهدات، لكنها لم تنشئ صندوقًا لإعادة الإعمار. وخلقت الاتفاقيات الخليجية زخمًا، لكنها لم تحل مشكلات السكن، ورد الحقوق، والفقر، والمالية العامة. وأعادت منح البنك الدولي فتح الباب، لكنها لم تملأ الميزانية الوطنية.

ولن يتحرك تعافي سوريا إلا عندما تبدأ ثلاثة مسارات في الالتقاء: إصلاح حوكمة موثوق، وتخطيط قابل للتمويل للبنية التحتية، وإعادة إعمار تتمحور حول المجتمع. فالمانحون يحتاجون إلى دولة يمكنهم العمل معها. والمستثمرون يحتاجون إلى قوانين، ومحاكم، وبنوك، وتأمين، وأمن، وعقود قابلة للتنفيذ. أما السوريون، فيحتاجون إلى دليل على أن إعادة الإعمار لن تؤدي إلى تجريدهم من حقوقهم مرة أخرى تحت راية مختلفة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل البلاد معلقة بين الاستعراض والندرة، مليئة بالمليارات المعلنة، لكنها محرومة من رأس المال القابل للاستخدام. ولم تعد مأساة إعادة إعمار سوريا تتمثل في غياب الاهتمام الدولي، بل في اتساع الفجوة بين الأموال التي يُعلن عنها في قاعات المؤتمرات، والأحياء المدمرة التي لا تزال تنتظر أن يصبح التعافي حقيقة.

زر الذهاب إلى الأعلى