تقارير

عسكرية ما بعد الواجب.. لا رواتب ولا تأمين

بعد قرابة أكثر من عقد من “خدمة الوطن”, تسرّح عبد الله شاهين (اسم مستعار) من الخدمة الإلزامية والاحتياطية من الجيش السوري الحكومي “ليكافئه الوطن بتعويضٍ لا يكفي لجمركة موبايله”، وفق تعبيره.

8 سنواتٍ وأربعة أشهر كانت مدة خدمة “عبدالله” في صفوف الجيش الحكومي، واجه خلالها الموت مئات المرات، وعانى الجوع والبرد والبعد عن العائلة، لكنّه لم يملك خياراً آخراً وفق ما قال لمنصة مجهر، وينص القانون السوري على التحاق كل شاب تجاوز عمره 18 عام بالخدمة العسكرية إلا إذا كان وحيداً لأمه أو يملك عذراً صحياً، فيما اكتشف “عبدالله” في النهاية أنه هدر حياته دون تقدير وبتعويضٍ “لا يملك أي مقومات التعويض”.

ويضيف: “ضيّعت شبابي كلّه بشكلٍ تامٍ في الخدمة، فردّ الوطن خدمتي له بتعويضٍ لا يكفي لجمركةِ هاتفٍ خلويٍّ أشتريه من أراضيه، مليون وسبعمائة ألف لا يكفون لشراء بسطةٍ لأعمل عليها.. الآن حتى البسطات أزالوها، حرقوا عمرنا وشبابنا وراهنوا على دمائنا قرابة العقد، ماذا نفعل لنعيش الآن؟”.

ويضطر معظم المجندين في صفوف الخدمة الإلزامية والاحتياطية في سوريا إلى أخذ إجازاتٍ طويلة يدفعون مقابلها مبالغ كبيرة حتى يستطيعون تأمين قوت يومهم ومصروف عائلاتهم، لكنهم لا يستطيعون بالمقابل الحصول على وظائف ثابتة في القطاع الخاص وذلك لعدم استقرار مواعيد إجازاتهم وعدم وثوق أصحاب العمل بقدرتهم على الالتزام, لذا يلجؤون إلى الأعمال الحرة أو المؤقتة.

وبينما كنا نتحدّث إلى “عبدالله” شاركنا مراد الحسن (اسم مستعار) وهو زميلٌ لعبد الله في الخدمة الإلزامية، إذ جمعتهما الخدمة سويّاَ في إدلب لمدة سنتين كاملتين، إلّا أن مراد لم يتسّرح بعد، ويشكو لمنصة “مجهر” ظروف خدمته الصعبة.

وقال “مراد”: “راتبي 150 ألف ليرة وعند المهمات القتالية أحصل على 10 آلاف إضافية، بعيدٌ عن أهلي إذ أخدم في إدلب وانحدر من حمص، ومكروهون من المدنيين كونهم يلوموننا على كل شيء، كما أن حياتي في خطر وراتبي لا يكفيني لآكل وأشرب، إجازاتي النظامية 5 أيام شهرياً وإذا أردت إجازة  لظرفٍ ما أدفع ضعف راتبي رشوةً للعميد حتى يوافق عليها، ولا وقت لي للعمل خارج الخدمة، هذا كلّه إذا تغاضينا عن المعاملة التي أقل ما يقال عنها أنها سيئة من قبل الرُتب الأعلى وإجبارنا على الطاعة العمياء فقط لأنه واجبنا وفقهم، لذا أنا مستعدٌ لأن أدفع ضعف تعويضي لهم فقط لأتسرح لكنه لن يعجبهم، فهم أكبر من أن يرضوا حتى بضعف ما يمنحوه”، على حد وصفه.

ونختلف رواتب الخدمة الإلزامية عن الاحتياطية، إذ يبلغ راتب العسكري في خدمته الإلزامية 17200 ليرة سورية بالإضافة إلى 27 ألف ليرة سورية عند المهمات القتالية وتستمر لمدة سنة ونصف، أما عند انتقاله لصفوف الاحتياط يرتفع الراتب إلى قرابة الـ 150 ألف ليرة سورية فقط”.

مشيراً إلى أنه تختلف الرواتب حسب الدرجة العلمية للمجنّد وسنوات خدمته لكنها متقاربة، إذ أنها في أحسن الأحوال لا تغطي تكاليف معيشته ومصروفه الشخصي، علماً أنه صدر قرارٌ مؤخراً يعفي خريجي الجامعات الذين تزيد سنوات دراستهم في الجامعة على الخمس سنوات من الخدمة الاحتياطية كالمهندسين والأطباء.

من جهةٍ أخرى، تُعتبر الخدمة الإلزامية في سوريا أحد أبرز أسباب هجرة الشباب منها، إذ يضطرون إلى السفر هرباً من الخدمة في طرقٍ خطيرة أحياناً، كالسفر بطريقة “التهريب” التي تجعلهم غالب الوقت في خطر الترحيل والسجن والموت أحياناً، لكنهم مع ذلك يعتبرونها “خطر ساعة ولا كل ساعة”.

ويقول عبدالله: “نخسر عمرنا في الحالتين، نخسره بكرامتنا أفضل من ذل عشر سنين وبالآخر لا حمداً ولا شكوراً، فإلى متى سنقايض عمرنا مقابل لا شيء”.

زر الذهاب إلى الأعلى