تقارير

دمشق.. اختلاط مياه الصرف مع مياه الشرب يصيب العشرات بحالات تسمم في حي ركن الدين

منذ أيام استيقظ محمد علي (27 عاماً) اسم مستعار، وهو يعاني من التهاب في الأمعاء، وألم رافقه منذ وصوله إلى الحي الذي يقطنه بعد عودته من لبنان، لكي يرى عائلته.

يقول (محمد) الذي يسكن في حي ركن الدين شمال العاصمة السورية دمشق: “منذ عودتي والمرض لا يفارقني، أشعر بأنّ أمعائي تتقطع، لأول مرة أتمنى لو أنني لم أعد، فلم أعلم بأنّ الماء الذي سأشربه سيودي بي إلى حالة التسمم، اعتدنا إيجاد العديد من البدائل لكل ما ينقصنا، لكن بماذا نستبدل الماء؟”.

ويعاني حي ركن الدين وخاصة الأحياء العشوائية  من اختلاط مياه الصرف الصحي مع مياه الشرب، حيث أصيب عشرات الأشخاص من بينهم أطفال وكبار في السن بالتسمم في حصيلة غير مثبتة ومعروفة حتى الآن.

ولم يعلق الإعلام الحكومي على الأمر، كما لم تصدر وزارة الصحة أو مديرية صحة ريف دمشق أي بيان أو تصريح حول هذا الموضوع، وسط حديث عن تلوث مياه الشرب في المنطقة ومناشدات من الأهالي لصيانة أنابيب الصرف الصحي، وأنابيب المياه.

أزمة رغم المناشدات.. والمؤسسات صماء!

يقول غيث (30 عاماً) اسم مستعار، من سكان حي ركن الدين: “أزمة المياه بدأت منذ 15 يوماً في الأحياء العشوائية وخاصة في حي يدعى (العجك) بسبب امتداد خط الماء بنحو 500 متر للأعلى، جميع هذه البيوت تضررت، فشرب المياه الملوثة أدى إلى أمراض عديدة والتهابات للأطفال وطلاب المدارس وكبار السن، وإلى الآن لا استجابة لمطالب الأهالي بإصلاح الأنابيب”

وفي حديثه لمنصة “مجهر” يقول خالد (45 عاماً) حول كيفية اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب: “أنا من سكان حي (العجك) منذ زمن، هذه المرة الأولى التي تحصل بها مثل هذه الأزمة، أثناء حفر العمال ومحاولة إصلاحهم أنابيب الصرف الصحي تضررت أنابيب المياه ما أدى لاختلاط المياه ببعضها، إضافة إلى أنّ شبكة المياه الأساسية أصبحت قديمة جداً ومهترئة وبحاجة إلى تبديل، ولكن رغم المناشدات العديدة لم نر استجابة من المعنيين في المؤسسات الحكومية”.

عدد من الأهالي أيضاً نقلوا لمراسلة منصة مجهر في العاصمة دمشق، أن بعض المنازل في أحياء ركن الدين يصلها خطين من مياه الشرب (قديم وجديد)، فالخط القديم كان متضرراً بأحد الأحياء ما أدى إلى امتلاء الشوارع بالمياه دون وصولها إلى المنازل بشكل نظامي، ورغم تواصلنا مع شركة المياه ومطالبتنا بإصلاحه حتى لا تذهب المياه سدىً إلا أنّهم لم يستجيبوا لنا، ما أدى إلى إسراف في المياه، وكسر في المواسير الأرضية”.

من جهتها تقول سناء (40 عاماً) من سكان حي العجك: “أسعفتُ ولدي وهو طالب في الصف الثالث إلى مستشفى ابن النفيس مباشرة بعد أن اشتكى من ألم معدته، فالطبيب هناك أخبرنا بأنّ سبب التهاب أمعائه والإقياء والإسهال، هو شرب مياه ملوثة، حيث وصف لنا الأدوية، ولكن لا حلّ للمياه حتى الآن، فمن أين سأجلب مياهاً نظيفة في هذه الأوضاع”

المياه ما بين التلوث والشح

برنامج “الأمم المتحدة الإنمائي قدّر أنّ 70 % من السكان السوريين لا يحصلون على مياه الشرب النظيفة بصورة منتظمة، بسبب دمار البنى الأساسية، وانقطاع المياه بشكل متزايد.

ويشير البرنامج إلى أن ضمان حصول الجميع على مياه الشرب بأسعار مقبولة بحلول عام 2030، يتطلب زيادة الاستثمارات في البنية التحتية، وتوفير مرافق الصرف الصحي، وتشجيع النظافة الصحية على جميع المستويات.

ووفقًا لبيانات “الأمم المتحدة”، فإن حوالي 15 مليون شخص في مختلف أنحاء سورية بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه، حيث تنفق الأسر ما يصل إلى 25 % من دخلها لتلبية احتياجاتها اليومية من المياه.

ووفق تقرير للأمم المتحدة، فإن أكثر من 80 % من مياه الصرف الصحي في العالم تتدفق مرة أخرى إلى البيئة دون معالجتها أو إعادة استخدامها، بينما في بعض البلدان الأقل نموًا، يتجاوز الرقم 95 %.

الأعراض والوقاية والإجراءات

يقول طبيب الهضمية وفيق ديوب لمنصة مجهر: “الآثار المترتبة عن شرب مياه ملوثة هي: حدوث التهاب معدة وأمعاء، وأعراض إسهال، وإقياء، وارتفاع في درجة حرارة الجسم، وتعب ووهن عام، مشيراً أنّ هذه الأعراض تحصل نتيجة نقص السوائل والشوارد في الجسم.

وعلى الرغم من صعوبة تحديد المستهلك العادي لدرجة نقاوة المياه وصلاحيتها للشرب، فإن الدكتور ديوب أشار إلى أن “الوقاية تكون بعدم الشرب من مياه شبكة المياه والبحث عن مياه صحية بديلة، ريثما يتم معالجة الموضوع ومعرفة أين الخلل، وإعادة تعقيم الشبكة، والتأكد من سلامة المياه بأخذ عينات للفحص المخبري”.

وفي حال التعرض للإصابة، يجب التوقف عن استخدام المياه المشتبه بها، ومراجعة الطبيب لتقييم الحالات المشتبه بها، وعلاجها بناء على ما تتطلبه كل حالة.

بالتوازي، يقول الصيدلاني بسام وهو صاحب صيدلية البسام، القريبة من موقف عجك: “كنت أضع في الصيدلية كل شهر ونصف عدد محدد من دواء (فلاجيل) وهو مطهر أمعاء، والقليل منه يباع، لكن بعد أزمة المياه، ابتاع الأهالي الكثير من هذا الدواء ففي يومين انتهى كل ما لدي، فقد بعت نحو 30 علبة، إضافة إلى العديد من المحاليل الملحية، التي تستخدم لترطيب الجسم، وتزويده بالماء”.

أزمة مياه ركن الدين وخاصة حي (العجك) والعشوائيات لا تزال دون حلول من مؤسسات الحكومة السورية، فرغم المناشدات ومطالبات الأهالي بحل أزمة مياه الشرب إلا أنّ المؤسسات لم تأبه، في ظلّ التعتيم الإعلامي والصحي عن هذه الأزمة التي أصابت العديد من المنازل والعشرات من أهالي الحي، ليست الأزمة الأولى ولن تكون الأخيرة، فالواقع يشير إلى أزمة تجر أزمة.

زر الذهاب إلى الأعلى