تقارير

“محاولة يائسة” من الحكومة السورية.. مرسوم المحاكم الميدانية لن يغير من الواقع شيء

روبين عمر – مجهر

يرى خبير قانوني أن مرسوم إنهاء العمل بالمحاكم الميدانية، عبارة عن محاولة يائسة من الحكومة السورية للحد من الانتقادات، ولن يغير من الواقع السوري “المزري” شيئاً، “فلا تزال محكمة الإرهاب موجودة ولا تزال الأجهزة الأمنية محصنة ومعفاة من الملاحقة القضائية”.

في الرابع من أيلول /سبتمبر 2023، أنهى الرئيس السوري بشار الأسد، العمل بمحاكم الميدان العسكرية سيئة الصيت المنشأة منذ أكثر من 50 عاماً، بينما أصدر في منتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي، القانون رقم (29) لعام 2023 القاضي بتعديل المادة (50) من قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية.

ويقضي القانون الصادر بـ”محاكمة المدنيين الذين تشملهم هذه المادة أمام القضاء الجزائي العادي، بدلاً من القضاء العسكري إلا إذا كانت الجريمة ناشئة عن الوظيفة”.

وبموجب هذا القانون سيحاكم أمام المحاكم العسكرية (جميع الأشخاص المستخدمين في الجيش أو القوى المسلحة أو في كل قوة عسكرية تتألف بقرار من السلطة المختصة في حرفة ما زمن الحرب أو زمن حالة الحرب أو عند وجود الجيش أو القوة في منطقة أعلنت فيها حالة الطوارئ إذا كانت الجريمة ناشئة عن وظيفتهم.

ما هي محاكم الميدان؟

وأُنشأت محاكم الميدان بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 التي جرت بين إسرائيل وكل من سوريا، مصر، العراق والأردن، لتحاكم العسكريين أوقات الحرب، وتوسّع اختصاصها ليشمل المدنيين في الثمانينات بعد أحداث مدينة حماة حين واجه الرئيس السوري السابق حافظ الأسد معارضة من الإخوان المسلمين.

كما سيحاكم أمام المحاكم العسكرية أيضاً جميع العاملين المدنيين لدى وزارة الدفاع إذا كانت الجريمة ناشئة عن الوظيفة، المدني الذي يرتكب جرماً جزائياً يقع على شخص العسكري المعرف في قانون الخدمة العسكرية النافذ.

“محاولة يائسة”

يقول رياض علي، خبير قانوني لدى منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، إن محكمة الميدان العسكرية التي ألغيت في شهر أيلول من العام المنصرم بموجب المرسوم رقم 32، كانت مثالا بارزاً على تلك المحاكم.

وأضاف “إلغاء هذه المحكمة عبارة عن محاولة يائسة من النظام السوري للحد من الانتقادات التي توجه بشكل دائم للنظام القضائي السوري، خاصة في ظل وجود المحاكم الاستثنائية المعفاة من التقيد بالأصول والقواعد القانونية في جميع أدوار التحقيق والملاحقة”.

وتابع بالقول: “لا تتوفر في المحاكم الاستثنائية أدنى المعايير المطلوبة للمحاكمة العادلة، لا من حيث الإجراءات المتبعة أمامها ولا من حيث طريقة تشكيلها وتسمية أعضائها، حيث كان تشكيلها يتم من قبل وزير الدفاع، وكان أعضائها ضباط لا يشترط أن يكونون من المجازين في القانون أصلاً، كما إن الأحكام الصادرة عنها لم تكن تقبل أي طريق من طرق الطعن، وهذا ما يتناقض مع قدسية حق الدفاع المنصوص عليه في الدستور السوري نفسه”.

محكمة الإرهاب لا تزال موجودة

وأردف الخبير القانوني بالقول: “التاريخ السوري حافل بالمحاكم الاستثنائية خاصة بعد استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963 عبر انقلاب 8 آذار والذي سمي عنوة عن السوريين بثورة الثامن من آذار، ومنها محكمة الميدان العسكرية المذكورة”.  

ويرى “علي” أن إلغاء هذه المحكمة لن يغير من الواقع السوري “المزري” شيئاً، ويعلل ذلك بأن “محكمة الإرهاب لا تزال موجودة، والأجهزة الأمنية محصنة ومعفاة من الملاحقة القضائية بموجب مرسوم إحداث إدارة أمن الدولة رقم 14 لعام 1969، وكذلك الحال بالنسبة لضباط وصف ضباط وأفراد قوى الأمن الداخلي وعناصر شعبة الأمن السياسي وعناصر الضابطة الجمركية، حيث تم تحصينهم من الملاحقة القضائية أيضاً بموجب المرسوم 69 لعام 2008”.

ويتابع حديثه لـ “منصة مجهر”، أنه إذا كان البعض قد فهم المرسوم رقم 29 لعام 2023 والذي تم بموجبه تعديل ثلاث فقرات من المادة 50 من قانون العقوبات السوري، بأنه يعني عدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية اعتبارا من تاريخ نفاذ المرسوم، فـ “إنه فهم قاصر وغير دقيق صراحة”، على حد قوله.

صلاحيات القضاء العسكري

ويوضح أن التعديلات قلَّصت وبشكل محدود جداً، صلاحيات القضاء العسكري تجاه المدنيين المستخدمين في الجيش أو القوى المسلحة، وكذلك المدنيون التابعون لوزارة الدفاع أو المستخدمون في مختلف مصالح الجيش، وذلك بالنسبة للجرائم التي يرتكبونها خارج نطاق عملهم أو وظيفتهم.

“وبالتالي إذا كان الجرم ناشئاً عن أداء العمل او الوظيفة فإن القضاء العسكري يبقى مختصاً في محاكمة المدنيين المذكورين، أما إذا كان الجرم غير ناشئ عن الوظيفة أي غير مرتبط بها ففي هذه الحالة فقط يكون القضاء العادي هو المختص بنظر الجريمة”، وفقاً لـ “علي”

ويضيف أن “في حال ارتكاب المدني المستخدم أو الموظف في مصالح الجيش أو وزارة الدفاع جرما خارج نطاق عمله، فإن القضاء العسكري يبقى مختصاً في حال كان أحد المدعى عليهم فقط عسكريا، أي على فرض اتهام عدة أشخاص من المذكورين بجرم غير ناشئ عن الوظيفة، وكان واحد فقط من هؤلاء عسكرياً فإن القضاء العسكري هو المختص بمحاكمة جميع المتهمين حتى لو كان متهم واحد فقط من أصل مئة متهمين عسكرياً”.

ويقول الخبير القانوني، إنه بخصوص تعديل الفقرة المتعلقة بمحاكمة المدنيين الذين يعتدون على العسكريين، فلا نجد فيها شيئاً يستحق الذكر كون النص القديم يقول “يحاكم أمام المحاكم العسكرية (…) المدنيون الذين يعتدون على العسكريين”، في حين أضاف التعديل الجديد عبارة ” شخص العسكري المعرف في قانون الخدمة العسكرية النافذ”، أي وضَّح التعديل الجديد المقصود بكلمة العسكري فقط، وبالتالي بقي الاختصاص للقضاء العسكري بالنسبة لجرائم الاعتداء من المدنيين على العسكريين، ولم يطرأ على هذا الأمر أي تعديل.

“تعدي على صلاحيات القضاء المدني”

ويضيف إنه في حال وقوع خلاف في تحديد الاختصاص، أي هل القضاء المدني هو المختص بالنظر في الدعوى أم القضاء العسكري، فإن القضاء العسكري هو الذي يقرر من هي الجهة صاحبة الاختصاص، وهذا يشكل تعدياً على صلاحيات القضاء العادي صاحب الاختصاص الأصيل في النظر في الجرائم المدعى بها.

وبحسب رياض علي الخبير القانوني لدى منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فأن “هذا المرسوم لا يحقق تطلعات السوريين المتعطشين إلى سيادة القانون في سوريا وضرورة الوصول إلى دولة القانون والمؤسسات، وهو أيضاً عبارة عن محاولة لإسكات الأصوات المنادية بضرورة حظر جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ولا سيما المنظمات الحقوقية المحلية والدولية”. ورأي بان المراسيم المذكورة عبارة عن محاولات من قبل “النظام السوري” لإعادة تعويم نفسه أمام الدول التي لا ترى مانعاً من إعادة تطبيع العلاقات معه، “ما دام أنه قد غير من سلوكه، وبالتالي منحهم تلك الذريعة التي يبحثون عنها”، وفقاً لقوله.

“توسيع الشريحة التي تطالب برفع العقوبات”

ويرى أن هذه المراسيم قد يساعد في توسيع الشريحة التي تطالب برفع العقوبات عن “النظام السوري”، وأن “حجتهم هنا ستكون ان النظام قد أحدث التغيير المطلوب في سلوكه”.

وأضاف في حديثه ” أن المرسومين المذكورين، المتعلق بإلغاء محاكم الميدان العسكرية وكذلك المتعلق بتعديل طفيف على المادة 50 من قانون العقوبات العسكري، لن يكون لهما التأثير الكبير على أرض الواقع، فإصدار أي قانون أو مرسوم وإن كان يحمل في ظاهره بعض الإيجابيات إلا إن تلك الإيجابيات لا تترجم على الأرض وتبقى سلوكيات النظام السوري كما هي”.

وتابع: “لو كان جاداً في إلغاء المحاكم الاستثنائية لما انشأ المحكمة الناظرة في قضايا الإرهاب بدلاً عن محكمة أمن الدولة، ومحكمة الإرهاب أيضاً محكمة استثنائية ومعفاة من التقيد بالقواعد والأصول القانونية طوال فترة التحقيق والمقاضاة”.

وقال في الختام أن “الدليل على عدم ضرورة ترجمة ما هو مكتوب في متن القوانين والمراسيم السورية إلى حقيقة، ولا سيما إن كانت تحمل في طياتها نصوصاً تكون في صالح السوريين،  هو القانون رقم 16 تاريخ 29/3/2022 المتعلق بحظر التعذيب ومنعه وتشديد العقوبات على مرتكبي هذا الانتهاك حتى لو كان من موظفي الدولة، فكل متتبع للشأن السوري يعلم تماما بأن وتيرة التعذيب في السجون ومراكز الاعتقال السورية لم تتغير، وحالات الموت تحت التعذيب لم تتوقف من قبل أجهزة الأمن السورية، على الرغم من مرور ما يقارب العامين على صدوره، وثمة الكثير من القوانين والمراسيم التي لم تتجاوز آثارها حدود الأوراق التي كتبت فيها، وعلى رأسها الدستور السوري نفسه”.

زر الذهاب إلى الأعلى