سوريا بين الشراكة والارتهان: هل تعود روسيا لتصنع التوازن أم التبعية؟

ايرينا تسوكرمان
في سوريا ما بعد الأسد، لا تُقاس السيادة بالعلم المرفوع، بل بمن يكتب شروط الشراكة. وبين صعود سلطة أحمد الشرع وتراجع النفوذ الروسي، تتشكل معادلة جديدة تُعيد رسم ملامح الدولة، لا على الورق، بل في ميدان التحالفات.
الخطوة الأولى لعودة موسكو كانت رمزية: اعتراف دبلوماسي بالحكومة المركزية ومغازلة علنية للشرع. لم يكن ذلك مجرد بادرة شكلية، بل انعطافة حادة من دولة أمضت سنوات في حماية الأسد، دفاعاً عنه في مجلس الأمن واستثماراً في بقائه. أن تتحول اليوم نحو الشرع، فهو اعتراف ضمني بأن الأسد انتهى، وأن التمسك بإرثه لم يعد مجدياً.
لكن روسيا لم تعد تلك القوة التي كانت. الحرب في أوكرانيا استنزفت مواردها، كشفت هشاشة مؤسساتها العسكرية، وأضعفت صورتها كطرف موثوق. لم تعد قادرة على تقديم الدعم الواسع أو نشر القوات، بل باتت تعتمد على خطوات رمزية: مهمة تدريب هنا، عقد إعادة إعمار هناك، أو دعوة إلى قمة دبلوماسية. هذه الإشارات تُبقيها ضمن دائرة التأثير، لكنها لا تعيد لها الهيمنة.
الشرع، مدركاً لهذا التراجع، يتعامل مع موسكو بحذر. لا يستطيع أن ينفرها تماماً، فذلك يعني خسارة مقعد دولي مهم. لكنه أيضاً لا يريد أن يُعيد إنتاج التبعية التي ميّزت عهد الأسد. استراتيجيته تقوم على الترحيب بالمبادرات الروسية، مع توسيع العلاقات في اتجاهات أخرى مع إسرائيل عبر مفاوضات الميليشيات، مع الولايات المتحدة من خلال مقابلات رفيعة المستوى، ومع دول الخليج عبر دبلوماسية اقتصادية نشطة.
وهنا تبرز المفارقة: روسيا، التي كانت أداة لبقاء الأسد، تُقدّم نفسها اليوم كوسيط لا غنى عنه — بين دمشق والفصائل الكردية، بين سوريا وتركيا، وحتى في الحوار مع إسرائيل. هذا التحول يُضفي شرعية غير مباشرة على الشرع، ويُظهر أن حتى القوى المرتبطة بالنظام السابق باتت تعترف بالواقع الجديد.
لكن كل شراكة تحمل ثمناً. فقد تسعى روسيا إلى انتزاع تنازلات — في الغاز، في العقود، أو في الاصطفاف السياسي. وإذا رفض الشرع هذه المطالب، فقد تُعيد موسكو توجيه دعمها نحو فصائل تُهدد سلطته. إنها رقصة ما بعد الحرب: كل حليف هو مكسب وتهديد، وكل تحالف قابل للتحول إلى عبء.
تعقيدات العلاقة مع إسرائيل تُضيف طبقة أخرى من التوتر. فروسيا لطالما نسّقت مع تل أبيب لتفادي التصادم في الأجواء السورية، وتغاضت عن ضرباتها ضد أهداف إيرانية. وإذا ما عمّقت إسرائيل دورها عبر ميليشيات درزية أو اتفاقات أمنية ، فإن موسكو ستتوقع أن تكون جزءاً من المشهد، بل قد تسعى إلى ضمان أي تفاهم محتمل. بالنسبة للشرع، هذا الدور الروسي يحمل وجهين: غطاء دولي لاتفاق محتمل، لكنه أيضاً قيد على السيادة.
ورغم كل ذلك، يبقى الوجود الروسي في سوريا ذا رمزية دولية. بالنسبة لموسكو، هو دليل على أنها لم تُعزل. وبالنسبة للشرع، هو إثبات أن سوريا ليست رهينة للغرب أو لإسرائيل، بل دولة قادرة على التعامل مع الجميع. إنها شراكة غريبة: قوة عظمى في طور التراجع، ودولة هشة في طور التشكل كل طرف يستخدم الآخر ليُظهر القوة، رغم أن الواقع أكثر هشاشة مما يبدو.
في النهاية، تعكس هذه المعادلة هشاشة النظام السوري الجديد. فكل تدخل خارجي يُقدّم توازناً مؤقتاً، لكنه يُهدد بترسيخ التبعية. وكل تحالف يُمنح لا بد أن يُدار بحذر. وفي سوريا الجديدة، لا يُقاس النجاح بعدد الحلفاء، بل بقدرة الدولة على أن تبقى صاحبة القرار وسط ضجيج الرعاة.




