آراء وتحليلات

من التمرّد إلى الشرعية: قوات سوريا الديمقراطية وولادة سوريا من جديد عبر دبلوماسية التحالف

بقلم: إيرينا تسوكرمان

العملية الأكبر ضد داعش منذ انهيار الحكم المركزي

مثّلت العملية الأخيرة التي نفذتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضد تنظيم داعش أكبر حملة منسقة لمكافحة الإرهاب منذ انهيار الحكم المركزي في سوريا.

الهجوم، استهدف معاقل المسلحين المنتشرة في محافظات دير الزور والحسكة والرقة.

فبعد سنوات من الاستنزاف، أعاد داعش تنظيم صفوفه كحركة تمرّد سرّية كثّفت هجماتها خلال الصيف، من كمائن ضد القوافل، واغتيالات لمسؤولي قسد، وتخريب للبنية التحتية النفطية الحيوية لبقاء الإدارة الانتقالية.

ولهذا قرر مجلس قيادة قسد تنفيذ حملة استباقية واسعة لاستعادة السيطرة قبل أن تتفاقم التمرّدات وتتحول إلى خطر شامل.

تكتيكات جديدة ودروس من الماضي

بُنيت هيكلية العملية على الدروس المستفادة من الحملات السابقة.

فبدلاً من نشر وحدات مدرعة كبيرة يسهل استهدافها، اعتمدت قسد على فرق ضرب متنقلة مدعومة بقدرات استطلاع من التحالف ومستشارين في العمليات الخاصة.

نفذت هذه الفرق غارات ليلية متتالية على طول ممر نهر الفرات باستخدام معلومات فورية من الطائرات المسيّرة لاستهداف بيوت وأنفاق ومستودعات أسلحة.

وشنت الطائرات التابعة للتحالف غارات جوية مدمّرة على معسكرات داعش المحصّنة قرب بلدتي أبو حمام والخريجة.

وبالتوازي مع العمليات العسكرية، تسللت أجهزة استخبارات قسد إلى شبكات التهريب المحلية، وضبطت شحنات أسلحة واعترضت اتصالات مشفرة بين خلايا داعش على طرفي الحدود السورية – العراقية.

عودة داعش بأساليب جديدة

تبع صعود داعش مجدداً خلال العام الماضي نمطًا مألوفًا من التفتت وإعادة التشكّل.

فبعد خسارته آخر جيوبه، انقسم التنظيم إلى مئات الخلايا الصغيرة المندمجة داخل المجتمعات المحلية، متخفّية أحيانًا في شكل تجّار أو رعاة أو عاملين في مجال الإغاثة.

أعادت هذه الخلايا نشاطها تدريجيًا عبر الابتزاز، والتحكم بالتجارة غير المشروعة، وإعادة نشر دعاة متطرفين في المناطق القبلية.

وكان الأخطر هو تركيز التنظيم على تجنيد الأفراد من داخل مراكز الاحتجاز ومخيمات النزوح حيث يختلط اليأس الاقتصادي بالتلقين العقائدي.

تحوّلت استراتيجية داعش من الحكم العلني إلى “الحكم المتخفي”، فبات يهدد المجالس المحلية، ويجمع الضرائب، ويقيم هياكل قضائية موازية في المناطق المعزولة.

هذه العودة التدريجية للنفوذ أجبرت قسد على تبني أساليب مكافحة تمرّد تعتمد على الاستخبارات والضغط النفسي بقدر اعتمادها على القوة العسكرية.

التنسيق مع التحالف الدولي

ظلّ التنسيق مع التحالف عاملاً رئيسيًا في نجاح العملية.

فعلى الرغم من تقلّص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، ما زالت البنية الاستخباراتية والمراقبة الأمريكية تشكل العمود الفقري للحملة.

قدّمت الطائرات المسيّرة المنطلقة من قواعد في العراق صورًا عالية الدقة لمناطق الأهداف، فيما تولّت وحدات التنصت متابعة تحركات ممولي داعش ومنسقي لوجستياته عبر الحدود.

وأتاحت غرف العمليات المشتركة في الحسكة تواصلًا مباشرًا بين ضباط قسد والمحللين في التحالف، لضمان دقة البيانات قبل كل غارة.

كما ساهم مستشارو القوات الخاصة الأمريكية في مراحل التخطيط والتنفيذ، مع التركيز على القبض على قادة داعش من المستويات المتوسطة بدلاً من تصفيتهم، بهدف الحصول على معلومات حول تمويل التنظيم ومسارات تجنيده.

أبعاد سياسية إلى جانب المكاسب الميدانية

أدركت قيادة قسد أن العملية تتجاوز البعد العسكري البحت وتحمل أبعادًا سياسية واضحة.

فمن خلال القضاء على خلايا داعش في المناطق التي كانت تُعدّ “غير قابلة للحكم”، تسعى قسد إلى تأكيد نفسها كقوة استقرار أساسية في الدولة الانتقالية.

ولأشهرٍ مضت، شكّك مراقبون دوليون في قدرة قسد على إدارة مناطق مختلطة عرقيًا دون تدخل أجنبي.

لكن نجاح العملية، خصوصًا في تأمين حقول النفط وفتح طرق الإمداد الرئيسية، أثبت أن قسد لا تمتلك الانضباط العملياتي فحسب، بل أيضًا الشرعية المحلية لإدارة المناطق المتنازع عليها.

وقد عززت هذه الشرعية عبر مبادرات مصالحة قبلية جرت بالتوازي مع الحملة العسكرية، لفصل السكان المحليين عن نفوذ داعش وحرمانه من بيئة حاضنة.

التحديات ما تزال هائلة

مع ذلك، تبقى التحديات كبيرة.

فإعادة تنظيم داعش كشبكة تمرّد مرنة يجعله مقاومًا للهزيمة التقليدية.

يستفيد التنظيم من الفوضى، ويستغل الانهيار الاقتصادي والفراغ الإداري ليتموضع عبر التجارة غير المشروعة وفرض الضرائب.

وتواجه قسد، رغم خبرتها والتزامها، عجزًا هيكليًا: فهي مضطرة لخوض حرب استنزاف طويلة ضد داعش بينما تدير في الوقت نفسه مناطق فقيرة ومدمّرة.

وبدون استمرار دعم التحالف—خصوصًا في الاستخبارات والمراقبة الجوية وتمويل إعادة الإعمار—قد تتآكل المكاسب الميدانية، لتصبح الحملة صراعًا على الاستدامة السياسية بقدر ما هي صراع عسكري.

السياق الإقليمي الأوسع

تسلّط العملية الضوء على هشاشة الهيكل الأمني بعد الأسد.

عودة داعش ليست نتيجة نهضة أيديولوجية، بل انهيار النظام الذي ترك فراغات السلطة مستمرة في عمق سوريا.

وعلى الرغم من النجاح التكتيكي لقسد، فإن الواقع الجيوسياسي يشير إلى أن لا جهة واحدة تملك الموارد أو الشرعية لفرض استقرار دائم.

وبالتالي، كل نصر عسكري على داعش يظل مؤقتًا، عمل احتواء أكثر من كونه القضاء على التنظيم، وفاصل قصير في تمرّد يتكيف مع المشهد السياسي السوري الممزق.

إعادة تعريف الاستقرار بعد الأسد

غيّرت العملية حسابات الأمن على حدود سوريا–العراق، إذ أظهرت أن الحكومة الانتقالية تحتاج إلى الاعتماد على قوة شبه مستقلة ليست كمجموعة متمردة، بل كذراع أساسي للدفاع الوطني في مناطق لا تستطيع إدارتها مباشرة.

السيطرة على ممر النفط على الفرات تمنح قسد نفوذًا اقتصاديًا مهمًا، بينما قدرتها على قمع عودة داعش تمنحها شرعية دولية ضمنية.

يعني ذلك أن أي تنسيق دفاعي مستقبلي أو ترتيب فيدرالي يجب أن يأخذ في الاعتبار وجود قسد كقوة أمنية دائمة، حتى لو بقيت الحكومة الانتقالية السلطة الرسمية.

الدور الأمريكي

ترى الولايات المتحدة في العملية فرصة لإعادة صياغة الدور الإقليمي من التدخل المفتوح إلى الاحتواء المنظم.

من خلال تمكين قسد كقوة مستقرة شرق الفرات، تتجنب واشنطن التكاليف السياسية المحلية للتورط المباشر، مع الحفاظ على السيطرة على السرد المضاد لداعش.

كما يمنح هذا واشنطن القدرة على الضغط على بغداد لتنسيق جهود مكافحة الإرهاب مع تحركات قسد، ما يخلق شبكة أمان أمني مترابطة:

•           المراقبة الجوية الأمريكية تغطي الصورة الكبرى.

•           قسد تنفذ الدور الأرضي.

•           القوات العراقية تضرب ممرات التمرد من الشرق.

هذا النظام يخلق اعتمادًا متبادلًا، بحيث لا يمكن لأي طرف العمل بمفرده بكفاءة.

الأثر على العراق

بالنسبة للعراق، العملية سيف ذو حدين:

•           من جهة، تقلل تسلل داعش على محور الأنبار–دير الزور، ما يخفف الضغط على بغداد.

•           من جهة أخرى، تجبر بغداد على تعزيز التنسيق مع الهياكل الكردية المثيرة للجدل سياسيًا في المشهد الشيعي–السني.

يستفيد جهاز مكافحة الإرهاب العراقي من دقة الاستخبارات وتقاسم المعلومات مع قسد، بينما ترى فصائل شيعية في الحشد الشعبي أن التنسيق يمثل تعديًا على نفوذها التقليدي.

هذا يخلق نظامًا هجينيًا بين التعاون والمنافسة، حيث تنتقل المعلومات بين الوحدات المحترفة، لكنها تتوقف عند الحدود السياسية.

الحكومة الانتقالية السورية وقسد

كشفت العملية عن نقاط ضعف وإمكانات الدولة الجديدة.

الحكومة الانتقالية، لضعف مؤسساتها، اضطرت لتقسيم العمل عمليًا: الحكومة تدير المدن والبيروقراطيات، وقسد تدير المساحات بينهما.

هذا الترتيب فعال مؤقتًا لكنه قد يتحول إلى هيكل دولة مزدوجة.

نجاح قسد يولّد استقلالية، والاستقلالية بدورها تولّد شكوكًا لدى وزارات دمشق التي لا تزال تحلم بالسيطرة المركزية.

التحدي الأساسي للحكومة الانتقالية هو موازنة الشكر على حماية قسد مع الخوف من التقسيم الفعلي.

شرعية قسد واستنزاف الموارد

بالنسبة لقسد نفسها، العملية تعزز شرعيتها الاستراتيجية لكنها تزيد من استنزاف مواردها.

العمليات المكثفة ضد داعش تتطلب استمرارية لوجستية تعتمد على تمويل التحالف، وصيانة خطوط الإمداد من العراق، والتماسك السياسي الداخلي.

القادة الأكراد يواجهون توترًا متزايدًا من الزعماء القبليين العرب الذين يطالبون بمزيد من التمثيل في المجالس المدنية وقرارات الجيش.

جهود قسد لدمج المساعدين العرب من قبائل الشعيطات والبقارة في الغارات الأخيرة تظهر وعيًا بهذه الديناميكية، لكن الاندماج الكامل لا يزال غير متساوٍ.

في بعض المناطق، التعاون القبلي تبادلي؛ يشارك المقاتلون مقابل رواتب وحماية، وليس التزامًا أيديولوجيًا.

استمرار هذه التحالفات سيحدد ما إذا كانت مكاسب قسد ستتحول إلى حكم مستدام أم دورة جديدة من الولاءات المجزأة.

تأثير العملية على الأمن الإقليمي

واحدة من النتائج الأقل تقديرًا هي تأثير العملية على منظومة مكافحة الإرهاب الإقليمية.

•           الأردن، الحذر من تسلل داعش عبر صحرائه الشمالية، شدد تنسيقه مع قسد والقيادات الأمريكية لمنع تهريب المقاتلين والأسلحة.

•           حكومة إقليم كردستان العراق وسعت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع قسد، حتى لو أدى ذلك إلى توتير العلاقات مع بغداد.

هذا التعاون الكردي العابر للحدود، الذي كان يُنظر إليه كعائق جيوسياسي، أصبح أصل أمني فعلي، ويخلق حزام مراقبة واعتراض متصل من السليمانية إلى الحسكة، مما يحرم داعش من الملاذات العميقة التي اعتمد عليها سابقًا.

السياسة التركية

العملية أجبرت تركيا على إعادة تقييم استراتيجيتها.

السرد التركي السابق الذي كان يعتبر الاستقلال الكردي يهدد استقرار سوريا فقد قوته، مع ظهور كفاءة قسد في مكافحة الإرهاب ضد عدو مشترك.

الاستخبارات التركية تواجه معضلة: الاستمرار في ضربات محدودة ضد نقاط قسد أم التسامح الضمني مع سيطرتها كحاجز ضد داعش.

في بعض الحالات، توقفت الطائرات التركية المسيرة أثناء الغارات الكبرى لقسد—إشارة ضمنية إلى أن عودة داعش تمثل تهديدًا إقليميًا أوسع يتجاوز الخصومات القديمة.

قد يتحول هذه التعايش الهشّ إلى تخفيف التصادم بحذر، رغم أن القيادة التركية تظل ضد الاعتراف الرسمي بشرعية قسد.

الأبعاد الاقتصادية

مكاسب قسد تحمل أهمية اقتصادية كبيرة.

تأمين البنية التحتية النفطية في دير الزور وعلى طول الفرات يعيد المصدر الأساسي للاستقرار المالي لإعادة إعمار شرق سوريا.

كل عملية ناجحة ضد داعش تستعيد طرق التصدير، وتثبط شبكات الابتزاز، وتمكّن الحكومة الانتقالية من فرض الضرائب في مناطق كانت مشلولة أمنيًا.

هذا يفسر استمرار دعم الولايات المتحدة للأمن في مناطق قسد؛ فكل برميل نفط مؤمن يعني إثباتًا سياسيًا على قدرة الحكم المحلي على العمل دون احتلال أجنبي.

لكن مع استهداف داعش لفرق صيانة خطوط الأنابيب وقوافل اللوجستية، يظل التعافي الاقتصادي هشًا، وقد تقوض هجمات على البنية التحتية تقدم الأشهر بسرعة.

البعد النفسي والاجتماعي والسياسي

من منظور نفسي واجتماعي، العملية تعمل كـ إعادة ضبط للسرد العام.

سنوات من الدعاية لداعش صوّرت قسد كقوة محتلة مدعومة أجنبيًا، لكن وجود مقاتلين من القبائل العربية ومقدمي الخدمات المجتمعية يضعف هذا التصور.

في عدة بلدات محررة، تجنبت قسد رفع العلم الكردي، وسمحت للمجالس المحلية بإعادة السلطة الرمزية.

هذا الرسائل الدقيقة تعكس فهمًا متطورًا لسيكولوجية مكافحة التمرد: الشرعية لا تُفرض، بل يجب أن تُرى كعضوية وطبيعية.

معالجة حرب القلوب والعقول، وهي نقطة ضعف طويلة لقسد، بدأت الآن بالذكاء الثقافي وليس بالقوة فقط.

الانتقال من التمدد العسكري إلى الحكم

لكن استمرار هذا التوازن يعتمد على سرعة انتقال قسد من التمدد العسكري إلى الحكم المنظم.

التاريخ يوضح أن أي فراغ إداري غير مملوء في سوريا يتحول إلى بيئة لتجنيد التمرد.

العملية حررت عشرات القرى، لكن التحدي الآن هو إنشاء أنظمة قضائية، واستعادة المدارس، وإعادة تفعيل الاقتصاد المحلي.

بدون إعادة إعمار ملموسة بعد النزاع، ستظل الأفكار المتطرفة لداعش قائمة في انتظار الفرصة السياسية القادمة.

فرق الاستقرار الأمريكية والأوروبية تحت ضغط تحويل الانتصارات التكتيكية إلى بناء مؤسسي—وهي مهمة تتطلب صبرًا ومالًا وإرادة سياسية مستمرة.

خلاصة العمليات وأثرها الاستراتيجي

تأثير عملية قسد تكتيكي وبنيوي في الوقت نفسه:

•           تكتيكيًا: القضاء على خلايا داعش واستعادة السيطرة على الممرات الحيوية.

•           بنيويًا: إعادة تشكيل الأمن الإقليمي عبر مثلث غير تقليدي:

1.         قسد: منفذ العمليات على الأرض

2.         الحكومة السورية الانتقالية: المشرّع السياسي

3.         الولايات المتحدة: الضامن الخارجي

•           دمج العراق في المعادلة يحول حملة مكافحة داعش المجزأة إلى استراتيجية احتواء متعددة الجبهات على جانبي الفرات.

لأول مرة منذ هزيمة داعش الإقليمية، التنسيق يفوق المنافسة بين الفاعلين—توازن هش لكنه، إذا استمر، قد يحدد الفصل القادم من انتقال سوريا من الحرب المستمرة إلى إدارة الاستقرار الجزئي.

زر الذهاب إلى الأعلى