دمشق وكييف تعيدان فتح قناة اتصال.. ماذا يعني التقارب بين أوكرانيا وسوريا؟

بقلم إيرينا تسوكرمان
يمثّل التقارب بين أوكرانيا وسوريا أحد أبرز التحولات الدبلوماسية التي برزت في مشهد ما بعد الأسد، إذ يعكس اتساع النطاق الجغرافي للحرب في أوكرانيا، وإعادة تشكيل علاقات سوريا الخارجية بعد تغيير النظام، وتزايد ميل الدول متوسطة القوة لاستخدام أدوات مثل الأمن الغذائي، وخبرات إعادة الإعمار، واللوجستيات، والتكيف التكنولوجي في زمن الحرب كوسائل نفوذ.
وقد منحت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق في 5 نيسان/أبريل 2026، ولقاؤه بالرئيس السوري أحمد الشرع، هذا المسار بعدًا سياسيًا واضحًا. إذ أظهرت الزيارة استعداد أوكرانيا للعمل دبلوماسيًا في بيئات كانت سابقًا ضمن نطاق النفوذ الروسي، كما سلّطت الضوء على سعي سوريا إلى بناء شراكات تسهم في إعادة الإعمار، والاستقرار الزراعي، وإعادة الاندماج السياسي في النظام الدولي.
كما كشفت الزيارة عن محاولات كلا الحكومتين إعادة صياغة روايتهما العالمية؛ فأوكرانيا تسعى لإثبات أنها ليست معزولة دبلوماسيًا رغم الحرب الطويلة، فيما تحاول سوريا التأكيد أنها لم تعد تُعرَّف بالحرب الأهلية أو اصطفافها السابق مع موسكو. وقد أدرك الطرفان أن لقاءً رئاسيًا واحدًا يمكن أن يشير إلى بداية فصل جيوسياسي جديد.
يعكس هذا اللقاء أيضًا تطور الدبلوماسية الأوكرانية، إذ وسّعت كييف منذ عام 2022 نطاق تحركاتها خارج الإطار الأوروبي-الأطلسي، نحو أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، عبر “دبلوماسية الغذاء” ومنتديات إعادة الإعمار وشراكات التكنولوجيا في زمن الحرب. وتمثّل زيارة زيلينسكي إلى دمشق جزءًا من هذا التوجّه لإظهار عمق استراتيجي، حيث بات تنويع العلاقات عنصرًا من عناصر الصمود الوطني الأوكراني.
في المقابل، حرصت الحكومتان على بناء سردية متكاملة: قدّمت أوكرانيا نفسها كدولة قادرة على تصدير حلول طُوّرت تحت ضغط الحرب، بينما قدّمت سوريا نفسها كدولة تدخل مرحلة التعافي عبر دبلوماسية براغماتية وشراكات إعادة الإعمار. وتركّزت الرسائل الأوكرانية على حماية الموانئ وإصلاح الطاقة واستمرار التصدير، فيما ركّزت سوريا على الأمن الغذائي ونقل الخبرات وإعادة بناء المؤسسات تدريجيًا.
كما حملت الزيارة رمزية مهمة، إذ إن استضافة دمشق لزعيم أوروبي في زمن الحرب تعكس عودة تدريجية إلى الحياة الدبلوماسية. ورأت سوريا في الزيارة دليلاً على استعادة دورها الجيوسياسي، بينما اعتبرتها أوكرانيا مؤشرًا على استمرار قدرتها على المبادرة رغم الحرب.
تاريخيًا، قطعت أوكرانيا علاقاتها مع سوريا في 2022 بعد اعتراف دمشق بكيانات مدعومة من روسيا، قبل أن يفتح سقوط الأسد في 2024 المجال لإعادة التقييم. وسرعان ما بدأت كييف اختبار الانفتاح على القيادة السورية الجديدة، مدركة أن التحرك المبكر يمنحها موقعًا في البيئة الدبلوماسية الجديدة.
بدأ التقارب بخطوات عملية، منها إرسال مساعدات غذائية عبر برنامج “الحبوب من أوكرانيا”، ثم استئناف العلاقات رسميًا في 2025، وصولًا إلى اللقاء الرئاسي الذي وسّع التعاون ليشمل الأمن، وإعادة الإعمار، والتجارة.
كما لعبت تركيا دورًا مهمًا في تسهيل هذا التقارب عبر وزير خارجيتها هاكان فيدان، الذي عمل على بناء الثقة التقنية أولًا، خصوصًا في مجالات الغذاء وإعادة الإعمار، قبل الانتقال إلى المستوى السياسي. ويعكس هذا الدور طموح أنقرة للتموضع كوسيط دبلوماسي بين مناطق ما بعد النزاعات.
– تركّز التعاون بين البلدين على عدة مجالات رئيسية، أبرزها:
– الأمن الغذائي في ظل عجز سوريا الكبير في إنتاج القمح.
– إعادة الإعمار عبر نقل الخبرات الأوكرانية في إصلاح البنية التحتية.
– التعاون الأمني من خلال تبادل الخبرات في الدفاع المدني والتقنيات الحديثة.
– التجارة واللوجستيات بما في ذلك تطوير الموانئ وسلاسل الإمداد.
كما شهد التبادل التجاري نموًا ملحوظًا بعد استئناف العلاقات، رغم انطلاقه من مستوى منخفض، مع اهتمام أوكراني بتطوير موانئ مثل اللاذقية وطرطوس لتعزيز حضورها في المتوسط.
مع ذلك، تواجه هذه العلاقة تحديات كبيرة، منها ضعف البنية المالية السورية، وتعقيد آليات الدفع، وارتفاع تكاليف التأمين، إضافة إلى القيود الأمنية والسياسية، خاصة في مجال التعاون العسكري. كما أن احتياجات سوريا الزراعية الضخمة تتطلب شراكات طويلة الأمد تتجاوز المساعدات المحدودة.
على الصعيد الاستراتيجي، تسعى سوريا إلى تنويع شركائها بعد سنوات من الاعتماد على أطراف محدودة، بينما تحاول أوكرانيا توسيع حضورها في مناطق كانت تقليديًا ضمن النفوذ الروسي، وتعزيز دورها كمورّد عالمي للغذاء.
كما يعكس التوقيت انخراط سوريا في دبلوماسية إعادة الإعمار الأوسع، حيث تسعى إلى جذب شركاء متنوعين بقدرات مختلفة، في حين تملأ أوكرانيا دورًا متخصصًا يركز على الزراعة والخبرة التقنية.
في المحصلة، يُظهر هذا التقارب علاقة ناشئة تقوم على المصالح العملية والفرص المتاحة، لكنها لا تزال مقيدة بعوامل جيوسياسية واقتصادية. ويعتمد مستقبلها على قدرة الطرفين على تحويل الخطوات الأولية إلى تعاون مستدام يشمل التجارة، والتبادل التقني، والشراكات طويلة الأمد.




