لوموند: “التحوّل غير المكتمل لأحمد الشرع في سوريا ما بعد الأسد”

تحت عنوان “في سوريا.. التحوّل غير المكتمل لأحمد الشرع… قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية في الجزء الأول من بورتريه مطوّل لها عن “سوريا ما بعد الأسد” إن أحمد الشرع تمكّن من إسقاط النظام البعثي وكسر عزلة بلاده الدولية، لكن داخل البلاد ما يزال هذا “الجهادي التائب”، الذي يحكم مع حفنة من المقرّبين، عاجزاً عن نزع فتيل التوترات الطائفية والإثنية المتوارثة من الحرب الأهلية، وفقاً للتقرير.
وفق التقرير، “الدبلوماسيون ورجال الأعمال الذين يترددون اليوم على قصره يصفونه بأنه حازم، بارع تكتيكياً، لكنه أيضاً حسابي ومولع بالسلطة. مزيج من الإعجاب والحذر يليق برجل عاش سنوات من التخفي بهويات متعددة ويتقن التواصل السياسي بمهارة”.
“فمن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي تبنّاه سياسياً، إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي استقبله في البيت الأبيض كأول رئيس سوري تطأ قدماه المبنى، مسيرة الشرع تثير الإعجاب، رغم مناطقها الرمادية وأخطاء تقديرية تهدّد انتقال السلطة، تقول “لوموند”.
يضيف التقرير “فهم أحمد الشرع أن كسر عزلة سوريا يبدأ بالاتجاه نحو الغرب.. يناور بحذر لتفادي السيطرة التركية عليه، ويعزّز علاقاته بالسعودية، مفتاح عودة سوريا إلى الساحة الإقليمية والدولية. يقبل التفاوض مع إسرائيل رغم ضرباتها المستمرة في سوريا. ويتباحث مع قوات سوريا الديمقراطية لدمج القوات الكردية في الدولة الجديدة. وبدأ التعاون مع التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، الذي انضم إليه رسمياً في شهر نوفمبر المنصرم”.
تربية على العلم والانضباط
يتابع التقرير الفرنسي: “على عكس قاعدته الاجتماعية ذات الغالبية السنية المحافظة، والمتعطشة للانتقام من الطائفة العلوية التي ارتبطت بالنظام السابق، يعد أحمد الشرع بضمان التعايش بين جميع المكوّنات الدينية والعرقية، ويعلن العفو عن عناصر النظام السابق الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء. يتبنّى خطاً دينياً معتدلاً يلقى قبولاً واسعاً بين السنة، ما أغضب السلفيين الذين يطالبون بتطبيق كامل للشريعة. إلى جانبه زوجته لطيفة الدروبي، أمّ أطفاله الثلاثة، وتقوم بدور السيدة الأولى وهي محجّبة ببساطة، تواصل “لوموند”.
تنقل الصحيفة عن الباحث السوري رضوان زيادة قوله: “أدرك أحمد الشرع أن حكم سوريا لا يمكن أن يتم برؤية إسلامية متشدّدة. تعلّم الكثير من تجربة إدارة إدلب ومن أخطاء طالبان”.. لكن هذا كلّفه استياء بعض رفقاء السلاح السابقين. كما تنقل الصحيفة عن الخبير السوري حسام جزماتي قوله: “العلاقة مع أمريكا وروسيا وإسرائيل، ورفض تطبيق الشريعة… كل ذلك يثير التململ، وإن كانوا ما زالوا يدعمونه”.
ويقول رضوان زيادة: “لا يمكن حكم سوريا مركزياً كما فعل آل الأسد”.
“السلطة ليست ديمقراطية”
ويضيف دبلوماسي غربي: “السلطة ليست ديمقراطية، فهي متمسكة بالبقاء”. أما داعموه الإقليميون فيقدّمون نموذجاً “تنموياً استبدادياً” بديلاً عن الديمقراطية.
تُتخذ القرارات في دائرة ضيقة من 5 أو 6 أشخاص، بينهم شقيقاه ماهر- الذي أصبح أميناً عاماً للرئاسة- وحازم المستشار الاقتصادي.
لا قدرة على تفويض السلطات، ما يخلق انطباعاً بالارتباك والضغط الدائم، تقول “لوموند”، مضيفةً أنه رغم إشراك تكنوقراط، يبقى رجال أحمد الشرع من إدلب في الوزارات السيادية والإدارة العليا.. ففي المصرف المركزي، كان نفوذ “الشيخ” أبو عبد الرحمن أكبر من نفوذ المحافظ ذاته. وفي وزارة العدل، هناك “مكتب الشيخ” في الطابق الثاني حيث تنتهي الملفات الحساسة.
اختبار الحكم: دماء في الساحل وفشل في الاحتواء
تراجعت سلطته خارج العاصمة، حيث ما تزال فصائل مسلحة مستقلة نسبياً، ويرفض الكرد والدروز الخضوع.
وجاء أول اختبار كبير مع تمرّد ضباط علويين في الساحل، يوم 6 مارس، والذي أُخمد بوحشية، حيث قُتل نحو 1400 شخص معظمهم مدنيون، وفشلت محاولاته لاحقاً في طمس الفاجعة بلجنة تحقيق ومحاكمة شكلية.
حاول استعادة المبادرة في 10 مارس باتفاق إطار مع “قوات سوريا الديمقراطية”، لكن التوتر باق. وفي يوليو، تسبّب هجوم دموي من القوات الحكومية على السويداء ذات الغالبية الدرزية بمئات الضحايا، فزاد الغضب والدعوات للانفصال. وتدخلت إسرائيل لوقف تقدم قوات الشرع، ما شكّل صدمة في دمشق. إلى جانب المناطق الخارجة عن السيطرة، تعاني الأطراف المحرومة.
التحدي الأكبر: الاقتصاد
ترك نظام الأسد بلداً مدمّراً وخزائن فارغة. وتقدّر كلفة إعادة الإعمار بـ216 مليار دولار. أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر. سدّت دول الخليج بعض الفجوات بدفع الرواتب وتمويل شحنات الطاقة. لكن لا خطة اقتصادية بعد. ويرفض الشرع الخضوع لوصفات المؤسسات الدولية، تقول “لوموند”، موضّحةً أنه يراهن على الاستثمارات الخليجية، لكن العقوبات الأمريكية تعرقل تدفّق الأموال.
يقول رضوان زيادة: “إعادة بناء الاقتصاد وحدها لا تكفي. يجب بناء نظام سياسي وقضائي جديد. فمن دون استقرار لن يأتي الاستثمار. وإذا واصل الشرع حكم سوريا كما حكم إدلب، فسيفشل”.




