واشنطن تعيد حساباتها.. مكافحة داعش أولاً ومخاوف الاختراق الأمني حاضرة

روبين عمر
في وقتٍ تتسارع فيه النقاشات حول مستقبل الترتيبات الأمنية في سوريا، تتقاطع قراءات قانونية وأمنية أميركية لتكشف عن تراجع واضح في الزخم الدافع نحو دمج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ضمن الجيش السوري، مقابل تصاعد المخاوف المرتبطة بالجاهزية المؤسسية والتدقيق الأمني في بنية القوات السورية الجديدة.
أولوية القتال ضد داعش
يرى آرون ماير، المحامي الأميركي والخبير في شؤون الشرق الأوسط ومكافحة الإرهاب، أن الولايات المتحدة تعيد النظر بجدية في مقاربتها لمسألة دمج “قسد”، رغم بقاء هذا الخيار مطروحاً ضمن بعض المسارات السياسية.
ويوضح ماير، في تصريح خاص لمنصة مجهر الإعلامية، أن واشنطن بدت قبل شهر أو شهرين وكأنها تدفع باتجاه الدمج “مهما كلف الأمر”، إلا أن المقاربة الحالية باتت أكثر براغماتية، انطلاقاً من قناعة متجددة بأن الإبقاء على “قسد” كقوة قتالية فاعلة في الخطوط الأمامية ضد تنظيم داعش يخدم المصلحة الأميركية المباشرة أكثر من الانخراط في ترتيبات دمج قد تكون معقدة وغير مضمونة النتائج.
في المقابل، تضيف كارولين روز، كبيرة الباحثين في معهد “نيو لاينز” في واشنطن، لمنصة مجهر، بعداً أمنياً حساساً إلى هذا النقاش، مشيرة إلى أن أي حادث أمني مرتبط بعناصر مدمجين داخل الجهاز الأمني السوري يفرض ضرورة إعادة تقييم شاملة لآليات التدقيق والفحص.
وتؤكد روز أن القوات المؤقتة الجديدة مطالبة بتطبيق إجراءات أكثر صرامة تتجاوز المعايير الحالية، لا سيما مع اقتراب احتمالات استيعاب قوى إضافية مثل “قسد”، ومع استمرار التعاون مع التحالف الدولي ضد داعش.
وتلفت إلى أن شركاء التحالف، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، سيتوقعون مستوى عالياً من التدقيق الأمني، وسيبدون حذراً متزايداً في حال تكرار حوادث الاختراق.
الإطار القانوني للدعم الأميركي
ويعزز ماير هذا الطرح من زاوية قانونية، مشيراً إلى أن قراءته للمادة 1229(ب) من قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي (NDAA) تدعم استمرار الدعم الأميركي لقوات سوريا الديمقراطية وغيرها من القوات الشريكة.
ويوضح أن الفقرة الفرعية (ب 1 ج) تنص بوضوح على دعم هذه القوات بالتوازي مع الدعوة إلى تشكيل حكومة سورية تمثيلية وشاملة، ما يعكس أولوية الاستقرار ومكافحة الإرهاب في الاستراتيجية الأميركية، بعيداً عن فرض مسارات اندماج سريعة قد تُضعف الفاعلية العملياتية على الأرض.
من جهتها، تقلل روز من فرضية وجود تسلل واسع النطاق لتنظيمات متطرفة مثل داعش داخل الجهاز الأمنية للحكومة الجديدة، لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن هذه التنظيمات ستسعى بطبيعتها إلى استغلال أي ثغرة عبر الاندساس أو تنفيذ هجمات من الداخل.
وتشدد على أن تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، واعتماد معايير موحدة وصارمة للتدقيق الأمني، سيكونان عنصرين حاسمين في منع مثل هذه الاختراقات، والحفاظ على ثقة الشركاء الدوليين.
دمج “قسد” بين التحفظات والواقع الميداني
وعند الربط بين هذه التطورات وملف دمج “قسد”، تتقاطع قراءتا ماير وروز عند نقطة مفصلية: فالتحديات الأمنية والشكوك المرتبطة بقدرة المؤسسات السورية الناشئة على فرض تدقيق فعّال ستؤدي، بحسب روز، إلى زيادة التحفظات حيال الاندماج، وإلى تعقيد المفاوضات وإبطاء الوصول إلى أي اتفاق شامل.
وهو ما ينسجم مع تقدير ماير بأن استمرار الدعم الأميركي لـ”قسد” قد يترجم إلى دور أكثر فاعلية لواشنطن في منع فرض أي صيغة دمج قسرية، قد تُضعف قدرات “قسد” أو تقوّض نجاح عملياتها المستمرة ضد تنظيم داعش.
في المحصلة، تعكس هذه المواقف المشتركة توجهاً أميركياً أكثر حذراً وواقعية، يقدّم مكافحة الإرهاب والاستقرار الأمني على الاعتبارات السياسية الآنية، ويضع ملف دمج “قسد” أمام اختبار طويل ومعقد، تحكمه معايير الثقة والتدقيق بقدر ما تحكمه التفاهمات السياسية.




