آراء وتحليلات

في الرِّهان على العشائر والدَّوران في حلقة مُفرَغة

محمود علي

لعبت العشائر دوراً مميزاً ووطنياً منذ نشوء الدولة السورية، وساهمت بشكل فعّال في معارك الاستقلال، ومن ثم في بنائها أيضاً. وبرزت أسماء عشائرية في التاريخ السوري كان لها دور كبير في تماسك اللحمة المجتمعية السورية، والحفاظ على وحدة النسيج المجتمعي السوري.

رغم أن رابطة الدم تجمع بين أبناء العشيرة الواحدة، وهي السمة الطاغية لدى العشيرة، وهو بطبيعة الحال إرث موغل في القدم، إلا أن هناك البعض يفاضل بين الانتماء للعشيرة والانتماء الوطني، حتى أصبح لكل عشيرة هويتها الفرعية الخاصة بها.

وفي سوريا لم تتعارض تلك الهوية والانتماء للعشيرة مع الهوية الوطنية الجامعة، بل كانت مكمِّلة لها. رغم أن هناك عشائر عابرة للحدود الوطنية، ولها انتشار في عدد من الدول المجاورة. وفي تاريخ سوريا الحديث لما بعد الاستقلال لم يشكّل الانتماء العشائري عامل ضعف للدولة والمجتمع، بل كان عاملاً لتعزيز قوتها، وساهمت من خلال زيادة عُرى التواصل بين أولاد “العمومة/ من دم واحد” في خلق بيئة وطنية جامعة، ولم تكن في أي وقت من الأوقات تتناقض مع الانتماء الوطني السوري.

إلا أن النظام السوري البائد حاول الاستثمار في العشائر ووضعها في خدمة تكريس نظامه وسلطته الديكتاتورية، وعمل دائماً على استمالة بعض رؤساء العشائر ومنحهم مزايا خاصة، مثل تعيينهم في مراكز هامة كأعضاء في مجلس الشعب، وذلك على حساب بقية العشائر التي عارضت نظامه. ودائماً كان يغذي الفتنة العشائرية، ويلعب على التناقضات بينها، ويحرّض العشائر ضد بعضها، لتكون في حالة اقتتال دائم ولا يسود الأمن والاستقرار في مناطق انتشارها، وهذا ما جعل الحقد سيد الموقف بين بعض العشائر لتجدها دائماً منشغلة بمسألة “الثأر” والانتقام من الخصم، وتصل في بعض الأحيان إلى حد العداوة.

غير أن أسوأ ما طرأ في سوريا بعد سقوط النظام البائد، تمثَّل في إقحام العشائر في حروب مذهبية وطائفية، رغم أن العشيرة معروفة تاريخياً بقيم التسامح والعفو، وتسمو فوق التناقضات المذهبية والطائفية. وهذا أخطر ما يهدّد العشيرة وبنيتها المجتمعية. فأن تزج العشيرة في حروب عبثية باسم الدين أو الانتماء الطائفي، يمثّل انحرافاً عن القيم التاريخية التي حملتها العشيرة، ويدخلها في خصومات وعداوات هي بغنى عنها وليس لها فيها لا ناقة ولا جمل. ويُراد منها أن تحوَّل إلى أداة تُستخدم في تنفيذ أجندات سياسية وعسكرية خاصة، عبر إثارة المشاعر وتجييش أبناء العشيرة تحت مسميات من قبيل “فزعة العشائر” و”نصرة الدين”، لتتحوَّل العشيرة إلى عامل تقسيم وتفتت للكيان السوري، وتبتعد عن وظائفها الأساسية، وتغدو طرفاً في الصراع، بدلاً من أن تكون نقطة جذب واستقطاب لجميع المكونات السورية حولها.

الأحداث الدامية في الساحل السوري والسويداء، ومشاركة البعض باسم العشائر، تسببت في وقوع كوارث مجتمعية، وأحدثت شرخاً ربما لا يمكن رأبه لعشرات السنين، وهو ما دأبت عليه السلطة الراهنة على تحميلها لبعض العشائر العربية.

لا يمكن تعميم هذا الفعل على جميع العشائر العربية في سوريا، فالقسم الكبير منها حافظ على توازنه الوطني والمجتمعي، ولم يتورط في الانسياق وراء الأجندات التي حملتها السلطة وبعض التيارات الإسلاموية الجهادية تحت مزاعم حماية الدولة من التهديدات الداخلية. وعملت تلك العشائر على التواصل مع مختلف المكونات السورية، إضافة إلى تحذيرها العشائر المنخرطة في العمل مع تلك التيارات، من مغبَّة تسببها في انقسامات مجتمعية حادة، وضرورة وقوفها على مسافة واحدة من جميع القوى المتصارعة في سوريا، وأن تلتفت إلى تعزيز الوحدة المجتمعية بدلاً من الدخول في مساومات مع السلطة، وتكون عامل استقرار، وتثبيت الوحدة المجتمعية قبل أن تكون طرفاً مشاركاً في السلطة، وتقع تحت أمرتها. وأن للعشيرة طابعها المجتمعي الذي يقبل فكرة التعايش المشترك مع مختلف الطوائف والإثنيات والأعراق، ومن الضروري ألا تتورط في اللعبة السياسية للسلطة.

إن السلطة الراهنة أعادت إنتاج فكر وأسلوب النظام البائد، لجهة استخدام العشائر في محاربة خصومها السياسيين، بل تجاوزته بأن أضفت عليه طابعاً “دينياً”، بعد أن كان سابقاً “قومياً” فقط، وهي ذريعة تمسكت بها لتبرير هجماتها على مكونات ونخب فكرية وسياسية وطنية في سوريا.

مأساة السويداء ما تزال تشكل جرحاً نازفاً في الخاصرة السورية، واستخدمت السلطة العشائر فيها أسوأ استخدام، وخاصة البدو، ومن ثم تنصلت منها وحمّلتها وزر المجازر والانتهاكات الفظيعة التي ارتكبت في المدينة وريفها، واصفة أبناءها بالمرتزقة والعصابات وبالعناصر المنفلتة. كما أن حادثة حمص في مقتل رجل وزوجته من عشيرة “بني خالد” البدوية، وتحريض السلطةلأبناء العشيرة على الانتقام من “العلويين” في المدينة، بزعم أن من ارتكب جريمة القتل هو من الطائفة “العلوية”، يُعدُّ أبشع استخدام للنفس العشائري في استمرار التوتر والانقسام المجتمعي. والحادثة تشير بكل وضوح إلى غياب دور المؤسسات الأمنية والقضائية في حل مثل هذه القضايا، حيث أن السلطة وقفت متفرجة على تنكيل أبناء عشيرة “بني خالد” بأبناء الطائفة العلوية وحرق محالهم ومنازلهم. هذا إذا لم تكن مدبرة بالكامل من قبل تلك المؤسسات.

بالمقابل؛ معظم العشائر في مناطق شمال وشرق سوريا حافظت على مواقفها الوطنية المتزنة، ولم تنساق وراء أجندات السلطة وشعاراتها التحريضية الاستفزازية، وتمسكت بالوقوف مع الإدارة الذاتية في الحفاظ على أمن واستقرار مناطق شمال وشرق سوريا. كما حرصت على عدم تبني الشعارات الطائفية والمذهبية. رؤساء ووجهاء العشائر لهم مواقف وطنية يُشهد لها عبر الدعوة إلى نبذ خطاب الكراهية والتحريض على العنف ضد المكونات الدينية والمذهبية والإثنية المخالفة لها. وكان لها دور مميز في إبراز عوامل الالتقاء مع الآخر المختلف معه في الانتماء الديني والعرقي. في ذات الوقت ارتقت فوق كل الاعتبارات الفرعية، ولعبت دوراً في تعزيز التماسك المجتمعي، والالتفاف حول الإدارة الذاتية كمكسب حققته بتضحيات أبنائها. هذا الموقف الوطني يعود إلى وعيها بمسؤولياتها في المرحلة الحرجة التي تمر سوريا، بضرورة أن تخرج من أزمتها المجتمعية، وأنها الأساس الرئيسي في بناء دولة حديثة لا مركزية وديمقراطية. حيث اعتبرت أن سلوك وممارسات السلطة الراهنة لا يبشر بالسير نحو بناء سوريا تتسع للجميع وتتسامى فوق الجراح، بل تسعى إلى استحضار الماضي بكل مآسيه وتراجيديته.

ما تعمل عليه سلطة الأمر الواقع في دمشق على تقديم بعض من يدّعون أنهم يمثّلون العشائر العربية، وشحنهم بالشعارات الطائفية والمذهبية التحريضية ضد الكرد، العلويين، الدروز وباقي المكونات السورية؛ تعتبرها العشائر العربية الأصيلة نسخاً ممسوخة ارتضت أن تتحول إلى أدوات رخيصة في يد السلطة، وأنها لا تعبّر عن حقيقة وأصالة العشائر العربية، ولا تمثّل إلا نفسها بأفضل الأحوال. فاللعبة التي لجأت إليها السلطة في تحريض العشائر العربية وخلق فتنة “كردية – عربية” ولدت ميتة، وارتدَّت عليها سلباً بفضل وعي رؤساء ووجهاء العشائر في مناطق شمال وشرق سوريا. وكل الخطابات الشعبوية السمجة والممسوخة لم تنتج فعلاً يمكن أن يؤثر على مواقف تلك العشائر. مثل التظاهرات التي نظمتها بعض الأطراف العشائرية والشخصيات الموالية للسلطة ضد قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، فكانت مسرحيات هزلية تثير القرف والاشمئزاز، ولم تكن سوى تجمعات صغيرة لبعض قطّاع الطرق والمنحلّين أخلاقياً وفكرياً، رغم أن أيادي خفية من السلطة كانت تقف وراءها، ولكنها في النهاية لم تكن سوى نفخاً في قُربة مثقوبة لا أكثر.

ليس أمام السلطة الراهنة سوى الانصياع لصوت العقل والابتعاد عن التأجيج العشائري، والدوران في حلقة مفرغة، فمعظم العشائر، وخاصة العربية منها، فهي – أي العشائر – ليست مثل فصيل خاضع لأمرتها، تستطيع أن تستخدمها في صراعاتها لترسيخ سلطاتها، ومن ثم ترميها وقت ما تشاء. فالعشيرة ببنيتها وتكوينها الاجتماعي غير قابلة للخداع لتتحول إلى أداة في خدمة السلطة، ومعروف عنها تمرُّدها ضد كل ما هو غير صحيح، ولا يتماشى مع منطقها المبني على الاستقامة والصراحة والوفاء، لطالما أنها قيم متجذّرة لديها وورثتها أباً عن جد.

زر الذهاب إلى الأعلى