حاربنَ الخلافة.. والآن يواجهنَ الدولة

بقلم: إيرينا تسوكرمان
تتحرك قوات الحكومة السورية مجدداً إلى المدن الخاضعة للإدارة الكردية، في ظل وقف لإطلاق النار أنهى سنوات من الفصل الحذر وغير المستقر، وهي تفعل ذلك على أساس توقّع واضح بأن التشكيلات المسلحة ذات الطابع الذاتي ستتنحى وتسلّم سلاحها. لكن نساء وحدات حماية المرأة (YPJ) يرفضن ذلك، لأنهن يتذكرن بدقة كيف كانت الدولة قبل الحرب، ويتذكرن أيضا تماما ما الذي ملأ الفراغ حين انهارت. هؤلاء المقاتلات لم يكنّ مجرد رموز أو قوات مساندة، بل كنّ مشاة في الخطوط الأمامية ضد تنظيم “داعش”، دافعن عن مدن مثل كوباني حين لم يكن أحد آخر مستعدا لذلك، دفنّ قتلاهن، وبنينَ هياكل أمنية ومدنية موازية وضعت النساء في موقع قيادة مصيرهن وحمايتهن. واليوم، بينما تعيد دمشق بسط سيطرتها عبر الحواجز، وشبكات الاستخبارات، والوحدات الموالية، يُطلب من النساء أنفسهن أن يثقن بنظامٍ سبق أن جرّم الهوية الكردية ومحا استقلالية النساء. هذا الاشتباك ليس مسألة أيديولوجيا أو كبرياء، بل يتعلق بما إذا كان يُتوقع ممن حملن الحرب على أجسادهن أن يتخلين عن آخر أوراق القوة التي يمتلكنها قبل أن يضمن أحد أنهن لن يُعاقبن أو يُهمشن أو يُسكتن بعد أن تصمت البنادق.
ظهرت وحدات حماية المرأة في لحظة كانت فيها المجتمعات الكردية في شمال سوريا تحاول النجاة وسط انهيار الدولة، وافتراس الميليشيات، والانتشار السريع لما سُمّي “مشروع الخلافة”. ولم تكن هوية هذا التشكيل عسكرية فحسب؛ بل بُنيت كقوة نسائية داخل بنية أمنية كردية أوسع، مرتبطة بفكرة أن دفاع النساء عن أنفسهن ليس ملحقًا بالسياسة، بل شرطًا للبقاء الاجتماعي. كان لهذا التأطير أهميته، لأن «الحياد» بالنسبة للنساء في المدن المتنازع عليها آنذاك كان غالبًا يعني المساومة عليهن، أو إكراههن، أو الاتجار بهن، أو محوهن خلف راية غيرهن.
عندما اجتاح تنظيم “الدولة الإسلامية” شرق سوريا وشمال العراق، جعل من النساء ساحة حرب بحد ذاتها. الاستعباد، والزواج القسري، والعقوبات على اللباس، وعلى الكلام، وعلى مغادرة المنزل، لم تكن نتائج جانبية، بل أدوات حكم. لم تكن دعاية وحدات حماية المرأة بحاجة لاختلاق عدو لتفسير سبب حمل النساء للسلاح؛ فقد وفّرت أيديولوجيا العدو الحجة كاملة. بالنسبة لكثير من المقاتلات، لم يكن الخيار بين الحرب والسلام، بل بين دفاع منظم واختفاء بطيء.
ميدانيًا، اكتسبت وحدات حماية المرأة حضورًا دوليًا لأنها شاركت في أكثر المعارك رمزية ضد “داعش”، خصوصًا في أماكن كان العالم يرى فيها بوضوح ماذا يعني السقوط. ولم يكن دورهن مجرد “نساء يحملن بنادق” كفضول إعلامي، بل كنّ مشاة في الخطوط الأمامية: سيطرن على أحياء، أدرن حواجز، فتشن المنازل، وتحمّلن خسائر بشرية كانت ستقع على وحدات مختلطة أو على عائلات مدنية. هذا الإصرار، إلى جانب المعرفة المحلية والاستعداد للقتال شارعًا شارعًا، ساعد في تحويل معارك مفصلية إلى نقاط تحول بدل أن تكون انهيارات.
كما لعبت وحدات حماية المرأة دورًا مهمًا كسلاح نفسي مضاد. فقد سعى “داعش” إلى زرع الرعب عبر تصوير نفسه كقوة لا تُقهر، وتصوير النساء كغنائم. وجود قوة نسائية منضبطة نسف الادعاءين معًا. أرسل رسالة للمدنيين بأن التنظيم يمكن مقاومته، ورسالة لمجنديه بأن النظام الاجتماعي الذي وُعدوا به يمكن أن يُهزم على يد من تخيّلوهم بلا قوة. هذا الأثر المعنوي تجاوز أي اشتباك واحد، وأثر في المعنويات والتجنيد واستعداد المجتمعات للتعاون مع أنماط حكم ما بعد “داعش”.
ومع الوقت، اندمج الدور القتالي لوحدات حماية المرأة في المنظومة الأوسع للتحالف المناهض لـ”داعش”، عبر هياكل كردية قادت تنسيقًا مع الغطاء الجوي والمستشارين الخارجيين. وقدّم هذا التعاون للغرب رواية كان يريدها آنذاك: شريك علماني بواجهة نسائية على الأرض، يحارب عدوًا مكروهًا عالميًا، بلغة تحررية لاقت صدى في الإعلام الأوروبي والأميركي. لكنه خلق أيضًا دينًا رمزيًا أخلاقيًا؛ إذ استهلكت الجماهير الغربية صورة النساء الكرديات وهن يقاتلن “داعش” كدليل على أن “التقدم” يُدافع عنه في الشرق الأوسط، حتى حين لم ترغب في فهم السياسة المحلية أو التنافسات أو المفاضلات القاسية.
اليوم، ومع دخول قوات متحالفة مع دمشق إلى المدن الكردية ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، ينبغي قراءة رفض وحدات حماية المرأة نزع السلاح على ضوء تلك التجربة. بالنسبة لكثير من النساء الكرديات، لا يُعد نزع السلاح خطوة إدارية تلي السلام، بل بداية للهشاشة، لأن المؤسسات التي تعد بالحماية غالبًا ما تفشل تحديدًا عندما تكون النساء هن المستهدفات. وإذا كان وقف النار يشترط التخلي عن القدرة القسرية قبل وجود ضمانات موثوقة، فذلك يشبه الطلب منهن العودة إلى قفص أُغلق بلباقة.
التهديد الذي يواجه هؤلاء النساء اليوم ليس العنف المباشر فحسب، رغم أنه خطر قائم في أي انتقال للسيطرة من نظام مسلح إلى آخر، بل أيضًا عنف التراجع السياسي الصامت. فقد يتبع نزع السلاح تفكيك مجالس النساء، وتهميش القائدات، وتجريم التنظيم النسائي المستقل، وعودة “شرطة شرف العائلة” على يد الدولة أو شبه الدولة. وحتى إن لم يُعلن عن مثل هذا المسار، يمكن تنفيذه عبر الاعتقالات، والترهيب، والملاحقات الانتقائية، واستبدال صناع القرار المحليين بموالين يعتبرون المساواة الجندرية عملًا تخريبيًا.
هناك أيضًا خطر الانتقام تحت غطاء “المصالحة”. ففي كثير من بيئات ما بعد النزاع، تُصوَّر النساء المقاتلات بوصفهن منحرفات أخلاقيًا أو موضع شبهة، خصوصًا إن تدربن مع رجال أو مارسن سلطة أو خرجن عن الأدوار التقليدية. ويمكن تسليح هذه الوصمة من قبل الخصوم وحتى من قبل أقارب محافظين. وبالنسبة لمقاتلة عاشت كشخصية عامة، قد تعني العودة إلى الحياة المدنية تحت جهاز أمني معادٍ مراقبة دائمة، ومضايقات على الحواجز، وضغوطًا على العائلة، وخوفًا دائمًا من أن تتحول تهمة واحدة إلى ذريعة للاعتقال.
فلماذا هذا الصمت من قبل النسويات الغربيات عندما تبدو النساء اللواتي احتفين بهن محاصرات بتسوية سياسية جديدة؟ جزء من الجواب هو النفور من الحلفاء المعقدين. فكثير من الحركات الغربية تجيد سياسة الاحتجاج، لكنها تتوجس من الجماعات المسلحة، حتى حين كانت تلك الجماعات رموزها سابقًا. دعم نساء يحملن السلاح سهل حين يكون الهدف «داعش» وحين تؤيد الحكومات الغربية الشراكة. لكنه يصبح أصعب حين لا يُصوَّر النزاع بوصفه “الإنسانية ضد داعش”، بل نزاع سيادة وحدود وتسميات تمرد ومشاريع وطنية متنافسة. عندها تتعقد الصورة الأخلاقية، وينسحب بعض الناشطين تفاديًا للمخاطرة.
وجزء آخر يتعلق باعتماد النشاط السائد على زخم الإعلام. أصبحت وحدات حماية المرأة قضية عندما كانت الكاميرات حاضرة والمحررون يريدون القصة. أما تسليم المدن ضمن وقف نار بلغة بيروقراطية وشروط ملتبسة، فلا ينتج صورًا فيروسية بقدر امرأة بزي عسكري على سطح مبنى تصدّ «داعش». وغالبًا ما تتبع الاهتمامات النسوية المعاصرة بساطة السرد لا خطر المدى الطويل. وحين تتحول القصة من مقاومة بطولية إلى خنق إداري بطيء، تسقط من الأجندة، حتى لو كانت المخاطر على النساء أكبر من ذي قبل.
كما تحكم الصمتَ حساباتُ مخاطر سياسية. ففي أجزاء من أوروبا وأميركا الشمالية، تُناقش الحركات الكردية عبر عدسة تصنيفات الإرهاب وإدارة التحالفات وسياسات الأمن الداخلي. وقد لا يرغب ناشطون يخوضون معارك محلية في الانجرار إلى جدالات قانونية حول علاقة كل بنية كردية بحزب معين، أو حول ما إذا كان التضامن العلني قد يُشوَّه بوصفه دعمًا للعسكرة. هذا الحذر مفهوم فرديًا، لكنه يترك النساء مكشوفات ليُستعملن رموزًا فقط عندما تكون قضيتهن “آمنة” للدعم.
وأخيرًا، ثمة تناقض أعمق في بعض الخطاب النسوي الغربي تجاه النساء خارج الغرب. فقد جرى احتضان وحدات حماية المرأة كاستثناء مُلهِم، ودليل على أن “هنّ” يمكن أن يصبحن مثل “نا” إذا هُزمَت الأبوية والتطرف. لكن التضامن المستدام يقتضي قبول أن لهؤلاء النساء مشروعًا سياسيًا خاصًا، وخطوطًا حمراء، وأسبابًا لرفض نزع السلاح لا تنسجم دائمًا مع الأطر الغربية. وحين يتوقفن عن كونهن ملصقًا مُلهِمًا ويصبحن فاعلات سياسيات يطالبن بالقوة والاستقلال والأمان، ينسحب بعض المعجبين السابقين. ويغدو الصمت وسيلة لتجنب الاعتراف بأنهم فضّلوا الرمز على الفاعلية.
ما يبقى الآن هو منطق قاسٍ عاشت معه وحدات حماية المرأة لسنوات: القدرة المسلحة كانت بوليصة تأمين ضد الإبادة، وضد الاستعباد، وضد المقايضة في مفاوضات لا تكون النساء فيها حاضرًا. وإذا دخلت قوات دمشق المدن الكردية ضمن وقف نار يتعامل مع نزع سلاح الوحدات كبند تقني، فإنه يصطدم بذاكرة معيشة تقول إن البنود لا توقف الانتهاكات، وإن الوعود بلا آليات إنفاذ ليست سوى دروع ورقية. التهديد ليس نظريًا؛ بل احتمال أن يمدح العالم شجاعتهن بصيغة الماضي، فيما تُقشَّر حماية الحاضر طبقة بعد طبقة، إلى أن لا يبقى سوى الشجاعة وحدها.
في ظل الشروط الراهنة، لا يبدو المسار الأكثر ترجيحًا تسوية نظيفة، بل ترسيخًا غير متكافئ للسلطة. لا تحتاج دمشق إلى مواجهة حاسمة مع وحدات حماية المرأة كي تنتصر؛ بل إلى الوقت، والامتداد الإداري، والسيطرة على أدوات تعريف “القانونية”. ومع عودة سلطة الدولة إلى المدن الكردية، سيتحول الميزان من المواجهة العسكرية الصريحة إلى الهيمنة التنظيمية: من يمنح التراخيص، ومن يدير الرواتب، ومن يصرّح بالحركة، ومن يدير مراكز الاحتجاز، ومن يحدد ما يُعد دفاعًا مشروعًا عن النفس. في هذا السياق، لا يكون رفض نزع السلاح إزعاجًا تكتيكيًا، بل عائقًا بنيويًا لأنه يُبقي مصدرًا بديلًا للسلطة لا يمكن استيعابه بسهولة ضمن نظام مركزي.
وغالبًا ما يتبع ذلك مسار نزع الشرعية لا الهزيمة. ستُصوَّر النساء المسلحات كأثر من فوضى الماضي لا كنتاج ضرورة، ويُلقى باللوم على وجودهن في أي احتكاك مع الدولة أو تأخير في الإعمار أو أي حادث أمني، سواء كان لهن علاقة به أم لا. يخدم هذا إعادة التأطير غاية واضحة: تحويل الخلاف السياسي حول الاستقلالية والحماية إلى حجة أخلاقية عن “المسؤولية”. وحين يكتمل هذا التحويل، يمكن تبرير الضغط بوصفه “استعادة للنظام” لا قمعًا للحقوق، ما يخفض كلفة القمع داخليًا ودوليًا.
الخطر الحقيقي يكمن في عودة مؤسسات قسرية معادية بطبيعتها لاستقلال النساء، لا بدافع أيديولوجي فقط، بل لأن استقلال النساء المسلح يربك منطق السيطرة المركزية. فالنساء اللواتي يحملن السلاح، ويقدن وحدات، ويحكمن فضاءً خارج الدولة، يقوضن تراتبيات تقوم على التوقع والطاعة. ولهذا، حتى إن لم يحدث قمع فوري، فإن الاتجاه الطويل الأمد يميل إلى التهميش والمراقبة والتطبيق الانتقائي للقانون بهدف إذابة هياكل النساء دون صناعة شهداء أو إثارة أزمات دولية.
وأي نصيحة لوحدات حماية المرأة يجب أن تنطلق من فرضية صلبة: لا توجد جهة خارجية مستعدة لتحمل كلفة الدفاع عنكن. فالحركات النسوية الغربية لم تكن محايدة فاتتها الرسالة؛ بل كان انخراطها مشروطًا بملاءمة السرد وانخفاض المخاطر. وحين انتقل النزاع من قتال أخلاقي واضح ضد “داعش” إلى مواجهة مع سلطة الدولة وغموض المناطق الرمادية القانونية، صار الانخراط غير مريح. الصمت هنا ليس نقصًا في الوعي، بل خيارًا استراتيجيًا بالانسحاب.
بناءً على ذلك، ينبغي أن تُقاد القرارات بمنطق النفوذ لا الاعتراف. نزع السلاح عقلاني فقط إذا أنتج نتائج قابلة للإنفاذ لا يمكن التراجع عنها بهدوء. ودون ذلك، فإن تسليم السلاح يحول المشكلة السياسية إلى مشكلة شرطية، والمشكلات الشرطية تُحل بلا تفاوض. الاحتفاظ بالقدرة المسلحة لا يضمن الأمان، لكن التخلي عنها يزيل الأداة الوحيدة التي فرضت تاريخيًا قدرًا من الضبط على أطراف لا حافز لديها لتقديمه.
وبالقدر نفسه من الأهمية، تأتي إدارة الزمن والتوقعات داخليًا. فحالات الجمود الطويلة تُرجّح كفة الطرف الذي يملك عمقًا مؤسسيًا وشرعية خارجية، أي الدولة. ميزة وحدات حماية المرأة تكمن في التماسك والشرعية المحلية والقدرة على رفض الامتثال الكامل. التفكك سيعجّل بالخسارة عبر السماح بتطبيق الضغط انتقائيًا، وتحويل المقاومة الجماعية إلى هشاشة فردية. وهذا أخطر بكثير من موقف موحد يحد من كيفية توزيع العقاب.
وأخيرًا، على وحدات حماية المرأة التعامل مع اللحظة الراهنة باعتبارها انتقالًا من منطق الحرب إلى سياسة البقاء، لا استفتاءً أخلاقيًا على الماضي. السؤال لم يعد ما إذا كان نضالهن مبررًا، بل ما إذا كانت الهياكل التي بنينها قادرة على الصمود في ظل «تطبيع» معادٍ. ويتطلب ذلك ضبطًا استراتيجيًا، وانضباطًا داخليًا، وتوثيقًا للانتهاكات، وفهمًا واضحًا بأن التصديق الخارجي ليس شرطًا للشرعية. مقياس النجاح الآن ليس التصفيق ولا الظهور الإعلامي، بل ما إذا كانت النساء يحتفظن بالقدرة على حماية أنفسهن عندما يتحول الاهتمام إلى مكان آخر، وتُستخدم لغة السلام لإغلاق المساحة التي ناضلن لفتحها.




