آراء وتحليلات

جغرافيا العودة.. ألمانيا وسوريا والواقع الكامن وراء إعادة اللاجئين

German President Frank-Walter Steinmeier, right, receives Syrian President Ahmad al-Sharaa in front of the Bellevue Palace in Berlin, Monday, March 30, 2026. (Kay Nietfeld/dpa via AP)

بقلم: إيرينا تسوكرمان

يعكس الإطار الألماني-السوري الناشئ بشأن عودة اللاجئين تحولًا بنيويًا أعمق في الطريقة التي بدأت بها أوروبا في التفكير بأزمة النزوح السوري بعد أكثر من عقد. فما بدأ في عام 2015 كاستجابة إنسانية طارئة، تطور تدريجيًا إلى مسألة طويلة الأمد تتعلق بالسياسات الديموغرافية والاقتصادية. لم تعد ألمانيا تكتفي بإدارة طلبات اللجوء، بل باتت تدير الوجود طويل الأمد لسكان أصبحوا مندمجين اقتصاديًا، ومتجذرين اجتماعيًا، وذوي وزن ديموغرافي مهم.
اعتبارًا من عام 2026، يقيم في ألمانيا ما بين 970 ألفًا و1.05 مليون مواطن سوري، تبعًا لطريقة الإحصاء بين سجلات الجنسية وسجلات الحماية. ويحمل نحو 712 ألفًا منهم صفة الحماية الكاملة أو الفرعية. كما حصل نحو 180 ألفًا على نوع من الإقامة الدائمة. وقريبًا من 65 ألف سوري حصلوا على الجنسية الألمانية، وهو رقم تسارع نموه مع بدء نضوج فترات الأهلية بعد ثماني سنوات من الإقامة. ويزداد هذا العدد سنويًا مع بلوغ المزيد من السوريين عتبات الإقامة.
ديموغرافيًا، يمثل السوريون في ألمانيا واحدة من أصغر الفئات السكانية العمرية الكبيرة في البلاد. إذ يبلغ متوسط العمر الوسيط بينهم نحو 25 إلى 27 عامًا، بينما يتجاوز متوسط العمر الوسيط الوطني الألماني 45 عامًا. ويشكل من هم دون 18 عامًا نحو 40% من السوريين في ألمانيا، فيما تقل أعمار حوالي 65% منهم عن 35 عامًا. وتكمن أهمية ذلك في أن ألمانيا تواجه واحدة من أسرع القوى العاملة شيخوخة في أوروبا. وبحلول عام 2035، تشير التقديرات إلى نقص يتراوح بين 5 و7 ملايين عامل بسبب التقاعد وحده، ما يجعل مشاركة السوريين في سوق العمل مرتبطة مباشرة بخطط الاستدامة الاقتصادية الوطنية.
تقدم اندماج السوريين في سوق العمل ببطء ولكن بثبات. ففي عام 2016، كان أقل من 10% منهم يعملون. وبحلول عام 2022 ارتفعت النسبة إلى نحو 35%. وفي عام 2025، قدرت مشاركة السوريين في العمل بين 50 و55% من البالغين في سن العمل. وتتجاوز نسبة مشاركة الرجال 60%، بينما تبقى مشاركة النساء أقل عند نحو 25%، لكنها تواصل الارتفاع تدريجيًا بفضل توفر خدمات رعاية الأطفال وبرامج التدريب المهني.
تُظهر أنماط التوظيف تركّزًا قطاعيًا واضحًا. إذ يعمل نحو 22% من السوريين العاملين في قطاع اللوجستيات والمستودعات، خاصة في مناطق مثل شمال الراين-وستفاليا وبادن-فورتمبيرغ. ويعمل حوالي 18% في البناء والحرف، و14% في الضيافة والخدمات الغذائية، و9% في التصنيع، غالبًا ضمن سلاسل توريد صناعة السيارات وأعمال الصيانة الصناعية. أما القطاع الصحي فيوظف نحو 6%، حيث يشكل الأطباء السوريون واحدة من أسرع مجموعات الأطباء الأجانب نموًا في ألمانيا.
كما شهدت ريادة الأعمال السورية توسعًا ملحوظًا. إذ تشير السجلات التجارية الألمانية إلى وجود أكثر من 48 ألف شركة مملوكة لسوريين في أنحاء البلاد، منها أكثر من 8 آلاف في برلين وحدها. وتتراوح هذه الأعمال بين المطاعم ومستوردات المواد الغذائية، إلى شركات الاستشارات الهندسية وخدمات البرمجيات. وقد ساهم رواد الأعمال السوريون في إحياء مناطق تجارية متراجعة في مدن مثل دويسبورغ وإيسن وأجزاء من شرق برلين، كما خلقت رؤوس الأموال الصغيرة سلاسل توظيف داخل مجتمعات الشتات.
يشكل الاندماج التعليمي عاملًا بنيويًا رئيسيًا آخر في تحديد قابلية العودة. إذ يدرس أكثر من 300 ألف طفل سوري في المدارس الألمانية، بينما يلتحق نحو 90 ألف طالب ببرامج التدريب المهني. وتفيد اتحادات الصناعة بتمثيل قوي للسوريين في برامج التدريب على تشغيل المعادن والتركيبات الكهربائية والصيانة الميكانيكية. كما يدرس نحو 35 ألف طالب سوري في الجامعات، مع تركّز في الهندسة وعلوم الحاسوب والطب.
تكمن أهمية هذه الأرقام في إظهار مدى عمق اندماج السوريين في التخطيط الاقتصادي الألماني. وبالتالي فإن أي سياسة لعودة اللاجئين لا تمس فقط القضايا الإنسانية، بل تمتد إلى تخطيط القوى العاملة واستمرارية التعليم والتوقعات الديموغرافية المحلية.
ضمن هذه الفئة، يشكل الأكراد السوريون مجموعة اجتماعية وسياسية مميزة، تتبع منطقًا خاصًا في تعاملها مع مسألة العودة. وتُقدّر أعدادهم في ألمانيا بين 150 ألفًا و220 ألفًا، اعتمادًا على طرق احتساب الانتماء العرقي عبر الجمعيات المجتمعية. وينحدر معظمهم من منطقة الجزيرة في شمال شرق سوريا، وخاصة محافظة الحسكة.
وتختلف الهجرة الكردية السورية عن الهجرة من غرب سوريا من حيث أن مناطقهم شهدت دمارًا حضريًا أقل، لكنها عانت من ركود اقتصادي طويل نتيجة العزلة وتعطل التجارة الزراعية، ما جعل دوافع الهجرة مرتبطة أكثر بعدم اليقين الاقتصادي طويل الأمد.
كما يستفيد الأكراد السوريون من بنية الشتات الكردي الأقدم في ألمانيا، والذي بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي مع موجات من تركيا. وتضم ألمانيا اليوم بين 800 ألف ومليون شخص من أصول كردية، ما وفر بنية مؤسسية تشمل اتحادات ثقافية وشبكات إعلامية ومنظمات قانونية وتعليمية، عززت دعم اللاجئين الأكراد السوريين مقارنة بغيرهم.
تُظهر أنماط الاندماج الاقتصادي لديهم مشاركة أعلى قليلًا في المهن التقنية، حيث يعمل نحو 60% من الرجال الأكراد السوريين في سن العمل، خاصة في النقل وصيانة السكك الحديدية والخدمات البلدية والإصلاح الصناعي. كما يظهر الشباب تقدمًا تعليميًا ملحوظًا، خصوصًا في مجالات الهندسة وتكنولوجيا المعلومات.
ترتبط مسألة العودة لديهم بعوامل خاصة، أبرزها توثيق الملكية، حيث عانت مناطقهم من ضعف أنظمة تسجيل الأراضي، واعتمدت العديد من العائلات على ملكيات غير رسمية تحتاج اليوم إلى إعادة إثبات قانوني. كما تؤثر قضايا الأراضي الزراعية على قرارات العائلات التي كانت تعتمد على الزراعة.
تلعب اللغة أيضًا دورًا مهمًا، إذ يحرص الأكراد على الحفاظ على لغة الكرمانجي لدى الجيل الثاني، ويخشى كثيرون من غياب فرص التعليم بالكردية عند العودة.
كما يؤثر الاستقرار الاقتصادي للأسرة على القرار، إذ وصلت العديد من العائلات إلى مستوى دخل يتراوح بين 2200 و3100 يورو شهريًا، ما يجعلها تميل إلى الاستقرار بدل المخاطرة بالانتقال.
في المقابل، تتوقف قدرة سوريا على استيعاب العائدين على ظروفها الداخلية. ففي عام 2026، يبلغ عدد السكان المقيمين بين 18 و19 مليونًا، مقارنة بـ22 إلى 23 مليونًا قبل الحرب. ولا يزال نحو 5.5 إلى 6 ملايين سوري في الخارج، و6 ملايين نازحين داخليًا.
تعكس القدرة السكنية أحد أبرز مؤشرات العودة، حيث دُمّر نحو 328 ألف منزل كليًا وتضرر 600 ألف بشدة. وقد شهدت مدن مثل دمشق وحلب وحمص وطرطوس تقدمًا في إعادة الإعمار، مع عودة النشاط في نحو 60% من المناطق المتضررة.
وتتراوح الإيجارات بين 80 و200 دولار في دمشق، و40 إلى 120 دولارًا في حلب، ما يعكس زيادة الطلب وصعوبات القدرة على الدفع.
أما الكهرباء، فانخفضت قدرتها من 9000 ميغاواط قبل الحرب إلى ما بين 3500 و5000 حاليًا، مع توفر الكهرباء بين 10 و18 ساعة يوميًا في المدن.
وتحسن الوصول إلى المياه في المدن، بينما لا تزال المناطق الزراعية تعاني، رغم استعادة آلاف الهكتارات المروية.
كما عاد نحو 90 مستشفى للعمل من أصل 113 قبل الحرب، مع توسع القطاع الخاص وعودة كوادر طبية، وإنتاج محلي يغطي 70% من الأدوية.
وفي التعليم، يعمل أكثر من 14 ألف مدرسة من أصل 22 ألفًا قبل الحرب، مع استمرار نقص المعلمين.
يبقى العامل الحاسم هو خلق فرص العمل. فقد انكمش الاقتصاد بأكثر من 60% خلال الحرب، ويُقدّر الناتج الحالي بين 28 و35 مليار دولار مقارنة بـ60 مليارًا سابقًا.
ويمثل قطاع البناء الأسرع نموًا، مع حاجة إلى 1.2–1.5 مليون عامل خلال العقد المقبل. كما يشكل القطاع الزراعي مصدرًا مهمًا، مع تعافٍ جزئي في إنتاج القمح وزيت الزيتون.
وتلعب المشاريع الصغيرة دورًا كبيرًا، حيث يمكن لمدخرات تتراوح بين 5 و15 ألف يورو تمويل مشاريع توفر فرص عمل.
كما تواصل التحويلات المالية، التي تتراوح بين 2.5 و4 مليارات دولار سنويًا، دعم الاقتصاد المحلي.
وتظهر الصناعة علامات تعافٍ، خاصة في النسيج والغذاء والإسمنت، رغم بقائها دون مستويات ما قبل الحرب.
وقد تتغير مشاركة النساء في العمل تدريجيًا، مع عودة نساء اكتسبن خبرات في ألمانيا.
تعتمد القدرة على الاستيعاب على وتيرة إعادة الإعمار أكثر من القدرة السكانية النظرية. فالقدرة المادية موجودة، لكن العامل الحاسم هو خلق الوظائف.
لذلك، فإن العودة عملية تدريجية، تتأثر بشبكات العلاقات والتجارب الفردية أكثر من السياسات الرسمية.
ثلاث سنوات قد تشكل فترة تجريبية مناسبة لتقييم الأطر، بينما تتطلب الإجراءات الإدارية وقتًا طويلًا.
وقد يلجأ البعض إلى أنماط عودة جزئية، تجمع بين الإقامة في ألمانيا والعمل في سوريا.
في المحصلة، تبقى العودة قرارًا شخصيًا يعتمد على حسابات الأسرة، بينما توفر الاتفاقيات المسارات فقط.
وسيُقاس نجاح أي اتفاق بمدى استقرار العائدين في العمل والسكن والتعليم، لا بعدد العائدين فقط.
فالعودة ليست حدثًا مفاجئًا، بل عملية ديموغرافية تدريجية، تقف ألمانيا وسوريا اليوم في بدايتها، لا نهايتها.

زر الذهاب إلى الأعلى