آراء وتحليلات

أول محاكمة في سوريا منذ عهد الأسد

بقلم: إيرينا تسوكرمان

يمثل بدء أول محاكمة داخلية في سوريا تستهدف شخصيات مرتبطة بحكم الرئيس السابق بشار الأسد لحظة مفصلية في مسار البلاد بعد الحرب، رغم ما يحيط بها من تعقيدات قانونية وسياسية ومؤسساتية.

فهذه ليست مجرد خطوة قضائية، بل محاولة لإعادة تعريف سلطة الدولة بعد سنوات كان فيها الحكم مرادفاً للقبضة الأمنية.

انهيار المنظومة القضائية وإعادة البناء

قبل الحرب، كان النظام القضائي السوري يعمل ضمن بنية تابعة للسلطة التنفيذية، حيث كانت المحاكم امتداداً للقرار السياسي، خاصة في القضايا الأمنية. ومع اندلاع النزاع، انهارت هذه المنظومة وتفككت، ما أدى إلى ظهور سلطات قضائية موازية وفوضى قانونية واسعة.

وبالتالي، تأتي هذه المحاكمة اليوم في سياق غياب الاستمرارية المؤسسية، حيث يتم بناء نظام عدالة جديد وسط بقايا مؤسسات منهارة.

العدالة الداخلية بدل الخارجية

تعكس المحاكمة تحولاً نحو “استيعاب العدالة داخلياً”، بعد سنوات من الاعتماد على محاكمات خارجية في أوروبا لمحاسبة بعض المتورطين في الانتهاكات.

ورغم أهمية هذا التوجه، إلا أنه يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في ضعف المؤسسات المحلية نفسها، التي تُطلب منها ممارسة دور لم تُبنَ أصلاً لأجله.

قضية عاطف نجيب وبداية الاحتجاجات

في قلب القضية يقف عاطف نجيب، المسؤول الأمني السابق في درعا، والمتهم بدور محوري في قمع الاحتجاجات المبكرة واعتقال وتعذيب مراهقين شاركوا في نشاطات معارضة.

اختياره كمتهم رئيسي يحمل دلالة رمزية، إذ يربط بين لحظة اندلاع الثورة وبداية المسار القضائي الحالي، لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود المحاكمة، إذ لا يزال العديد من كبار المسؤولين خارج نطاق المحاسبة.

شبكة الأجهزة الأمنية والإدارية

لا تقتصر المحاكمة على شخصيات فردية، بل تشمل مجموعة من ضباط الاستخبارات، بينهم عناصر من المخابرات العسكرية والجوية، الذين لعبوا أدواراً مركزية في إدارة الاعتقال والتعذيب والاستجواب.

كما تضم قادة أمنيين على مستوى المحافظات في درعا وحمص وريف دمشق، ممن أشرفوا على عمليات القمع الميداني ضد الاحتجاجات، إضافة إلى موظفين إداريين ساهموا في عمليات التوثيق والمصادرة والدعم اللوجستي.

غياب المتهمين الكبار

بعض المتهمين غيابياً هم من كبار المسؤولين السابقين الذين شغلوا مناصب عليا في أجهزة الأمن. غيابهم يعكس صعوبة الملاحقة الدولية ووجودهم خارج البلاد، ما يطرح تساؤلات حول فعالية العدالة دون حضور المتهمين.

تحديات النظام القضائي السوري

تواجه المحاكم السورية صعوبات كبيرة، إذ تعاني من ضعف الاستقلالية والخبرة، إضافة إلى تراجع البنية التحتية القضائية خلال سنوات الحرب.

كما أن محاكمة جرائم من نوع “الجرائم ضد الإنسانية” تتطلب معايير قانونية معقدة تتعلق بإثبات النمط المنهجي والنية التنظيمية، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً للقضاء المحلي.

العدالة تحت ضغط السياسة

تحاول القيادة السياسية الجديدة استخدام هذه المحاكمات كدليل على التحول نحو دولة قانون، لكن هذا يخلق ضغطاً غير مباشر على القضاء، وقد يؤثر على حياديته.

فكلما ارتفعت الرمزية السياسية للقضية، زادت حساسية الأحكام وتفسيرها داخل المجتمع.

الأدلة وشهادات الضحايا

تعتمد القضية على أرشيف واسع من الأدلة التي جمعها ناشطون ومنشقون، لكن هذه المواد تواجه تحديات تتعلق بسلاسل الحيازة والمعايير القانونية.

كما أن شهادات الضحايا، رغم أهميتها، تتأثر بصدمة الحرب والوقت والنزوح، ما يضيف تعقيداً إضافياً للعمل القضائي.

حماية الشهود وخطر الانتقام

يمثل أمن الشهود تحدياً كبيراً، خاصة في ظل استمرار وجود شبكات مرتبطة بالنظام السابق. فغياب آليات حماية فعالة قد يحد من المشاركة في المحاكمات ويؤثر على قوة الأدلة.

المجتمع السوري بين العدالة والاحتياجات اليومية

تجري المحاكمة في سياق اجتماعي واقتصادي صعب، حيث يواجه السوريون أزمات معيشية حادة، ما يجعل العدالة بالنسبة للبعض قضية ثانوية مقارنة بالاحتياجات اليومية.

ومع ذلك، ترى عائلات الضحايا في هذه المحاكمة خطوة ضرورية للاعتراف بمعاناتهم.

بناء الذاكرة الجماعية

تسهم المحاكمة في تشكيل “ذاكرة رسمية” للصراع، عبر توثيق الجرائم وتثبيت المسؤوليات، في مواجهة محاولات الإنكار أو إعادة كتابة التاريخ.

العدالة كجزء من مشروع إعادة بناء الدولة

تحاول الحكومة الجديدة تقديم المحاكمة كجزء من مشروع إعادة بناء الدولة وترسيخ سيادة القانون، لكن نجاح هذا التوجه يعتمد على الشفافية والاتساق.

حدود العدالة الانتقالية

رغم أهمية المحاكمات، إلا أنها لا تغطي جميع جوانب العدالة الانتقالية، مثل التعويضات، وإعادة الإعمار الاجتماعي، والحوار المجتمعي، وهي عناصر ضرورية لمعالجة آثار الحرب.

محاكمة بين الطموح والقيود

تعكس هذه المحاكمة واقع الدولة السورية اليوم: طموح كبير في تحقيق العدالة، يقابله ضعف مؤسسي وظروف معقدة.

وسيحدد مستقبلها ليس فقط ما يحدث داخل قاعة المحكمة، بل أيضاً قدرة سوريا على بناء منظومة إصلاح شاملة تربط بين العدالة والاستقرار وإعادة الإعمار.

زر الذهاب إلى الأعلى