آراء وتحليلات

أشقاء الشرع خارج المشهد… هل تبدأ الدولة السورية من جديد؟

بقلم: إيرينا تسوكرمان

لم يكن قرار أحمد الشرع بإبعاد اثنين من أشقائه عن مناصب حكومية نافذة مجرد عملية تدوير روتينية داخل إدارة ما بعد الحرب، بل كان فعلاً سياسياً مقصوداً يهدف إلى تفكيك أحد أكثر الرموز حساسية في الذاكرة السياسية السورية الحديثة: تداخل العائلة مع الدولة والسلطة الاقتصادية.

في أي بلد آخر، قد لا يثير تعيين أو إقالة أقارب الرئيس سوى اهتمام عابر، لكن في سوريا، وبعد أكثر من خمسة عقود من الحكم العائلي في ظل حافظ الأسد وبشار الأسد، تحمل التعيينات العائلية معنى سياسياً ثقيلاً، لأنها ترتبط في الوعي العام ليس فقط بالمحسوبية، بل بهندسة الحكم الاستبدادي نفسه.

لحظة سياسية دقيقة

جاء هذا القرار في توقيت بالغ الأهمية. فدمشق تعيش أوسع انفتاح دبلوماسي لها منذ اندلاع الصراع عام 2011.

الإمارات العربية المتحدة وسّعت انخراطها مع الحكومة السورية سياسياً وتجاريًا ودبلوماسيًا، بينما بدأت حكومات أوروبية بإعادة فتح قنوات اقتصادية بعد سنوات من العزلة والعقوبات. كما تستعد شركات طيران إقليمية لاستئناف رحلاتها إلى دمشق، ويبحث مستثمرون خليجيون في فرص إعادة الإعمار والبنية التحتية، فيما تتزايد الرؤية العربية لسوريا كدولة قابلة لإعادة الإدماج في النظام الإقليمي.

رسالة سياسية وراء الإبعاد

بالنسبة لأحمد الشرع، التحدي لا يقتصر على جذب الاستثمارات أو استعادة الاعتراف الدبلوماسي، بل يتجاوز ذلك إلى إقناع السوريين والخارج بأن الدولة لم تعد تُدار عبر الامتيازات العائلية أو شبكات المحسوبيات أو اقتصاد الحرب.

إبعاد شقيقيه كان محاولة لإرسال هذه الرسالة بوضوح.

مواقع حساسة داخل الدولة

كان ماهر الشرع يشغل منصب الأمين العام للرئاسة، وهو من أكثر المواقع حساسية في الجهاز التنفيذي السوري، إذ يتحكم في تدفق الوثائق والاتصالات بين الوزارات والرئاسة، ويؤدي دور “بوابة القرار” داخل الدولة.

أما حازم الشرع، فبحسب التقارير، كان له دور في ملفات التخطيط الاقتصادي والاستثمار المرتبط بإعادة الإعمار، وهي ملفات شديدة الحساسية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث ستحدد عقود الإعمار وشراكات الاستثمار شكل الاقتصاد السوري القادم.

ظلّ عهد الأسد

تكمن الخطورة الرمزية في أن وجود أقارب الرئيس في مواقع اقتصادية وسياسية يعيد إلى الأذهان فوراً تجربة عهد بشار الأسد، حيث تركزت الثروة في يد العائلة وشبكات رجال الأعمال المرتبطين بالأمن.

شخصيات مثل رامي مخلوف أصبحت رمزاً لاندماج الفساد مع السلطة العائلية. لذلك فإن الشرع يدرك أن إعادة إنتاج هذه الصورة قد تُغلق أبواب الشرعية الدولية وتمويل إعادة الإعمار.

ضغط دولي متصاعد

التوقيت أيضاً يعكس تصاعد التدقيق الدولي.

فالدول الخليجية والأوروبية، رغم انفتاحها، ما زالت حذرة من الفساد وضعف المؤسسات ومخاطر العقوبات وسمعة الاستثمار. وهي تريد ضمانات بأن أموال إعادة الإعمار لن تُحتكر من قبل شبكة ضيقة مرتبطة بالسلطة.

الإمارات وإعادة التموضع الإقليمي

تعكس عودة الإمارات إلى دمشق حسابات إقليمية أوسع، تقوم على أولوية الاستقرار ومنع انهيار الدول.

وتنظر أبوظبي إلى سوريا كحلقة وصل جغرافية بين شرق المتوسط والعراق والأردن وتركيا والخليج، ويمكن أن تصبح محوراً تجارياً ولوجستياً مهماً إذا استقرت الأوضاع.

اقتصاد يحتاج إعادة بناء شاملة

حجم الدمار في سوريا هائل:

•           مدن صناعية مثل حلب تعرضت لانهيار كبير

•           حمص دُمّرت أحياؤها التجارية والسكنية

•           الغوطة فقدت جزءاً كبيراً من بنيتها

•           الرقة ودير الزور وإدلب ومناطق الجنوب ما تزال تعاني اقتصادياً

أزمة الكهرباء والمياه

قطاع الكهرباء من أكبر العوائق أمام التعافي، بسبب تدمير الشبكات ونقص الوقود والعقوبات.

أما المياه، فتضررت محطات الضخ والري بشكل واسع، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي، خصوصاً في شمال شرق سوريا، حيث يشكل القمح أساس الأمن الغذائي.

البعد الزراعي والاجتماعي

قبل الحرب، ساهم الجفاف وتراجع الزراعة والهجرة الريفية في خلق ضغط اجتماعي كبير. واليوم، أي عملية إعادة إعمار لا تأخذ الريف بالحسبان قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها.

رؤية الإمارات وأوروبا

ترى الإمارات فرصاً في الموانئ والاتصالات والسياحة والطاقة.

أما أوروبا، فدوافعها مختلفة، مرتبطة بالهجرة والاستقرار والأمن، لكنها منقسمة داخلياً بين نهج الانفتاح المشروط والحذر السياسي والحقوقي.

اقتصاد الحرب

أحد أكبر التحديات هو أن الحرب خلقت اقتصاداً موازياً:

التهريب، الحواجز المسلحة، شبكات السوق السوداء، تجارة الوقود، وتمويل غير رسمي، وحتى تجارة الكبتاغون.

هذه البُنى لا تختفي تلقائياً مع انتهاء الحرب، بل تتحول أحياناً إلى نفوذ اقتصادي داخل النظام الجديد.

الفساد والملكية

الفساد يمثل الخطر الأكبر على إعادة الإعمار.

فالمستثمرون يحتاجون إلى بيئة قانونية واضحة، بينما ما تزال المخاوف قائمة بشأن العقود والملكية والأراضي والإجراءات الإدارية.

ملف الملكية: قنبلة مؤجلة

ملايين السوريين فقدوا منازلهم.

الخرائط السكانية تغيرت، والسجلات دُمّرت أو فُقدت، ما يجعل قضايا العودة وإثبات الملكية واحدة من أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب.

الأمن والتفكك السياسي

رغم تحسن سيطرة دمشق نسبياً، ما تزال سوريا مجزأة عملياً:

•           شمال شرق معقد عسكرياً وسياسياً

•           مناطق عشائرية ذات نفوذ مستقل

•           تهريب واسع عبر الحدود

•           انتشار السلاح

كما تبقى تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة وإيران أطرافاً مؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر.

الشرعية السياسية: التحدي الأصعب

إعادة بناء الدولة ليست اقتصادية فقط، بل سياسية أيضاً.

فالمجتمع السوري خرج من الحرب منقسماً بعمق، مع فقدان الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة.

الدولة والهوية والعدالة الانتقالية

التحدي الأكبر يكمن في:

•           العدالة الانتقالية

•           المحاسبة

•           المصالحة

•           استمرار المؤسسات دون انهيارها

وهي معادلة معقدة جداً في أي سياق ما بعد النزاع.

معنى إبعاد الأشقاء

إبعاد شقيقي الرئيس يحمل رسالة رمزية: لا امتيازات عائلية في الدولة الجديدة.

لكن الرمزية وحدها لا تكفي لإقناع السوريين الذين سيحكمون على السلطة من خلال الواقع اليومي:

الخدمات، الكهرباء، العدالة، الوظائف، ومكافحة الفساد.

اختبار حقيقي للدولة

السؤال الأساسي ليس في الخطاب السياسي، بل في التنفيذ:

هل تتحول المؤسسات إلى كيانات شفافة؟

هل تتغير آليات الحكم؟

هل يشعر المواطن بتحسن فعلي؟

سوريا اليوم تعود إلى المشهد الإقليمي، لكن العودة ما تزال هشة.

قرار إبعاد شقيقي الرئيس قد يفتح الباب أمام صورة سياسية جديدة، لكنه لا يكفي وحده لإعادة بناء الثقة بالدولة.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة ترتيب المناصب، بل في إعادة بناء الدولة نفسها من الداخل.

زر الذهاب إلى الأعلى