بلاد الشام الجديدة

بقلم إيرينا تسوكرمان
أدى سقوط بشار الأسد إلى أكبر عملية إعادة اصطفاف جيوسياسي في بلاد الشام منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، اتسمت العلاقة بين لبنان وسوريا بالهيمنة السورية، وتداخل البنى الأمنية، وقيام نظام إقليمي مارست فيه دمشق نفوذاً تجاوز حدودها بكثير. وكانت القرارات السياسية في بيروت غالباً ما تتأثر بحسابات تُصاغ في دمشق، فيما لعبت شبكات الاستخبارات السورية والفاعلون السياسيون المتحالفون معها أدواراً حاسمة في تحديد مسار الشؤون اللبنانية. ولم يؤدِ انهيار هذا النظام إلى تغيير العلاقات الثنائية بين دولتين متجاورتين فحسب، بل أعاد تشكيل المشهد الاستراتيجي في كامل شرق البحر المتوسط. وفي الوقت نفسه، أضعفت الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الإقليمي الذي نشأ بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005. كما أضاف الانخراط الدبلوماسي بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، الذي كان يُعد في السابق أمراً غير قابل للتصور سياسياً، زخماً إضافياً إلى عملية إعادة هيكلة إقليمية ما تزال تداعياتها النهائية قيد التشكل.
تكمن أهمية سقوط الأسد ليس فقط في إزاحة حاكم استمر لفترة طويلة، بل في اختفاء البنية السياسية التي شكّلت شؤون المنطقة لأجيال. فقد استند النفوذ السوري في لبنان إلى التدخل العسكري، والاختراق الاستخباراتي، والرعاية السياسية، وبناء التحالفات الاستراتيجية التي امتدت عبر الانقسامات الطائفية والأيديولوجية. وحتى بعد انسحاب القوات السورية تحت ضغط دولي، حافظت دمشق على نفوذ واسع من خلال علاقاتها مع فاعلين لبنانيين نافذين، وعلى رأسهم حزب الله. وبقي التأثير السوري متجذراً في المؤسسات والشبكات والحسابات السياسية في مختلف أنحاء لبنان. غير أن ظهور قيادة سورية جديدة غيّر هذه المعادلات بصورة جوهرية. فدمشق تواجه اليوم تحدياً هائلاً يتمثل في إعادة بناء دولة منهكة، واستعادة الخدمات العامة، وإنعاش النشاط الاقتصادي، وترسيخ الشرعية السياسية بعد سنوات من الحرب والعزلة. وقد دفعت هذه الأولويات القيادة السورية إلى التركيز على الداخل، ما قلّص قدرتها ورغبتها في التأثير في السياسة اللبنانية. وللمرة الأولى منذ عقود، تتعامل بيروت مع حكومة سورية ترى أن الاستقرار الداخلي أكثر إلحاحاً من إدارة النفوذ الاستراتيجي في الدولة المجاورة.
وقد أوجد هذا التحول فرصة لقيام نمط مختلف من العلاقات الثنائية. فلا يزال لبنان وسوريا يرتبطان بروابط عميقة بفعل الجغرافيا والتاريخ والتجارة والعلاقات الاجتماعية. فالعائلات تمتد على جانبي الحدود، والشبكات الاقتصادية تربط المجتمعات في المناطق الحدودية، كما أن أنظمة البنية التحتية التي تطورت عبر عقود ما تزال توثق الصلة بين البلدين. ومع ذلك، فإن الإطار السياسي الذي يحكم هذه التفاعلات يشهد تحولاً متواصلاً. فالمسؤولون اللبنانيون يتعاملون بشكل متزايد مع سوريا بوصفها دولة ذات سيادة ينبغي التفاوض معها بشأن المصالح المتبادلة، لا التكيف مع مطالبها. وفي المقابل، يدرك القادة السوريون أن الانخراط البنّاء مع لبنان يدعم أهدافاً أوسع تتعلق بالتعافي الاقتصادي والاندماج الإقليمي. ورغم أن العلاقة ما تزال معقدة بفعل المظالم التاريخية والنزاعات غير المحسومة وانعدام الثقة المتراكم، فإن كلا الحكومتين تكتشفان أن التعاون العملي يحقق فوائد أكبر من الاستمرار في أنماط التنافس والتدخل القديمة.
برز أمن الحدود بوصفه أحد أهم المجالات التي تتجلى فيها هذه المصالح المشتركة. فقد اتسمت الحدود اللبنانية السورية لفترة طويلة بضعف سيطرة الدولة، وانتشار شبكات التهريب، وحركة الأسلحة والمقاتلين والبضائع غير المشروعة. وخلال النزاع السوري، تحولت مناطق حدودية عديدة إلى مراكز للنشاط الاقتصادي غير القانوني وممرات لوجستية للجماعات المسلحة. كما أدى انهيار السلطة المركزية في أجزاء من سوريا إلى تعقيد جهود تنظيم الحركة عبر الحدود. وقد جعلت السلطات الجديدة في دمشق استعادة سيطرة الدولة هدفاً أساسياً، معتبرة أن تفكيك الشبكات الإجرامية شرط ضروري للتعافي الوطني. ويواجه لبنان بدوره تحديات مشابهة، إذ كشف الانهيار الاقتصادي وضعف المؤسسات عن الكلفة الباهظة للحدود غير المنضبطة، بما يشمل خسارة الإيرادات، وإضعاف السيادة، وتعزيز نفوذ الجهات غير الحكومية. ولذلك يمتلك البلدان دوافع قوية لتحسين التنسيق وتعزيز الرقابة. ورغم أن التقدم لا يزال متفاوتاً وأن المصالح الراسخة تواصل مقاومة الإصلاح، فإن الاتجاه الاستراتيجي يعكس تقارباً متزايداً في الأولويات كان من الصعب تخيله في ظروف سابقة.
يشكل التحول في موقع حزب الله سمةً أساسية أخرى من سمات البيئة الجديدة. فعلى مدى سنوات طويلة، احتلت المنظمة موقعاً فريداً ضمن توازن القوى الإقليمي. فقد أتاحت لها قدراتها العسكرية ونفوذها السياسي وعلاقتها بإيران أن تؤدي دوراً مزدوجاً بوصفها فاعلاً لبنانياً وقوة إقليمية في آن واحد. ولعبت سوريا دوراً محورياً في الحفاظ على هذا الموقع من خلال عملها كجسر لوجستي بين طهران وجنوب لبنان. وكانت عمليات نقل الأسلحة، والدعم المالي، وبرامج التدريب، والتنسيق العملياتي تعتمد بدرجة كبيرة على الوصول إلى الأراضي السورية.
وقد أدى انهيار نظام الأسد إلى تعطيل هذا الترتيب على مستوى جوهري. فالسلطات الجديدة في دمشق أظهرت اهتماماً محدوداً بالحفاظ على الآليات التي تربط سوريا بصراعات الوكلاء الإقليمية. وتتمحور أولوياتها حول إعادة بناء الدولة، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، وتحقيق التعافي الاقتصادي. وتتطلب هذه الأهداف قدراً من الاستقرار والانخراط الدولي يصعب التوفيق بينه وبين المشاركة في مواجهات إقليمية أوسع تشمل إيران وحلفاءها.
وزادت العمليات العسكرية الإسرائيلية من تعقيد التحديات التي يواجهها حزب الله. فسنوات من الضربات الموجهة ضد البنية التحتية، وشبكات الإمداد اللوجستي، ومستودعات الأسلحة، والقيادات العليا، فرضت على التنظيم أثماناً كبيرة. وكان الأثر التراكمي لذلك يتمثل في تآكل تدريجي للعمق الاستراتيجي والمرونة العملياتية. وعلى الرغم من أن حزب الله ما يزال قوة مؤثرة داخل لبنان، فإنه يعمل اليوم في بيئة مختلفة بصورة جوهرية. فقد أدى ضعف هياكل الدعم السورية واستمرار الضغوط الإسرائيلية إلى تضييق نطاق الخيارات المتاحة أمام قيادته.
وتحمل هذه التطورات تداعيات أوسع على النظام السياسي اللبناني. فقد اكتسبت النقاشات المتعلقة بسيادة الدولة، والمسؤوليات الأمنية، والدور المستقبلي للجهات المسلحة غير التابعة للدولة، إلحاحاً جديداً. وأصبحت القضايا التي كانت تُعد في السابق نظرية إلى حد كبير محوراً أساسياً في المناقشات المتعلقة باستقرار لبنان على المدى الطويل وعلاقاته الدولية. وباتت الحكومة في بيروت تمتلك مساحة أكبر لمتابعة سياسات تركز على سلطة المؤسسات والمصلحة الوطنية، رغم استمرار وجود عقبات سياسية كبيرة.
كما أثرت هذه التحولات في مسار الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان. فعلى الرغم من أن التطبيع الرسمي لا يزال احتمالاً بعيد المنال، فإن مجرد وجود تواصل دبلوماسي مستدام يعكس حجم التغيير الإقليمي الجاري. فعلى مدى عقود، تشكلت التفاعلات بين إسرائيل ولبنان بصورة أساسية من خلال الصراع والردع والاتصالات غير المباشرة عبر الوسطاء الدوليين. أما اليوم، فيواجه الطرفان حوافز تدفعهما نحو خفض التوتر ومنع التصعيد.
تسعى لبنان إلى تحقيق الاستقرار بما يدعم التعافي الاقتصادي والإصلاح المؤسسي، في حين تسعى إسرائيل إلى ضمان الأمن على حدودها الشمالية وتقليص التهديدات المرتبطة بالبنية العسكرية لحزب الله. وتجري المناقشات المتعلقة بالترتيبات الحدودية، والآليات الأمنية، وإدارة النزاعات، في سياق يختلف جذرياً عن المراحل السابقة. وقد أدى تراجع النفوذ السوري وضعف حزب الله إلى توسيع نطاق الخيارات الدبلوماسية المتاحة أمام صانعي القرار اللبنانيين، حتى مع استمرار الحساسيات الداخلية التي تحد من وتيرة ومدى هذا الانخراط.
ويكشف موقف سوريا من هذه التطورات حجم التحول الذي شهدته هي الأخرى. فقد كانت الحكومات السورية السابقة تنظر إلى المواجهة مع إسرائيل باعتبارها عنصراً محورياً في استراتيجيتها الإقليمية، وكانت غالباً ما تتعامل مع الشأن اللبناني من هذا المنظور. أما القيادة السورية الجديدة فتعمل ضمن مجموعة مختلفة من القيود والأولويات.
فإعادة الإعمار الاقتصادي تتطلب استثمارات أجنبية، ومساعدات إنسانية، والوصول إلى الأسواق الدولية. كما أن تحقيق الاستقرار السياسي يعتمد على خفض التوترات الخارجية وتجنب الانخراط في صراعات قد تعرقل جهود التعافي. ونتيجة لذلك، اتسم رد فعل سوريا تجاه تطور الاتصالات الإسرائيلية اللبنانية بالهدوء والبراغماتية. ولا تزال دمشق تتابع التطورات الإقليمية عن كثب، إلا أن اهتمامها الرئيسي ينصب على الحفاظ على الظروف الملائمة لإعادة بناء الدولة السورية. ويعكس هذا التوجه تحولاً عميقاً عن الافتراضات الاستراتيجية التي وجهت السياسة السورية خلال معظم العقود الخمسة الماضية.
وتزداد الاعتبارات الاقتصادية أهمية في تشكيل العلاقات بين بيروت ودمشق. فكلا البلدين يواجه تحديات هيكلية عميقة لا يمكن معالجتها عبر الخطاب السياسي وحده. ولا يزال لبنان يعاني من الانهيار المالي، وتدهور البنية التحتية، والشلل المؤسسي، وتراجع مستويات المعيشة. وفي المقابل، تواجه سوريا عبئاً هائلاً يتمثل في إعادة بناء المدن وشبكات النقل والمنشآت الصناعية والخدمات العامة التي تضررت بفعل سنوات الصراع.
ولا تمتلك أي من الحكومتين الموارد الكافية لتلبية هذه الاحتياجات بصورة مستقلة. ولذلك باتت التجارة عبر الحدود، والتعاون في مجال الطاقة، وربط شبكات النقل، والاستثمارات التجارية، تحتل موقعاً متزايد الأهمية في النقاشات السياسية. وتوفر الجغرافيا أساساً طبيعياً لهذا التعاون الاقتصادي. فالموانئ اللبنانية تتيح الوصول إلى الأسواق الدولية، في حين تخلق احتياجات إعادة الإعمار في سوريا طلباً متزايداً على السلع والخدمات والخبرات. كما أن تعزيز التعاون الاقتصادي يحمل إمكانية تحقيق منافع متبادلة، مع تقليل الاعتماد على الشبكات غير الرسمية التي لطالما أسهمت في إضعاف سلطة الدولة.
لا تزال قضية اللاجئين واحدة من أكثر جوانب العلاقة الثنائية حساسية. إذ يستضيف لبنان أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين، وقد شكّل وجودهم ضغطاً كبيراً على الموارد العامة، وأسواق العمل، والتماسك الاجتماعي. وعلى مدى سنوات، أكدت الحكومات اللبنانية المتعاقبة أن حجم النزوح يفوق قدرة البلاد على الاستيعاب.
وقد أتاح التغيير السياسي في سوريا إمكانيات جديدة فيما يتعلق بعمليات العودة الطوعية وجهود إعادة اللاجئين بصورة منسقة. ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات عملية عديدة، من بينها المخاوف الأمنية، ونقص المساكن، والصعوبات الاقتصادية، والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية داخل سوريا نفسها. ورغم ذلك، شهد النقاش حول هذه القضية تحولاً ملحوظاً. فالحكومتان تنظران بشكل متزايد إلى إدارة ملف اللاجئين باعتباره مجالاً يتطلب تعاوناً مستداماً وتخطيطاً طويل الأمد.
كما يولي الفاعلون الدوليون اهتماماً كبيراً لهذا الملف، إدراكاً منهم أن التوصل إلى حلول ناجحة قد يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع. وتتجاوز هذه المسألة الأبعاد الإنسانية البحتة، لتلامس قضايا التعافي الاقتصادي، والتوازن الديموغرافي، والشرعية السياسية في كلا البلدين.
وتتكيف القوى الخارجية أيضاً مع هذه الوقائع المتغيرة. فقد أبدت دول الخليج اهتماماً متزايداً بدعم جهود إعادة الإعمار والاستثمار وتحقيق الاستقرار السياسي في بلاد الشام. ويعكس هذا الانخراط رغبة في التأثير على مخرجات المرحلة الانتقالية وتشجيع نشوء حكومات تركز على التنمية الاقتصادية وبناء مؤسسات الدولة.
وفي الوقت ذاته، تواصل تركيا متابعة التطورات عن كثب، ولا سيما في ضوء مصالحها في شمال سوريا ونفوذها الإقليمي الأوسع. أما الحكومات الأوروبية فتنظر إلى استقرار لبنان وسوريا باعتباره عاملاً مهماً في إدارة ضغوط الهجرة ومنع عودة الصراعات. بينما تواصل الولايات المتحدة التركيز على الهواجس الأمنية، وأهداف مكافحة الإرهاب، واحتواء الجهات التي تعتبرها عوامل عدم استقرار.
ويؤكد هذا التلاقي في الاهتمام الدولي الأهمية الاستراتيجية التي تحتفظ بها بلاد الشام في مرحلة تشهد إعادة تقييم واسعة للفرضيات التي حكمت المنطقة لعقود.
وربما تكون إيران الطرف الذي يواجه أكبر عملية إعادة تموضع استراتيجية. فعلى مدى سنوات طويلة، استند جزء مهم من نفوذها الإقليمي إلى شبكة من الشراكات امتدت عبر العراق وسوريا ولبنان. وقد أدى انهيار حكومة الأسد وضعف حزب الله إلى تعقيد هذا الإطار بصورة كبيرة.
ولا تزال طهران تحتفظ بعلاقات ونفوذ وأدوات تأثير في أنحاء مختلفة من المنطقة، إلا أن قدرتها على إسقاط نفوذها عبر القنوات التقليدية تراجعت مقارنة بالماضي. وتبدو السلطات الجديدة في دمشق مصممة على انتهاج سياسة خارجية تستند إلى أولويات إعادة الإعمار والمصلحة الوطنية أكثر من استنادها إلى الاصطفافات الأيديولوجية.
وفي الوقت نفسه، يشهد المشهد السياسي اللبناني تغيرات تفرض تحديات جديدة على الاستراتيجية الإيرانية. ولا يعني ذلك اختفاء النفوذ الإيراني، الذي لا يزال مؤثراً في العديد من الملفات، لكنه يشير إلى أن البيئة الإقليمية أصبحت أقل ملاءمة للهياكل والترتيبات التي دعمت موقع طهران في بلاد الشام خلال العقود الماضية.
ويكتسب البعد العسكري لهذه التحولات أهمية خاصة، لأنه يؤثر في حسابات جميع الأطراف الرئيسية العاملة في المنطقة. فطوال سنوات، استندت معادلات الأمن الإقليمي إلى افتراضات تتعلق بتحالف سوريا مع إيران، واستمرار تدفق الدعم إلى حزب الله، ووجود محور مقاومة متماسك نسبياً يمتد من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط.
إلا أن هذه الافتراضات لم تعد تحظى بالوزن نفسه. فصناع القرار الاستراتيجي في بيروت ودمشق والقدس وواشنطن وأنقرة وعواصم الخليج يعملون اليوم ضمن بيئة أكثر سيولة وتغيراً. وتبرز شراكات جديدة، فيما تخضع الخصومات القديمة لإعادة تقييم، كما تزداد أهمية الصمود الاقتصادي والاستقرار الداخلي بوصفهما عنصرين أساسيين في الأمن القومي.
والنتيجة هي مشهد إقليمي لا يزال يتسم بالتقلب، لكنه يتيح في الوقت ذاته فرصاً لمبادرات دبلوماسية واقتصادية كان من الصعب تصورها قبل سنوات قليلة فقط.
أما العلاقة الناشئة بين لبنان وسوريا فما تزال في طور التشكل، وتخضع لتأثيرات عدم اليقين وتضارب المصالح والقضايا العالقة. ولم تختفِ المظالم التاريخية، كما أن نقاط الضعف البنيوية التي تؤثر في البلدين ما تزال قائمة. غير أن الأسس التي قام عليها النظام السابق تغيرت بصورة لا رجعة فيها.
فلم تعد سوريا في موقع يسمح لها بممارسة الهيمنة على لبنان بالطريقة التي ميزت العقود الماضية. كما أن لبنان يتجه بصورة متزايدة نحو انتهاج سياسة خارجية تستند إلى اعتبارات المصلحة الوطنية والضرورات الاقتصادية. وفي المقابل، يواجه حزب الله ضغوطاً تحد من هامش حركته، بينما تواصل المبادرات العسكرية والدبلوماسية الإسرائيلية التأثير في الحسابات الإقليمية.
وفي هذا السياق، باتت ملفات التعاون الاقتصادي، وإدارة الحدود، وسياسات اللاجئين، وجهود إعادة الإعمار، تتحول تدريجياً إلى المحاور الرئيسية للتفاعل بين بيروت ودمشق. وتدخل بلاد الشام مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقات وفق اعتبارات عملية، وموازين قوى متغيرة، وسعي مشترك نحو الاستقرار بعد سنوات طويلة من الاضطرابات.
ورغم أن التداعيات الكاملة لهذه التحولات قد تحتاج إلى سنوات حتى تتضح بصورة نهائية، فإن الاتجاه العام أصبح واضحاً بالفعل من خلال التحول الذي تشهده إحدى أكثر العلاقات الجيوسياسية تأثيراً وأهمية في الشرق الأوسط.




