تقارير

بين الاعتراف الثقافي والضمان الدستوري… ماذا يكشف الجدل حول اللغة الكردية في سوريا الجديدة؟

في تقرير لموقع الحرة، شدد الموقع على أنه بعد عقود من إنكار اللغة والهوية الكردية في سوريا، بدا المرسوم الرئاسي رقم 13 الصادر مطلع العام الجاري خطوة مهمة في تاريخ العلاقة بين الدولة السورية والكرد. فالرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع اعترف بالكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، كما اعتبر لغتهم وثقافتهم جزءاً من الهوية الوطنية السورية.

لكن رغم الترحيب النسبي بهذه الخطوة، سرعان ما ظهر سؤال أكبر داخل الأوساط الكردية: هل يكفي الاعتراف الثقافي وحده، أم أن القضية تحتاج إلى ضمانات دستورية وسياسية أعمق؟

اللافتات… بداية أزمة أكبر

لم يقتصر الجدل على النصوص القانونية أو المراسيم الرسمية، بل انتقل سريعاً إلى الشارع.

فمع إزالة لافتات مكتوبة بالكردية والعربية من عدد من المؤسسات في شمال شرق سوريا، واستبدالها بلافتات بالعربية والإنكليزية، اندلعت احتجاجات واعتصامات وإضرابات في عدة مناطق كردية.

بالنسبة للكثير من السكان والناشطين، لم تكن القضية مجرد “لافتات”، بل اختباراً حقيقياً لمدى جدية دمشق في تطبيق الاعتراف باللغة الكردية على أرض الواقع.

ورأى كثيرون أن أي اعتراف لا يُثبَّت في الدستور قد يبقى مؤقتاً وقابلاً للتراجع مع تغير الظروف السياسية أو تبدل السلطة.

من قضية ثقافية إلى معركة سياسية

ورغم أن الجدل بدأ حول اللغة والتعليم، إلا أن النص يكشف أن الخلاف الحقيقي أعمق بكثير من ذلك.

فالقوى الكردية لا تطالب فقط بالاعتراف باللغة الكردية، أو تدريسها في المدارس، أو حماية التراث الثقافي،  بل تطالب أيضاً بـ:اعتراف دستوري بالكرد كقومية، واعتماد نظام لا مركزي،  وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية،  وضمان شراكة سياسية حقيقية داخل مؤسسات الدولة السورية.  

وهنا يتحول ملف اللغة من قضية ثقافية إلى معركة تتعلق بشكل الدولة السورية المقبلة.

مخاوف كردية من “الاعتراف الشكلي”

وبحسب تقرير “الحرة” يظهر بوضوح وجود مخاوف كردية من أن تتحول الوعود الرسمية إلى مجرد اعتراف ثقافي محدود، دون أي انعكاس سياسي أو دستوري فعلي.

ويبرز هذا القلق خصوصاً مع استمرار المفاوضات بين دمشق و”قسد”، والتي تركز حتى الآن على:

•           دمج المؤسسات

•           عودة مؤسسات الدولة

•           السيطرة على النفط والمعابر

•           وترتيبات دمج قوات سوريا الديمقراطية.

وبينما ترى دمشق أن المرحلة الحالية تحتاج إلى بناء ثقة تدريجي، يخشى كثير من الكرد من أن يؤدي التركيز على الملفات العسكرية والإدارية إلى تأجيل القضية الأساسية: موقع الكرد في الدستور الجديد.

صراع حول شكل الدولة

يكشف التقرير أيضاً عن صراع سياسي واضح بين رؤيتين مختلفتين لسوريا المستقبل:

رؤية دمشق تعتمد على:

المواطنة العامة وحقوق متساوية لجميع السوريين دون تخصيص قومي أو إداري لأي مكون.

بينما الرؤية الكردية ترى أن:

المساواة العامة لا تكفي وأن للكرد قضية قومية خاصة تحتاج إلى ضمانات دستورية واضحة،  مع نظام لا مركزي يضمن الإدارة المحلية والشراكة السياسية.

وهنا يظهر السؤال الأهم:

هل ستبنى سوريا الجديدة على مفهوم “الدولة المركزية” أم على “الشراكة بين المكونات”؟

الذاكرة التاريخية… سبب القلق الحالي

التقرير أعاد التذكير بتاريخ طويل من السياسات التي استهدفت الكرد في سوريا، بدءاً من: إحصاء 1962،  وتجريد آلاف الكرد من الجنسية، وصولاً إلى سياسات حزب البعث التي منعت اللغة الكردية والأنشطة الثقافية.

ويؤكد التقرير أن المخاوف الكردية الحالية ليست مرتبطة بالمرحلة الانتقالية فقط، بل مبنية على تجربة تاريخية طويلة مع الدولة السورية.

هل تعود المركزية بثوب جديد؟

وحذر التقرير من إعادة إنتاج المركزية القديمة، حتى لو جرى ذلك بخطاب سياسي جديد.

فالكثير من القوى الكردية ترى أن الاعتراف الثقافي وحده قد يتحول إلى غطاء لتجنب تقديم أي اعتراف سياسي حقيقي، خاصة في ظل مخاوف من تراجع الإدارة الذاتية بعد إعادة دمج المؤسسات ضمن الدولة السورية.

ولهذا تعتبر القوى الكردية أن المعركة الأساسية ليست على اللافتات أو المناهج فقط، بل على:شكل الحكم، وصلاحيات الإدارة المحلية،  وضمان الحقوق دستورياً.

الدستور… المعركة القادمة

ويكشف التقرير أن الصراع الحقيقي في سوريا الجديدة قد لا يكون عسكرياً بقدر ما سيكون دستورياً وسياسياً.

فاللغة الكردية أصبحت عنواناً لمعركة أوسع تتعلق بـ:الهوية، واللامركزية،  والتمثيل،  وطبيعة النظام السياسي المقبل.

وبينما ترى دمشق أن المساواة العامة تكفي لبناء دولة جديدة، يخشى الكرد أن تتحول هذه “العمومية” إلى وسيلة جديدة لتجاوز الاعتراف بقضيتهم السياسية والقومية.

ولهذا، بالنسبة لكثير من الكرد، فإن المرسوم الرئاسي كان خطوة مهمة، لكنه ليس النهاية، بل بداية معركة أكبر عنوانها:

هل ستعترف سوريا الجديدة بتعددها الحقيقي داخل الدستور، أم ستكتفي بوعود قابلة للتغيير؟

مصدر التقرير: الحرة

زر الذهاب إلى الأعلى