آراء وتحليلات

مناورة روسيا في طرطوس.. بوابة تجارية وشريان للالتفاف على العقوبات وترسيخ النفوذ العسكري

إيرينا تسوكرمان

من القاعدة العسكرية إلى مركز اقتصادي

تمثل الخطة الروسية لإنشاء مركز لوجستي في ميناء طرطوس محاولة لتحويل التراجع في النفوذ العسكري داخل سوريا إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد. وتقضي الخطة بإنشاء مركز توزيع روسي على الرصيف رقم (4) داخل المنطقة البحرية المقيدة، مع تخصيص الرصيف المجاور للأنشطة العسكرية.

وتتحدث الخطة عن نقل نحو 250 ألف طن من البضائع شهرياً عبر خط ملاحي منتظم ينطلق من ميناء نوفوروسيسك الروسي، ويشمل الحبوب والزيوت والأخشاب والحديد والفحم ومواد أولية أخرى، على أن يكون العراق والأردن أولى الوجهات، قبل التوسع نحو أسواق الخليج.

ورغم نفي الهيئة العامة للموانئ السورية صدور موافقة رسمية على المشروع، فإن تفاصيله المتعلقة بمسار النقل، وطبيعة البضائع، وآلية الإدارة، وموقع التنفيذ، تشير إلى أن المشروع تجاوز مرحلة الفكرة ووصل إلى مستوى متقدم من التخطيط.

روسيا تتأقلم مع سوريا الجديدة

يعكس المشروع تحولاً في الاستراتيجية الروسية بعد سقوط نظام بشار الأسد. فموسكو التي اعتادت التعامل مع سوريا باعتبارها حليفاً أمنياً يعتمد عليها بصورة كاملة، وجدت نفسها أمام حكومة جديدة أعادت فتح قنواتها مع الولايات المتحدة، واستقطبت استثمارات خليجية، ووسعت شراكاتها الأمنية والاقتصادية مع تركيا، بينما تسعى إلى تحويل موقع سوريا الجغرافي إلى مركز إقليمي للتجارة والاستثمار.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الهدف الروسي الحفاظ على قاعدة بحرية فحسب، بل جعل الوجود الروسي جزءاً من الاقتصاد السوري، بحيث يصبح الاستغناء عنه مكلفاً سياسياً واقتصادياً. فبدلاً من الاعتماد على النفوذ العسكري وحده، تعمل موسكو على ربط وجودها بإمدادات الغذاء والطاقة، وتشغيل الموانئ، وفرص العمل، وإيرادات الجمارك، وحركة التجارة.

شبكة مصالح أكثر رسوخاً من القواعد العسكرية

الميزة الأساسية لهذا المشروع تكمن في أن النفوذ الاقتصادي أكثر استدامة من الوجود العسكري المباشر. فالقاعدة العسكرية يمكن أن تصبح موضوعاً للمفاوضات أو الضغوط السياسية، أما شبكة المصالح التجارية فتخلق عقوداً واستثمارات ورواتب ووظائف وشركات محلية تعتمد على استمرار النشاط الروسي.

ومع مرور الوقت، تتوسع دائرة المستفيدين داخل سوريا من استمرار عمل المركز اللوجستي، ما يمنح موسكو مبرراً أقوى للإبقاء على وجودها البحري. كما أن المنشأة التجارية والقاعدة العسكرية ستتقاسمان البنية التحتية نفسها، بما يشمل شبكات الاتصالات، والوقود، وأعمال الصيانة، والحماية الأمنية، ومرافق الشحن والتفريغ، الأمر الذي يعزز قدرة روسيا على الحفاظ على وجودها بأقل تكلفة سياسية.

الالتفاف على العقوبات عبر البوابة السورية

يمثل مركز طرطوس أيضاً أداة لتخفيف تأثير العقوبات الغربية على روسيا، عبر إنشاء شبكة تجارة إقليمية تعمل خارج المنظومة المالية الغربية.

فبعد رفع معظم العقوبات الأميركية عن سوريا عام 2025، أصبحت المصارف السورية وشركات النقل والجهات الاستثمارية قادرة على العمل بحرية أكبر مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يتيح للشركات الروسية استخدام شركات سورية وسيطة، وتأسيس مشاريع مشتركة، واعتماد المدفوعات بعملات غير الدولار، وإجراء صفقات مقايضة أو تمويل عبر مصارف خارج نطاق العقوبات الغربية.

وتستند الخطة إلى التركيز على السلع التي يصعب فرض قيود عليها، مثل القمح والحبوب والأعلاف، والتي غالباً ما تُستثنى من العقوبات، مع دمجها بمواد أخرى مثل الحديد والأخشاب والآليات ومواد البناء، بما يسمح بالحفاظ على تدفق التجارة بصورة منتظمة وتقليل تكاليف النقل.

كما يتيح المركز إعادة تعبئة البضائع أو تغيير وثائقها التجارية داخل سوريا قبل إعادة تصديرها إلى العراق أو الأردن أو دول الخليج، الأمر الذي يزيد من تعقيد تتبع منشأ البضائع الروسية، حتى وإن بقي جزء كبير من هذه العمليات ضمن الأطر القانونية.

غير أن هذه الآلية لا تمنح روسيا حصانة كاملة، إذ باتت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يفرضان عقوبات على المصارف وشركات النقل والموانئ في الدول الثالثة التي تساعد موسكو على الالتفاف على العقوبات. وبالتالي، فإن أي استخدام لميناء طرطوس لخدمة كيانات روسية خاضعة للعقوبات أو لنقل معدات عسكرية قد يعرض الميناء نفسه للعقوبات، ويهدد قدرة سوريا على جذب الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها في مرحلة إعادة الإعمار.

ميناء تجاري بقدرات عسكرية

رغم أن المشروع يُقدم باعتباره مبادرة تجارية، فإن تشغيل رصيف تجاري داخل المنطقة البحرية العسكرية في طرطوس يمنحه بطبيعته استخداماً مزدوجاً، مدنياً وعسكرياً. فالخط البحري المنتظم بين نوفوروسيسك وطرطوس سيؤمن تدفقاً دائماً للسفن الروسية، وفرق الصيانة، وشبكات الاتصالات، والوقود، والمستودعات، ومعدات المناولة، وهي جميعها عناصر تدعم أيضاً استمرارية القاعدة البحرية الروسية.

ولا يتطلب هذا الاستخدام المزدوج نقل أسلحة بصورة دائمة، إذ يمكن للمواد المدنية، مثل الوقود، والصلب، والأخشاب، ومواد البناء، والمولدات، وقطع الغيار، والآليات، أن تخدم في الوقت نفسه مشاريع إعادة الإعمار واحتياجات المنشآت العسكرية. كما تسمح حركة السفن التجارية المنتظمة بإخفاء أي نشاط عسكري ضمن حركة النقل الاعتيادية، مع توفير إمكانات إضافية للمراقبة البحرية وجمع المعلومات وتعزيز الحضور الروسي في شرق المتوسط وشمال أفريقيا والبحر الأحمر.

ولا توجد أدلة علنية تؤكد أن المركز اللوجستي سيستخدم لنقل الأسلحة، لكن مجرد وجود منشأة تجارية داخل قاعدة بحرية يتيح لروسيا الاستفادة من هذه الإمكانية متى توفرت الظروف السياسية. وقد اعتمدت موسكو سابقاً على شركات مدنية وسفن تجارية وشبكات تعاقد معقدة لدعم أهدافها الأمنية خارج حدودها، ويمنحها مشروع طرطوس فرصة للحفاظ على وجودها العسكري تحت مظلة مشروع اقتصادي مرتبط بالغذاء وإعادة الإعمار.

كما سيؤدي المشروع إلى تداخل الحدود بين الكوادر المدنية والعسكرية، إذ سيعمل مهندسو الميناء، وخبراء الاتصالات، وفرق الصيانة، وشركات الأمن، ووكلاء الشحن، على تشغيل بنية تحتية يمكن استخدامها لدعم السفن العسكرية الروسية عند الحاجة، حتى في غياب أي شحنات ذات طبيعة عسكرية.

ماذا ستجني سوريا؟

يمثل المشروع فرصة اقتصادية لا يمكن تجاهلها بالنسبة لدمشق، التي لا تزال تواجه بنية تحتية مدمرة، وأزمة كهرباء، وضعفاً في المالية العامة، وهشاشة في الأمن الغذائي.

وتعتمد سوريا بدرجة كبيرة على الواردات الروسية، إذ وفرت موسكو نحو 85 في المئة من واردات القمح السورية خلال موسم 2025-2026، كما ارتفعت صادرات النفط الخام الروسية إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً مطلع عام 2026.

ومن شأن تشغيل خط ملاحي منتظم أن يضمن استقرار الإمدادات الغذائية والطاقة، ويخفض تكاليف النقل، ويحسن المخزون الاستراتيجي، كما يمنح الحكومة السورية قدرة أكبر على التفاوض مع الموردين الآخرين.

إلى جانب ذلك، سيوفر المركز اللوجستي إيرادات من رسوم الموانئ والجمارك والتخزين، إضافة إلى عقود النقل والخدمات الأمنية وفرص العمل في مدينة طرطوس. كما أن إدارة المشروع بالشراكة مع الصندوق السيادي السوري تمنح دمشق حصة مالية مباشرة، وتتيح لها الاحتفاظ بدور رسمي في الإشراف على المشروع.

وإذا توسعت حركة التجارة باتجاه العراق والأردن والخليج، فقد تستفيد سوريا من تنشيط الطرق البرية، وخطوط السكك الحديدية، والمستودعات، والمناطق الصناعية، والمعابر الحدودية، بما يعزز موقعها كممر تجاري إقليمي.

مكاسب تقابلها مخاطر

لا تقتصر فوائد المشروع على الجانب الاقتصادي، بل تمنح دمشق مساحة أوسع للمناورة بين القوى الدولية والإقليمية.

فالحكومة السورية لا ترغب في أن تعتمد إعادة الإعمار بالكامل على الولايات المتحدة أو دول الخليج أو تركيا، كما لا تريد الوقوع تحت نفوذ طرف واحد. ويوفر استمرار تدفق الغذاء والطاقة من روسيا ورقة تفاوضية تمكنها من تحسين شروطها مع المستثمرين الخليجيين، ودفع تركيا إلى تسريع مشاريع البنية التحتية، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام أكثر من شريك دولي.

لكن هذه المكاسب تقابلها تحديات كبيرة. فقد حصلت شركة DP World الإماراتية بالفعل على امتياز تشغيل وتطوير ميناء طرطوس لمدة 30 عاماً باستثمارات تصل إلى 800 مليون دولار، ما يثير تساؤلات حول كيفية تقاسم الصلاحيات بين الشركة الإماراتية والوجود الروسي داخل الميناء، سواء في إدارة الأرصفة، أو تحصيل الإيرادات، أو الرقابة الجمركية، أو الأمن السيبراني، أو حدود الصلاحيات المدنية والعسكرية.

كما أن اعتماد سوريا المتزايد على روسيا في القمح والنفط والنقل البحري قد ينقلها من تبعية سياسية سابقة إلى تبعية اقتصادية جديدة، يصعب التخلص منها مستقبلاً.

لذلك ستسعى دمشق إلى تحقيق توازن دقيق، يسمح لها بالاستفادة من الإمدادات والاستثمارات الروسية، مع الحفاظ على سيطرتها الرسمية على الجمارك، وإدارة الميناء، والقرارات التجارية، إلا أن تحقيق هذا التوازن سيكون أكثر تعقيداً في ظل وجود منطقة بحرية مغلقة تمتلك فيها روسيا خبرة تشغيلية ونفوذاً أمنياً واسعاً.

تركيا… بوابة المشروع وحارس الممرات

أي مشروع يربط ميناء نوفوروسيسك الروسي بطرطوس لا يمكن أن يتجاهل الدور التركي، الذي أصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل سوريا الاقتصادي والأمني.

فأنقرة عززت حضورها في السوق السورية بعد سقوط نظام الأسد، ووسعت استثماراتها، وتشارك في مشاريع إعادة الإعمار، كما تواصل تدريب ودعم القوات المسلحة السورية. وفي الوقت نفسه، تتحكم تركيا بالمعبر التجاري الرئيسي شمال سوريا، وتمثل الحلقة الأساسية في مشاريع الربط السككي التي تستهدف وصل الخليج والأردن وسوريا بأوروبا.

وتكتسب تركيا نفوذاً إضافياً بحكم سيطرتها على المضائق التركية، التي تعبرها جميع السفن القادمة من ميناء نوفوروسيسك نحو البحر المتوسط. ورغم أن حركة الملاحة تخضع لاتفاقيات دولية، فإن أنقرة تمتلك أدوات سياسية وأمنية وتنظيمية تمنحها قدرة كبيرة على التأثير في حركة التجارة الروسية.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو موسكو بحاجة إلى تفاهم مستمر مع تركيا، يسمح بتدفق السلع الروسية إلى الأسواق العربية، مقابل احتفاظ الشركات التركية بالدور الأكبر في مشاريع البناء، والصناعات التحويلية، والنقل، وربط سوريا بالأسواق الأوروبية.

وقد تجد أنقرة مصلحة في الإبقاء على حضور روسي محدود يساهم في استقرار الإمدادات الغذائية والطاقة إلى سوريا، شريطة ألا يتحول هذا الوجود إلى تهديد لمصالحها الأمنية أو الاقتصادية. فمنذ سنوات، تدير تركيا وروسيا علاقة تقوم على المنافسة والتعاون في آن واحد، وهو نموذج قد يتكرر في طرطوس.

كما يمكن أن تستفيد الشركات التركية من حركة البضائع الروسية عبر الأراضي السورية، سواء من خلال عمليات النقل، أو تزويد الأسواق بالمعدات، أو المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار الممولة خليجياً، بما يجعل أنقرة مستفيداً اقتصادياً حتى مع استمرار الحضور الروسي.

لكن هذا التوازن سيصبح هشاً إذا حاولت موسكو استخدام طرطوس لإعادة بناء شبكة عسكرية مستقلة، أو عرقلة التعاون الدفاعي بين دمشق وأنقرة، أو منافسة الشركات التركية على عقود النقل والموانئ. لذلك ستبقى المشاركة الروسية، من وجهة النظر التركية، مقبولة فقط ما دامت لا تمس الدور المحوري الذي تسعى أنقرة لترسيخه في سوريا.

التنافس على الممر السعودي

بالتوازي مع ذلك، تعمل السعودية وتركيا على دراسة مشروع خط سكك حديدية يربط المملكة بأوروبا مروراً بالأردن وسوريا، مع توقعات بإنجازه خلال ثلاث إلى أربع سنوات.

وترافق ذلك مع توسع الاستثمارات السعودية في سوريا، التي شملت قطاعات الاتصالات والطيران والطاقة والمياه والمطارات، إضافة إلى مشروع SilkLink الذي يهدف إلى تحويل سوريا إلى جسر رقمي يربط آسيا بأوروبا.

وفي المقابل، يعمل العراق على تطوير طرق جديدة لتصدير النفط والوقود عبر الأراضي السورية وموانئ البحر المتوسط، ما يخلق شبكة نقل إقليمية جديدة تمتد من الخليج إلى المتوسط.

وترغب روسيا في أن يكون ميناء طرطوس إحدى البوابات الرئيسية لهذه الشبكة، إذ تستهدف صادراتها أسواق العراق والأردن والسعودية والكويت وقطر والبحرين، بما يسمح للحبوب والمنتجات النفطية والحديد والأخشاب الروسية بالدخول إلى سلاسل الإمداد الإقليمية.

وبذلك تصبح موسكو مستفيدة من ممرات تمولها دول ترتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب، دون أن تتحمل تكلفة إنشائها أو مسؤولية تأمينها سياسياً.

شروط خليجية صارمة

لكن من غير المرجح أن تمنح الرياض هذا الدور لروسيا دون ضوابط واضحة.

فالسعودية تسعى إلى إنشاء ممرات تجارية تجذب الاستثمارات العالمية، وتقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزز التكامل الاقتصادي مع تركيا وأوروبا، بينما يمثل وجود منطقة روسية داخل قاعدة عسكرية مصدر قلق بسبب مخاطر العقوبات، وضعف الشفافية، وإمكانية توظيف المشروع لتحقيق مكاسب استراتيجية لموسكو.

ولهذا قد تطالب السعودية والإمارات بفصل النشاط الروسي عن بقية الميناء، وفرض رقابة جمركية دقيقة، وإجراءات تفتيش واضحة، وضمان عدم تعامل المشروع مع كيانات أو سفن خاضعة للعقوبات الدولية.

ويضيف العراق بعداً آخر لهذا المشهد، إذ يسعى إلى توسيع صادراته النفطية عبر سوريا، ما قد يجعل ميناء طرطوس نقطة التقاء بين التجارة العراقية والخليجية والروسية، ويمنح موسكو منفذاً غير مباشر إلى أحد أهم الممرات التجارية الجديدة في المنطقة.

وفي حال نجحت دمشق في إدارة هذا التوازن، فقد تتحول سوريا إلى نقطة التقاء للمصالح الدولية؛ فروسيا تؤمن جزءاً من حركة البضائع، وDP World تطور الميناء، والسعودية تمول مشاريع الربط الإقليمي، وتركيا تفتح الطريق نحو أوروبا، بينما يستخدم العراق الأراضي السورية للوصول إلى البحر المتوسط.

إلا أن غياب الرقابة الفعالة قد يحول طرطوس إلى منطقة متنازع عليها، تتداخل فيها الامتيازات التجارية مع الاعتبارات العسكرية، وتتزايد فيها مخاطر الفساد والالتفاف على العقوبات، بما يهدد المشروع الإقليمي بأكمله.

الخلاصة: طرطوس… أكثر من ميناء

في جوهره، لا يقتصر مشروع طرطوس على إنشاء مركز لوجستي أو توسيع نشاط ميناء تجاري، بل يمثل محاولة روسية لإعادة صياغة حضورها في سوريا بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد.

فبدلاً من الاعتماد على النفوذ العسكري وحده، تسعى موسكو إلى ترسيخ وجودها داخل مفاصل الاقتصاد السوري، عبر ربط مصالحها بحركة التجارة، وإمدادات الغذاء والطاقة، والخدمات اللوجستية، بحيث يصبح استمرار وجودها جزءاً من احتياجات الاقتصاد السوري، وليس مجرد مسألة عسكرية أو سياسية.

وفي المقابل، تنظر دمشق إلى المشروع باعتباره فرصة للحصول على إمدادات مستقرة من القمح والطاقة، وزيادة إيرادات الموانئ والجمارك، وجذب الاستثمارات، مع تعزيز موقع سوريا كممر تجاري يربط الخليج والعراق وشرق المتوسط وأوروبا. كما يمنحها المشروع مساحة أوسع للموازنة بين القوى الدولية والإقليمية، بحيث لا تبقى إعادة الإعمار رهينة شريك واحد.

لكن نجاح هذه المعادلة يتوقف على قدرة الحكومة السورية على إدارة توازن شديد الحساسية بين المصالح المتنافسة. فمن جهة، يوجد الاستثمار الإماراتي الكبير في تطوير ميناء طرطوس، والمشاريع السعودية الهادفة إلى إنشاء ممرات تجارية جديدة، والدور التركي المتنامي في الاقتصاد السوري، ومن جهة أخرى تسعى روسيا إلى الاحتفاظ بموطئ قدم دائم داخل أهم المرافئ السورية.

صراع بين رؤيتين مختلفتين

يكشف المشروع أيضاً عن اختلاف جوهري في أهداف الأطراف المنخرطة فيه.

فالسعودية وتركيا والإمارات وسوريا تنظر إلى ممرات النقل الجديدة باعتبارها أدوات لجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وخفض تكاليف التجارة، وربط المنطقة بالأسواق العالمية.

أما روسيا، فترى في هذه الممرات فرصة لتحقيق أهداف أوسع، تشمل تخفيف أثر العقوبات الغربية، والحفاظ على وجودها العسكري، وتعزيز نفوذها السياسي، وربط مصالح الدول المجاورة باستمرار دورها في سوريا.

وهنا يكمن التحدي الأكبر؛ فنجاح الممرات التجارية يعتمد على الشفافية، وثقة المستثمرين، والانفتاح على النظام المالي العالمي، بينما تستفيد روسيا، إلى حد كبير، من المرونة في شبكات التجارة والتمويل التي تساعدها على تجاوز القيود الغربية.

مستقبل النفوذ الروسي في سوريا

الهدف الروسي يتجاوز تشغيل ميناء أو زيادة حجم التجارة، إذ يتمثل في ضمان استمرار الحضور الروسي داخل سوريا حتى بعد تراجع نفوذها السياسي المباشر.

فإذا أصبح القمح الروسي، وإمدادات الطاقة، وخدمات الشحن، وتشغيل الميناء، عناصر أساسية للاقتصاد السوري، فإن أي محاولة لإنهاء الوجود الروسي ستصبح أكثر تعقيداً وكلفة بالنسبة لجميع الأطراف.

ورغم أن العقوبات الغربية، وقيود التأمين البحري، والرقابة على حركة السفن، ستحد من قدرة موسكو على الاستفادة الكاملة من المشروع، فإن إنشاء شبكة تجارية إقليمية يمنحها أدوات جديدة للحفاظ على نفوذها وتأخير أي محاولات لإقصائها من سوريا.

هل يصبح الوجود الروسي ضرورة اقتصادية؟

سيُقاس نجاح المشروع بالنسبة لروسيا بقدرته على جعل خدماتها وإمداداتها جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في الاقتصاد السوري والإقليمي، بحيث تفضل دمشق، وأنقرة، والرياض، وأبوظبي، وبغداد، تنظيم الوجود الروسي بدلاً من إنهائه.

أما بالنسبة لسوريا، فإن المشروع يحمل في آن واحد فرصاً وتحديات؛ فهو قد يوفر موارد مالية، ويحسن البنية التحتية، ويدعم حركة التجارة، لكنه يفرض أيضاً مسؤولية إدارة نشاط اقتصادي داخل منطقة تضم وجوداً عسكرياً أجنبياً، مع ما يرافق ذلك من تعقيدات سياسية وأمنية.

وفي النهاية، قد يتحول ميناء طرطوس إلى أكثر من مجرد ميناء على البحر المتوسط، ليصبح نقطة التقاء بين مشاريع إعادة إعمار سوريا، والممرات التجارية الإقليمية، والاستثمارات الخليجية، والطموحات التركية، ومحاولة روسيا بناء نفوذ جديد يقوم على الاقتصاد والتجارة بقدر ما يقوم على القوة العسكرية.

زر الذهاب إلى الأعلى