آراء وتحليلات

الانهيار غير المكتمل: النخب المنفية ومعركة مستقبل سوريا

بقلم: إيرينا تسوكرمان

ما يكشفه تقرير رويترز وأهميته

يكشف تقرير نُشر مؤخرًا لوكالة رويترز أن سقوط الأسد لم ينهِ نظام الأسدية، بل نقله إلى خارج البلاد. فمن منفاه في موسكو، ينفق رئيس المخابرات العسكرية السابق كمال حسن وابن عمه الملياردير رامي مخلوف ملايين الدولارات لبناء شبكات قتالية علوية متنافسة في سوريا ولبنان، يتنافسان على السيطرة على شبكة سرية تضم أربعة عشر غرفة قيادة مُجهزة بالأسلحة على طول الساحل السوري.

ويحيط بهما مجموعة أوسع من ضباط الأسد السابقين، وقادة من الرتب المتوسطة، ومديري الأعمال المنتشرين بين سوريا ولبنان وروسيا والإمارات، جميعهم يستغلون نفس المورد القابل للاشتعال: مجتمع علوي مُصاب بصدمة نفسية، تحوّل من ركيزة متميزة للنظام إلى أقلية مُهمشة في ظل حكومة جديدة يهيمن عليها السنة.

هذا الأمر بالغ الأهمية لأنه يكشف أن ما يُوصف غالبًا بسوريا “ما بعد الأسد” هو في الواقع فضاء متنازع عليه، حيث لا تزال البنية التحتية القسرية والمالية للنظام القديم قائمة جزئيًا، مع إعادة توظيف بعضها الآخر.

يتولى الرئيس الجديد، أحمد الشرع – القائد السابق في تنظيم القاعدة الذي أصبح رئيسًا للدولة – الحكم في ظل واقع تم فيه حل الجيش القديم، لكن لم يتم دمج كوادره العلوية بالكامل أو نزع سلاحها. وقد ولّدت عمليات القتل التي وقعت في مارس/آذار الماضي، والتي راح ضحيتها نحو 1500 مدني علوي على يد قوات تابعة للحكومة عقب انتفاضة فاشلة، وما تلاها من موجة اختطاف وقتل، شعورًا عميقًا بالهجران. ويسعى حسن ومخلوف صراحةً إلى تحويل هذا الشعور بانعدام الأمن إلى دافع لتجديد التعبئة ضد الدولة.

التفاعل بين المنفى والبنية العسكرية الكامنة

يُظهر التقرير كيفية تفاعل سياسات المنفى، واللجوء إلى الخارج، والبنية التحتية العسكرية الكامنة. تؤوي موسكو بشار وماهر الأسد، بالإضافة إلى حسن ومخلوف، بينما تستضيف في الوقت نفسه شرعاً وتُظهر تعاونها مع حكومته.

يتمتع المنفيون بحرية كافية لجمع الأموال، وتوسيع شبكاتهم، والتواصل مع الوسطاء، لكنهم في الوقت نفسه مقيدون بما يكفي لكي تتمكن روسيا من قطع وصولهم إذا رأت أن استمرار دعم شرعاً يخدم مصالحها بشكل أفضل، وأن ترسيخ وجودها على الساحل.

في غضون ذلك، تُشيد الولايات المتحدة علنًا بشرعاً باعتباره الرجل الذي أنهى خمسين عامًا من حكم الأسد، حتى في الوقت الذي تُشرف فيه قواته الأمنية على عمليات انتقامية طائفية ومنطقة ساحلية مضطربة. هذا المزيج من التآمر في المنفى، والتحوط الخارجي، وهشاشة الشرعية الداخلية، يُهيئ ظروفًا هيكلية لتجدد الصراع.

نظام انتقالي غير مكتمل

من هذا المنظور، لا يُعدّ تقرير رويترز مجرد قصة رجلين يحاولان العودة إلى السلطة، بل هو صورة تشخيصية لنظام انتقالي يحتفظ فيه نخبة النظام السابق برؤوس أموال خارجية، وشبكات من الأتباع المسلحين غير التائبين، ونفوذ رمزي على أقلية خائفة.

ويُبيّن التقرير كيف أن التسريح غير الكامل، والمظالم المجتمعية العالقة، والجهات الخارجية المتنافسة، تجعل من سوريا “ما بعد الصراع” أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى سلام مستقر، مع احتمال حدوث انتفاضات محلية، وتمرد زاحف، وتقسيم فعلي على أسس مجتمعية وإقليمية.

آثار أعمق لمشروع الانقلاب في المنفى

تغيير النظام في سوريا كان استبدالًا للنخب أكثر منه تحولًا جذريًا للنظام. فقد انتقل مركز السلطة من عائلة الأسد إلى شرع وائتلافه، لكن ثقافة الأمن الأساسية وتكوين النخبة لم يتغير إلا قليلاً.

لا يزال اللاعبون الرئيسيون في الساحة الساحلية هم رؤساء المخابرات السابقون، وأوليغاركيو النظام، وضباط من الرتب المتوسطة، وخالد الأحمد، أحد المقربين السابقين من الأسد، والذي أعيد تقديمه كحلقة وصل علوي في الحكومة الجديدة. تشير غرف القيادة السرية، والميليشيات شبه المسرحة جزئيًا، وشبكات تمويل المنفيين، إلى دولة لا تزال تعتمد على سماسرة مسلحين غير رسميين وشبكات المحسوبية بدلًا من الحكم المؤسسي.

هذا يحد من فرص إقامة نظام شامل حقيقي بقيادة مدنية، فالنظام لا يزال متجذرًا في منطق الميليشيات، وعقد الصفقات، والمساومة القسرية.

أزمة المجتمع العلوي

التداعيات الهيكلية للمجتمع العلوي مأساوية. لعقود، عوملوا كقوة أمنية للنظام، ثم دفعوا ثمنًا باهظًا من الخسائر البشرية والعقوبات أثناء حرب النظام على جزء كبير من مجتمعه.

بعد سقوط الأسد، يواجهون أعمالًا انتقامية، ومجازر جماعية، وتهميشًا اقتصاديًا في ظل حكومة سنية لا تزال تكافح لتوفير الأمن الأساسي. وفي هذا الفراغ، يبرز حسن ومخلوف واعدين بالحماية والكرامة والانتقام. إلا أن هذين الرجلين ساهموا سابقًا في سياسات جرّت العلويين إلى مواجهة وجودية أو استفادوا منها.

استراتيجية استخدام خالد الأحمد كحلقة وصل رئيسية بين النظام والعلويين تُظهر أن الحكومة الجديدة تدرك أن الإدارة القسرية البحتة ستكون كارثية، وتستعمل المنافع المادية والطمأنينة الرمزية لترسيخ العلويين في النظام الجديد، لكنها تعيد إنتاج نموذج الحوكمة الشخصية.

شبكات المنفى وأمن الدولة

استمرار شبكة المخابئ الأربعة عشر يرمز إلى طبيعة الصراع غير المكتملة. فهي مجهزة ببنادق كلاشينكوف وذخيرة ومعدات اتصالات وخرائط، وتُجسد استعداد النظام القديم للانسحاب إلى معقل ساحلي محصن.

للمنفيين، تُعد هذه المخابئ دعامة جاهزة لأي انتفاضة مسلحة أو تمرد مستقبلي؛ وللقادة المحليين، أصولًا لتعزيز قوة المساومة، وللحكومة، خطورة تفكيكها قد تشعل اشتباكات محلية.

البُعد السيبراني وتأثيره

أنشطة حسن السيبرانية تزيد المخاطر: من تجنيد قراصنة سابقين، واختراق أنظمة الدولة، وبيع بيانات مسروقة، إلى استغلال هياكل الاستخبارات القديمة ضد الحكومة الجديدة. هذا يضعف الثقة في مؤسسات الدولة ويعرض المسؤولين للابتزاز، ويؤكد أن حتى بعد فقدان الأراضي، يمكن للمنفيين تشكيل ساحة المعركة رقميًا.

دور روسيا في المشهد السوري

روسيا تتعامل مع الفصائل السورية كأدوات قابلة للاستبدال، مستضيفة بشار وماهر، وحسن ومخلوف، مع احتضان شرع وتنسيق محتمل ضدهما.

الخط الأحمر لروسيا ليس التوجه الأيديولوجي، بل استمرار الوصول إلى قواعدها ونفوذها في شرق المتوسط. وإذا فشل شرع في ضمان مصالح موسكو، يمكن للمنفيين التصرف بحرية أكبر، أما إذا ثبتت موثوقيته، فيمكن تقييدهم.

تكلفة الدعم الدولي وغياب العدالة الانتقالية

الولايات المتحدة تدعم قائد جهادي سابق يقود بيئة أمنية لا تزال وحشية. قوات شرع متورطة في قتل جماعي للعلويين، ما يمنح ذخيرة دعائية لكلا طرفي النزاع.

مع سقوط الأسد، تُرك آلاف الجنود والضباط العلويين بلا مستقبل واضح، ولا شبكات أمان، وأصبحت الأموال المنفية سوقًا مرنة للمشاريع شبه العسكرية، مما أدى إلى اقتصاد ميليشيات تنافسي.

تشرذم المنفى ومخاطر الانفصال الفعلي

التشرذم بين حسن ومخلوف يقلل من احتمالية هجوم ساحلي موحد لكنه يشجع العنف المحلي وظهور أمراء حرب شبه مستقلين. القوى الممولة من الطرفين تنفذ تهريبًا، ابتزازًا، هجمات مستهدفة، وصراعات رمزية مع قوات الدولة، ما يضع الساحل في منطقة رمادية بين سيطرة الدولة والحكم المسلح المجزأ.

موجة احتجاجات علويين نوفمبر بقيادة رجل دين مستقل تُظهر رغبة المجتمع في تمكين حقيقي، بعيدًا عن خيارات المنفى الثنائية.

خلاصة التقرير وأهمية القراءة التحليلية

سوريا تتجه نحو تفتت داخلي فعلي، رغم وجود حكومة مركزية سنية، مع ساحل علوي مسلح وشبكات منفية تمول الهياكل المحلية.

إذا فشلت الدولة في توفير الأمن والفرص الاقتصادية، واستمرت شبكات المنفى بالتمويل والتسليح، فقد يصبح الساحل مساحة سياسية وأمنية منفصلة، مرتبطة بموسكو وممولي المنفى، مع صراع دائم منخفض الحدة على الولاء والسيطرة.

تقرير رويترز ليس مجرد قصة رجلين يسعيان للعودة، بل تحذير من الظروف الهيكلية التي قد تستمر فيها الحرب في سوريا، طالما “المسألة العلوية” تُدار بالمحسوبية والإكراه، والنخب المنفية تحتفظ بالمال والشبكات، والمخابئ السرية وفيلات موسكو وشوارع الساحل تبقى جزءًا من نظام غير مستقر.

زر الذهاب إلى الأعلى