آراء وتحليلات

التفكك الكبير: كيف تعيد ثلاثة تحولات هادئة رسم خريطة سوريا بعد الحرب

بقلم: إيرينا تسوكرمان

تحولات متزامنة تعيد تشكيل المشهد

يتحدد الوضع الراهن في شمال شرقي سوريا من خلال الضعف المتزامن لثلاثة هياكل شكّلت نظام ما بعد تنظيم داعش لنحو سبع سنوات.

الأول هو منظومة الاحتجاز التي كانت تضم عشرات الآلاف من المرتبطين بداعش في مخيمات وسجون تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. والثاني هو شبكة القواعد العسكرية التابعة لـ الولايات المتحدة التي عملت كنقاط ارتكاز للاستقرار في الشرق. والثالث هو البصمة الإقليمية والإدارية لقوات سوريا الديمقراطية نفسها.

هذه الهياكل الثلاثة تنكمش الآن في الوقت ذاته. وعند النظر إلى الأرقام الحديثة، يتضح حجم وسرعة هذا الانتقال.

ما يجري ليس تطورًا تدريجيًا، بل تحولًا بنيويًا سريعًا في المشهد الأمني. ويظهر الأثر التراكمي في تحركات السكان، وانهيارات منظومة الاحتجاز، وانتقال السيطرة على الأراضي. هذه الديناميكيات تعيد بالفعل تشكيل أنماط العنف والحكم والمساءلة في المنطقة، كما تعيد صياغة بيئة المخاطر بالنسبة للمدنيين والفاعلين الخارجيين على حد سواء. إن فهم اللحظة الراهنة يتطلب دمج هذه التطورات الملموسة بدل التعامل معها كأحداث منفصلة. مجتمعةً، تحدد هذه التغيرات الواقع الأساسي الجديد في شمال شرقي سوريا مع مطلع عام 2026.

انهيار منظومة الاحتجاز ومخيم الهول

التحول الأكثر إلحاحًا يجري داخل منظومة احتجاز داعش السابقة، ولا سيما في مخيم الهول. بحلول أواخر عام 2025، استقر عدد سكان المخيم عند نحو 24 ألف شخص بعد سنوات من الانخفاض التدريجي من نحو 70 ألفًا في عام 2019. وكان من بينهم قرابة 6 آلاف امرأة وطفل أجنبي من أكثر من 40 دولة، تمركزوا في ملحق معزول اعتُبر حساسًا سياسيًا وصعب الإدارة.

عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المناطق المحيطة مطلع 2026 والانهيار الإداري اللاحق، انخفض عدد سكان المخيم بشكل حاد خلال أسابيع. وقدرت جهات إنسانية أن بضعة آلاف فقط بقوا تحت إشراف منظم، ما يعني أن أكثر من 15 ألف شخص غادروا النظام الخاضع للرقابة خلال فترة زمنية قصيرة.

حدثت العديد من المغادرات عبر شبكات تهريب منظمة بدل عمليات إعادة رسمية. واختفت أعداد كبيرة من العائلات الأجنبية من السجلات التي كانت تتعقبهم بدقة. وشملت طرق الحركة ممرات إدلب، ومعابر الحدود التركية، والتوزع الداخلي داخل سوريا. النتيجة أن سكانًا كانوا متركزين جغرافيًا أصبحوا الآن مشتتين على نطاق واسع وبتوثيق جزئي فقط.

اضطرابات السجون وحالات الفرار

تطورات موازية داخل نظام السجون توضح حجم انهيار منظومة الاحتجاز. قبل الاضطرابات الأخيرة، كانت قوات سوريا الديمقراطية تحتجز بين 9 و10 آلاف مقاتل من داعش في مرافق موزعة في شمال شرقي سوريا، بينهم سوريون وعدد كبير من المقاتلين الأجانب ذوي الوضع القانوني غير المحسوم.

خلال الاشتباكات والانسحابات مطلع 2026، شهدت عدة مرافق اضطرابات أدت إلى حوادث فرار مؤكدة. ومن أكثر الأمثلة إثارة للجدل سجن الشدادي. إذ ذكرت الحكومة السورية أن نحو 120 محتجزًا فروا أثناء القتال، في حين رفعت مصادر كردية الرقم إلى ما يصل إلى 1500. أما مسؤولون أمريكيون فأشاروا إلى أرقام أقل، تحدثت أحيانًا عن نحو 200 فار، مع التأكيد على إعادة القبض على بعضهم.

تعكس الفجوة بين هذه التقديرات محدودية الرؤية والحوافز السياسية لصياغة الروايات. وحتى وفق أقل الأرقام المؤكدة، يمثل الحادث أحد أبرز اختراقات سجون داعش منذ سقوط “الخلافة” الإقليمية. أما وفق التقديرات الأعلى، فيمثل فشلًا بنيويًا كبيرًا لمنظومة الاحتجاز. في كلتا الحالتين، كشف الاضطراب هشاشة مرافق تعتمد على كوادر قوات سوريا الديمقراطية.

نقل آلاف المحتجزين إلى العراق

استجابةً لتدهور بيئة الاحتجاز، سهّلت القوات الأمريكية بين يناير وفبراير 2026 نقل أكثر من 5700 محتجز من داعش من سوريا إلى العراق، مع تقديرات تخطيطية تشير إلى إمكانية وصول العدد إلى ما بين 6000 و7000. وكان المحتجزون ينتمون إلى أكثر من 60 جنسية، ما يبرز البعد الدولي للمشكلة.

يُعد هذا التحرك من أكبر عمليات نقل سجناء في سياق مكافحة الإرهاب منذ انهيار سيطرة داعش الإقليمية عام 2019. وجاء مدفوعًا بمخاوف من عدم قدرة سجون قوات سوريا الديمقراطية على الصمود في ظل الانكماش الإقليمي، ولمنع سيناريوهات فرار جماعي إضافية.

لكن نقل آلاف المحتجزين عبر الحدود يخلق تعقيدات قانونية وتشغيلية جديدة. إذ يتعين على النظامين القضائي والسجني في العراق استيعاب تدفق من مشتبهين أجانب وعديمي الجنسية، في ظل غموض بشأن القدرة طويلة الأمد على الملاحقة والاحتجاز. وهكذا، ينتقل الخطر جغرافيًا بدل أن يُزال.

فجوة المصداقية في أرقام الفارين

أثرت التباينات في أرقام الفارين على التصورات المحلية. ففي عدة حوادث، اختلفت التقديرات الرسمية الأولية عن روايات لاحقة من جهات محلية أو إنسانية. وقد أسهم هذا التناقض في اتهامات بتقليل حجم الفرار في الخطاب العام.

سواء كان ذلك نتيجة عدم اليقين أو فجوات استخبارية أو اعتبارات سياسية، فقد أثرت الأرقام المتباينة في مصداقية الشركاء المحليين. المجتمعات القريبة من مواقع الاحتجاز السابقة تعتمد غالبًا على شبكات غير رسمية لتقييم المخاطر. وعندما تبدو الأرقام الرسمية غير منسجمة مع الملاحظات المحلية، تتآكل الثقة سريعًا، ما يؤثر على تبادل المعلومات والاستجابة للتحذيرات.

انتقال القواعد الأمريكية وتغير ميزان السلطة

إلى جانب تغييرات منظومة الاحتجاز، يعيد انتقال منشآت عسكرية أمريكية سابقة إلى سيطرة الحكومة السورية تشكيل السلطة الإقليمية. فقد أُخليت أو سُلّمت قواعد مثل التنف في إطار الانسحاب الأوسع. وكانت هذه القواعد تؤدي أدوارًا متعددة تشمل الدعم اللوجستي وجمع المعلومات والاستخبارات والردع.

مع انتقال السيطرة، تتقلص القيود التي كانت تحد من حرية عمل دمشق وحلفائها. وتحمل هذه التحولات دلالة رمزية مهمة باعتبارها مؤشرًا على نهاية وجود بري أمريكي مستدام في مناطق محددة، كما تتيح للحكومة السورية توسيع آلياتها الإدارية والأمنية في مناطق كانت معزولة سابقًا.

النتيجة هي انكماش ملموس في النفوذ الأمريكي الميداني، حتى وإن استمرت القدرات الجوية.

انكماش البصمة الإقليمية لقوات سوريا الديمقراطية

يربط انكماش السيطرة الإقليمية لقوات سوريا الديمقراطية بين هذه التطورات. ففي ذروتها، سيطرت القوات على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا، بما في ذلك حقول نفط رئيسية وطرق عبور استراتيجية، ما وفر لها موارد ونفوذًا تفاوضيًا.

ومع تسارع الخسائر الإقليمية مطلع 2026، بدأت القوات تفقد مدنًا ومراكز إدارية، ما قلّص قدرتها على حراسة السجون وإدارة المخيمات والحفاظ على الأمن الداخلي. كما أدى ذلك إلى إعادة توزيع القوى البشرية نحو خطوط المواجهة، ما ساهم مباشرة في إخفاقات الاحتجاز.

لا تزال قوات سوريا الديمقراطية فاعلًا مهمًا، لكن قدرتها على العمل كسلطة شبه دولية تراجعت بوضوح، مع آثار مباشرة على نمط الحوكمة في المنطقة.

تداعيات أمنية وإنسانية متشابكة

أدى تشتت المحتجزين إلى تعقيد عمليات التتبع والمراقبة، ويكفي هروب نسبة صغيرة من العناصر المتمرسة لإعادة تنشيط خلايا عملياتية. كما يخلق انتقال آلاف الأفراد تحديات إضافية للسلطات الحدودية.

من الناحية الحقوقية، أدى انهيار المخيمات المركزية إلى إزالة شكل من الاحتجاز الجماعي، لكنه أوجد هشاشات جديدة. فكثير من المغادرين يفتقرون إلى الوثائق والدعم القانوني وإعادة الإدماج. الأطفال الذين نشؤوا في بيئات مغلقة يواجهون مستقبلًا غامضًا، والنساء المرتبطات بداعش معرضات لمخاطر العقاب الجماعي أو الاستغلال. كما أن تراجع الوجود الدولي قد يقلل الشفافية بشأن ممارسات الاحتجاز.

نقطة تحول في الدور الأمريكي

يمثل تلاقي هذه التطورات نقطة انعطاف هيكلية للمصالح الأمريكية. إذ يُظهر نقل آلاف المحتجزين حجم العبء المتبقي في مكافحة الإرهاب وحدود إدارته دون شركاء محليين مستدامين. كما أن فقدان القواعد يقلص القدرة العملياتية المباشرة، بينما تؤثر فجوات المصداقية على إدارة التحالفات.

ورغم استمرار أدوات مثل الدبلوماسية والعقوبات والشراكات الإقليمية، فإن الانتقال من حضور ميداني مباشر إلى إدارة عن بُعد يقلل الاستجابة ويزيد الاعتماد على أطراف قد تختلف أولوياتها. المسار الحالي يشير إلى إعادة تعريف للانخراط الأمريكي بدل اختفائه، مع ما يحمله ذلك من قيود ومخاطر جديدة.

فجوة بين التشتت وجهود الاستعادة

يتجاوز عدد المحتجزين المتشتتين نطاق الجهود المنظمة لإعادتهم إلى الاحتجاز. ويرجع ذلك إلى تفكك سلاسل الاحتجاز، وتغير السيطرة الإقليمية، وتآكل شبكات الاستخبارات في آن واحد.

تؤدي هشاشة السلطة الاحتجازية، وغموض الوضع القانوني، وضغوط الموارد، والإشارات السياسية المتباينة، والتشتت الجغرافي، إلى بيئة تجعل عمليات الاستعادة جزئية ومتقطعة بدل أن تكون منهجية.

مجتمعةً، تفسر هذه العوامل لماذا يتسارع التشتت بوتيرة أسرع من جهود التعقب، وهو ما سيواصل تشكيل المسارات الأمنية في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى