آراء وتحليلات

هل تعود روسيا إلى سوريا عبر بوابة السلاح؟

بقلم: إيرينا تسوكرمان

عودة روسية إلى الساحة السورية

تشير واردات الأسلحة الروسية المتجددة إلى سوريا إلى عودة مدروسة إلى واحدة من أهم ساحات النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. وتشكل هذه الشحنات جزءاً من صراع أوسع يتعلق بمستقبل بنية السلطة في الدولة السورية، والتوازن بين دمشق وأنقرة والقدس وواشنطن، إضافة إلى شكل المؤسسات التي ستقود سوريا خلال مرحلة ما بعد الأسد.

فالأسلحة التي تدخل سوريا اليوم تحمل دلالات سياسية تتجاوز استخدامها العسكري المباشر، إذ تحدد طبيعة الاعتماد، والوصول، والعقيدة العسكرية، وأدوات النفوذ.

لماذا تعود روسيا عسكرياً إلى سوريا؟

يعكس التدفق الجديد للأسلحة الروسية وقطع الغيار والذخائر وأنظمة الرادار والدفاع الجوي والمنصات المدرعة والطائرات المسيّرة ومعدات الاتصالات والكوادر الفنية مجموعة من الحسابات المتداخلة.

يحتاج أحمد الشرع إلى قدرة ردع ومساحة مناورة استراتيجية. أما تركيا فتريد دولة سورية قادرة على احتواء الحكم الذاتي الكردي، وتقليل ضغط اللاجئين، وتحقيق الاستقرار على حدود استنزفت السياسة الأمنية التركية لأكثر من عقد.

في المقابل، تريد إسرائيل سوريا يمكن احتواؤها ومراقبتها عسكرياً، ومنع تحولها إلى منصة استراتيجية خاضعة للنفوذ التركي على حدودها الشمالية. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى الحفاظ على استمرارية جهود مكافحة الإرهاب، وتقليل الانخراط الأميركي المباشر، وإدارة العلاقة مع تركيا، وحماية البيئة الأمنية لإسرائيل، وتجنب اندلاع أزمة إقليمية جديدة.

أما روسيا فترى في ذلك فرصة للحفاظ على موطئ قدمها في البحر المتوسط، وإحياء شبكاتها العسكرية السورية، وإثبات أن حرب أوكرانيا لم تنه قدرتها على التأثير خارج أوراسيا.

الشرع ومعضلة إعادة بناء الدولة

بالنسبة لأحمد الشرع، تبدأ العلاقة العسكرية مع موسكو من حقائق بقاء الدولة. فالجيش السوري تعرض للاستنزاف بسبب الفساد والانقسامات والانشقاقات والاعتماد على الميليشيات والتدخلات الأجنبية. كما بقيت مؤسسات القيادة العسكرية الرسمية متضررة، فيما تعاني الترسانة السورية من التقادم وسوء الصيانة واعتمادها الكبير على سلاسل الإمداد الروسية والسوفييتية.

ويواجه الشرع أيضاً أزمة شرعية؛ إذ لا يمكن لسلطته أن تستند إلى الأبد على الدعم التركي أو انهيار نظام الأسد أو تلاقي المصالح الإقليمية المؤقت. فظهوره كحاكم يعتمد كلياً على أنقرة سيؤدي إلى نفور شبكات عسكرية قديمة ومجتمعات محلية وأطراف قومية عربية وزعامات عشائرية وحكومات إقليمية تشكك بالطموحات التركية.

ومن هنا، تمنحه العلاقة مع روسيا فرصة لتقديم نفسه بوصفه رئيس دولة ذات سيادة تدير علاقات متعددة وتحافظ على استمرارية مؤسسات الدولة السورية.

السلاح كأداة نفوذ سياسي

تُعد روسيا مفيدة للشرع لأنها توفر استمرارية عسكرية، وإمكانية الوصول إلى الأنظمة القديمة، وخدمات الصيانة، وقنوات الذخيرة، والمعرفة المؤسسية، والغطاء الدبلوماسي.

فالمستشارون الروس يعرفون بنية القوات المسلحة السورية، وجغرافية قواعدها، ونقاط ضعف دفاعاتها الجوية، وآليات عمل أجهزتها الأمنية. وهذا يمنح موسكو نفوذاً يدرك الشرع مخاطره، لكنه يعلم أيضاً أن أي حكومة تفتقر إلى القوة المسلحة ستصبح رهينة للميليشيات والرعاة الخارجيين والقوى المحلية المنافسة.

كما أن جزءاً كبيراً من الترسانة السورية ما يزال روسي أو سوفييتي المنشأ، ما يجعل قطع الغيار والصيانة والتدريب أدوات نفوذ سياسية بحد ذاتها.

لماذا تتسامح تركيا مع الدور الروسي؟

ترى أنقرة أن وجود دور روسي محدود يمكن أن يخدم استراتيجيتها متعددة الطبقات في سوريا. فتركيا تريد منع الحكم الذاتي الكردي على حدودها الجنوبية، والحفاظ على نفوذها في شمال سوريا، وإدارة ملف اللاجئين، واحتواء الجماعات الجهادية، والتأثير في شكل الدولة السورية الجديدة.

كما أن روسيا تستطيع أداء أدوار لا ترغب تركيا بتحملها مباشرة، مثل التواصل مع ضباط النظام السابق وإدارة بعض مفاصل البيروقراطية الأمنية القديمة، والمساعدة في الحفاظ على مؤسسات الدولة المركزية التي قد تحتاج أنقرة للتفاوض معها حول الحدود واللاجئين والتنسيق الاستخباراتي.

لكن هذا التسامح التركي له حدود؛ إذ ستتحرك أنقرة إذا شعرت بأن الأسلحة الروسية قد تُستخدم ضد مواقعها العسكرية أو ضد الفصائل المدعومة منها شمال سوريا.

سوريا كساحة لإعادة التموضع الروسي

تدرك موسكو أن تدخلها العسكري في سوريا كان أحد أبرز إنجازاتها الجيوسياسية خلال العقد الماضي. فقد حافظت على حكومة حليفة، وضمنت وجودها في قاعدتي طرطوس وحميميم، ووسعت نفوذها في شرق المتوسط، وفرضت نفسها طرفاً لا غنى عنه في التعامل مع إسرائيل وتركيا ودول الخليج ودمشق.

كما أن الحرب في أوكرانيا أضعفت صورة الكفاءة العسكرية الروسية، وجعلت سوريا ساحة مناسبة لإظهار الصمود، وإعادة ترميم علاقات الحلفاء، واختبار الأنظمة العسكرية المعدلة.

الحسابات الإسرائيلية

تقوم المقاربة الإسرائيلية على اعتبار أن وجود قدرة سورية خاضعة لإشراف روسي قد يكون أسهل في الإدارة من سوريا تهيمن عليها تركيا بالكامل أو من ساحة فوضوية تسيطر عليها جماعات مسلحة متعددة.

فإسرائيل تعرف البيروقراطية العسكرية الروسية وآليات عملها وخطوطها الحمراء، كما أن وجود قنوات تنسيق مع موسكو يمنحها قدرة على إدارة التصعيد.

لكن قبول إسرائيل يبقى مشروطاً؛ إذ ستتحرك إذا رأت أن الأنظمة الروسية تهدد حرية عملياتها الجوية أو تعزز وجود قوات معادية قرب الجولان.

الموقف الأميركي: إدارة الأزمة لا حلّها

تنظر الولايات المتحدة إلى المسألة من زاوية إدارة الأعباء والسيطرة على التصعيد. فواشنطن لا تملك رغبة في إعادة بناء الجيش السوري أو الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا حول كل شحنة تصل إلى طرطوس أو حميميم.

وتركز الأولويات الأميركية على مكافحة الإرهاب، وحماية الحلفاء، ودعم أمن إسرائيل، وإدارة العلاقة مع تركيا، ومنع انهيار أمني واسع.

وترى الإدارة الأميركية أن استبعاد روسيا بالكامل من سوريا سيتطلب استثماراً أميركياً أكبر لا يبدو أن واشنطن مستعدة له حالياً.

سوريا كسوق نفوذ إقليمي

لذا سوريا قد تتحول إلى ساحة تتداخل فيها مشاريع النفوذ الأجنبية؛ فتركيا تدير هياكل في الشمال، وروسيا تعيد بناء المؤسسات العسكرية القديمة، وإسرائيل تفرض خطوطاً حمراء بالقوة الجوية، والولايات المتحدة تعتمد العقوبات ومكافحة الإرهاب، فيما تقدم دول الخليج التمويل وفق شروط سياسية.

ويتمثل تحدي الشرع في تحويل هذه الضغوط المتنافسة إلى مصدر قوة للنظام بدلاً من أن تتحول إلى عامل تفكك للدولة.

إعادة تشكيل الدولة عبر سلاسل الإمداد

أن إعادة بناء سوريا تتم فعلياً عبر سلاسل الإمداد العسكرية. فالطرف الذي يوفر الذخيرة يحدد إيقاع العمليات، والطرف الذي يصلح الدفاعات الجوية يؤثر على إدارة التصعيد، والطرف الذي يدرب الضباط يصوغ العقيدة العسكرية.

ولهذا فإن شحنات السلاح الروسية لا تصنع قدرات عسكرية فقط، بل تبني أيضاً شبكات اعتماد وولاءات وقنوات قيادة طويلة الأمد.

هل سيتحرك المجتمع الدولي؟

وما يثير التساؤل هو عمّا إذا كان المجتمع الدولي سيضغط مستقبلاً على الشرع لتقليص علاقاته العسكرية مع موسكو، أم أنه سيواصل التعامل مع هذا الملف باعتباره قضية ثانوية يمكن التعايش معها.

والمزاج الدولي الحالي يميل إلى “التأقلم والتأجيل والتغاضي الانتقائي” أكثر من السعي لتشكيل جبهة منسقة لإبعاد دمشق عن روسيا.

أوروبا والخليج وتركيا: حسابات مختلفة

تخشى الدول الأوروبية من موجات لجوء جديدة وانهيار إضافي في سوريا، ما يجعلها تفضل وجود دولة سورية “تعمل بالحد الأدنى” على استمرار الفوضى.

أما دول الخليج فتنظر إلى سوريا من زاوية إعادة بناء الدولة، وضبط الحدود، والسيطرة على التهريب، والاستقرار الإقليمي، وترى أن الدعم العسكري الروسي قد يساعد في إعادة مركزية السلطة.

في حين لا تملك تركيا حافزاً لطرد روسيا بالكامل من سوريا طالما أن موسكو تراعي المصالح الأمنية التركية في الشمال.

خطر “التطبيع التدريجي” مع النفوذ الروسي

لذا فأن الخطر الحقيقي يكمن في “التطبيع التدريجي” مع عودة النفوذ الروسي. فالصيانة العسكرية، وبرامج التدريب، والعقود اللوجستية، وروابط الاستخبارات، كلها تبدأ بشكل محدود ثم تتحول إلى نفوذ مؤسسي دائم يصعب تفكيكه لاحقاً دون زعزعة استقرار الدولة السورية نفسها.

روسيا تراهن على الوقت

في النهاية روسيا لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على سوريا بقدر حاجتها إلى النفوذ المستدام والوصول إلى المؤسسات، مستفيدة من تشتت أولويات القوى الدولية والإقليمية.

فموسكو تراهن على أن الوقت، وشبكات الاعتماد العسكري، وغياب البديل الدولي الجاد، ستسمح لها بالحفاظ على موطئ قدمها الذي حصلت عليه عبر الحرب، وتحويله إلى نفوذ طويل الأمد داخل الدولة السورية الجديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى