ما وراء امتناع دمشق عن التدخل في لبنان

بقلم: إيرينا تسوكرمان
تصريح يكشف توجهات دمشق الجديدة
يُعد إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا لن تتدخل في لبنان من أكثر التصريحات دلالةً منذ سقوط نظام الأسد. فرغم أن التصريح فُسّر على نطاق واسع باعتباره مجرد توضيح للسياسة السورية تجاه لبنان، إلا أن أبعاده تتجاوز بكثير مسألة التدخل العسكري المباشر.
وجاء هذا الموقف في وقت أدت فيه الحملة الإسرائيلية ضد حزب الله إلى تغيير المشهد الاستراتيجي في المشرق، وإضعاف أحد أهم حلفاء إيران الإقليميين، وخلق حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل توازن القوى في لبنان. وفي ظل هذه الظروف، ظهرت تكهنات بأن سوريا قد تسعى لاستغلال حالة الضعف التي يمر بها حزب الله، سواء بشكل منفرد أو بالتنسيق مع أطراف إقليمية تسعى إلى تسريع تراجع نفوذه. إلا أن الشرع رسم خطاً واضحاً: سوريا لن تنخرط في هذا المسار.
حزب الله في مواجهة ضغوط غير مسبوقة
على مدى عقود، احتل حزب الله موقعاً فريداً في السياسة الشرق أوسطية، إذ جمع بين كونه فاعلاً سياسياً لبنانياً وتنظيماً عسكرياً وأحد أهم أركان استراتيجية الردع الإيرانية في المنطقة.
وامتد نفوذ الحزب إلى ما هو أبعد من لبنان، حيث شارك مقاتلوه في الحرب السورية، ونسق مع فصائل عراقية مقربة من إيران، وأسهم في توسيع النفوذ الإيراني في المشرق.
لكن الحزب يواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة. فقد أدت العمليات الإسرائيلية إلى إضعاف قدراته العسكرية وتعطيل هياكل القيادة داخله وإجباره على إجراء تعديلات استراتيجية. ورغم أنه ما يزال قوة مؤثرة، فإن صورة القوة التي لا يمكن المساس بها تراجعت بشكل ملحوظ.
لماذا لا تستغل دمشق ضعف حزب الله؟
خلال الحرب السورية، لم يكن حزب الله مجرد مراقب، بل تدخل بشكل مباشر إلى جانب نظام بشار الأسد. آلاف المقاتلين عبروا إلى سوريا وشاركوا في معارك حاسمة وأسهموا في تثبيت النظام.
ولهذا السبب، كان من الطبيعي أن يتوقع البعض أن تنظر القيادة السورية الجديدة إلى تراجع الحزب باعتباره فرصة لإضعاف النفوذ الإيراني وتقليص وجود القوى الخارجية على حدودها الغربية.
كما افترض بعض صناع القرار في واشنطن أن الحكومة السورية الجديدة، التي تضم شخصيات عارضت الأسد، قد تكون مستعدة لزيادة الضغط على حزب الله. إلا أن هذه التقديرات تجاهلت حقيقة أن أولويات سوريا تغيرت جذرياً بعد انتهاء الحرب.
سوريا الجديدة وأولوية إعادة البناء
سوريا التي خرجت من سنوات الحرب تختلف جذرياً عن سوريا التي دخلت الصراع قبل أكثر من عقد.
فالحرب الطويلة خلفت دماراً واسعاً، وتسببت في انهيار اقتصادي ونزوح ملايين السكان وتفكك مؤسسات الدولة. ورغم أن الحكومة الجديدة أحرزت تقدماً في استعادة الاستقرار، فإن التحديات ما تزال هائلة.
وتتركز أولويات السوريين اليوم على إعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، واستعادة الاقتصاد، وليس على خوض صراعات إقليمية جديدة.
ومن هذا المنطلق، ترى حكومة الشرع أن نجاحها سيُقاس بقدرتها على إعادة بناء الدولة وتحسين حياة المواطنين أكثر من أي مكاسب جيوسياسية خارج الحدود.
مخاطر التدخل في لبنان
تدرك دمشق أن أي تدخل في لبنان، حتى لو كان محدوداً، سيحمل مخاطر سياسية وأمنية كبيرة.
فمثل هذا التدخل قد يشتت الانتباه عن جهود إعادة الإعمار، ويجر البلاد إلى صراعات جديدة، ويضعها أمام تحديات لا يمكن التحكم بنتائجها بالكامل.
ولهذا يبدو أن القيادة السورية توصلت إلى قناعة بأن فوائد عدم التدخل تفوق بكثير أي مكاسب محتملة من الانخراط في الساحة اللبنانية.
إرث العلاقة السورية اللبنانية
لطالما ارتبطت العلاقة بين سوريا ولبنان بقضايا السيادة والنفوذ والأمن.
فعلى مدى عقود، اعتبرت الحكومات السورية المتعاقبة لبنان جزءاً من عمقها الاستراتيجي، ومارست نفوذاً واسعاً على الحياة السياسية اللبنانية من خلال المؤسسات العسكرية والأمنية.
غير أن هذا الإرث ما يزال مثار جدل داخل لبنان، حيث ينظر كثيرون إلى تلك المرحلة باعتبارها انتهاكاً للسيادة اللبنانية.
وتدرك الحكومة السورية الجديدة حساسية هذا الملف، ولذلك تحرص على تقديم نفسها كسلطة مختلفة عن الحكومات السابقة، تركز على التنمية وإعادة البناء بدلاً من الهيمنة الإقليمية.
الدور التركي في حسابات دمشق
منذ سقوط نظام الأسد، برزت تركيا بوصفها الشريك الخارجي الأكثر تأثيراً في سوريا.
فأنقرة لعبت دوراً مهماً في دعم الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع دمشق.
وترى تركيا أن استقرار سوريا يمثل أولوية استراتيجية، لما يتيحه من فرص اقتصادية وتجارية ومشاريع بنية تحتية وممرات نقل تربطها بالأسواق العربية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مغامرة سورية في لبنان قد تهدد مسار الاستقرار الذي تعمل أنقرة على ترسيخه.
مصالح الخليج والاستثمار في الاستقرار
أعادت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، فتح قنوات التواصل مع دمشق بعد سقوط الأسد.
ويستند هذا الانفتاح إلى قناعة بأن القيادة الجديدة تركز على إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية بدلاً من التوسع الإقليمي.
وتحتاج سوريا إلى الاستثمارات الخليجية والدعم السياسي والدبلوماسي، ما يجعل الحفاظ على ثقة هذه الدول ضرورة استراتيجية.
وأي تدخل في لبنان قد يثير مخاوف بشأن عودة أنماط السلوك الإقليمية القديمة ويؤثر سلباً على فرص الاستثمار.
الرأي العام السوري يرفض المغامرات الخارجية
بعد سنوات من الحرب، بات السوريون أكثر تركيزاً على قضايا المعيشة والخدمات والاقتصاد.
وقد ولّد الصراع الطويل شعوراً عاماً بأن التدخلات الخارجية ساهمت في إطالة أمد الحرب وتعقيد الحلول السياسية.
لذلك، لا يوجد حماس شعبي واسع لأي انخراط عسكري جديد خارج الحدود، فيما ترتبط شرعية الحكومة بقدرتها على تحسين الأوضاع الداخلية أكثر من ارتباطها بالإنجازات الإقليمية.
نحو عقيدة سورية جديدة
موقف الشرع لا يتعلق بلبنان فقط، بل يعكس محاولة لصياغة عقيدة سياسية سورية جديدة.
فبدلاً من السعي إلى النفوذ عبر التدخلات العسكرية، تسعى دمشق إلى تعزيز مكانتها من خلال إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
وبدلاً من قياس القوة بحجم النفوذ العسكري في الخارج، تريد الحكومة الجديدة قياس نجاحها بمدى قدرتها على بناء دولة مستقرة ومؤسسات فعالة واقتصاد متعافٍ.
البقاء خارج لبنان قد يكون الخيار الأكثر فائدة
رغم أن إضعاف حزب الله يغير البيئة الاستراتيجية في المنطقة ويزيد الضغوط على شبكات النفوذ الإيرانية، فإن سوريا ليست بحاجة إلى التدخل المباشر للاستفادة من هذه المتغيرات.
فالبقاء على الهامش يمنح دمشق مرونة أكبر، ويجنبها المخاطر غير الضرورية، ويسمح لها بالتركيز على المهمة الأكثر إلحاحاً: إعادة بناء الدولة السورية.
مسار مختلف
رفض أحمد الشرع التدخل في لبنان يكشف بوضوح الطريقة التي تنظر بها القيادة السورية الجديدة إلى المستقبل.
فالقرار يعكس مزيجاً من الاعتبارات الداخلية والاقتصادية والإقليمية، إلى جانب دروس الحرب السورية الطويلة.
وفي الوقت الراهن، تبدو دمشق ملتزمة بمسار مختلف يقوم على إعطاء الأولوية لإعادة الإعمار والاستقرار وبناء الدولة، بدلاً من الانخراط في صراعات النفوذ الإقليمية. وفي ظل الحملة الإسرائيلية على حزب الله، قد يكون هذا الخيار أكثر تأثيراً على مستقبل سوريا من أي تدخل عسكري كان يمكن أن تقوم به.




