آراء وتحليلات

السويداء: حيث تنتهي حدود سوريا الجديدة

بقلم: إيرينا تسوكرمان

أصبح تعثر إعادة دمج السويداء أحد أوضح الاختبارات لما إذا كانت سوريا ما بعد الأسد قادرة على التحول إلى دولة فاعلة، أم أنها ستبقى مجرد سلطة مؤقتة تدير صراعات لم تُحل بعد. وتكتسب وكالة رويترز أهمية خاصة في هذا السياق لأنها تزيل اللغة الاحتفالية المحيطة بمرحلة الانتقال السوري، وتكشف الحقيقة الكامنة خلفها: فدمشق لم تتمكن حتى الآن من استعادة الثقة أو الأمن أو المؤسسات أو القبول السياسي في محافظة ذات غالبية درزية شهدت أعمال عنف واسعة قبل عام واحد فقط.

وكان من المفترض أن تمثل خارطة الطريق التي أُعلنت في أيلول/سبتمبر 2025 خطوة نحو المصالحة وبناء الثقة وإعادة الدمج، لكنها تحولت بدلاً من ذلك إلى مؤشر على الشلل السياسي. وبعد مرور ما يقارب عاماً على أحداث العنف التي شهدتها السويداء في تموز/يوليو 2025، فإن أكثر من 1700 قتيل، واستمرار عمليات الخطف، ووجود تشكيلات مسلحة متنافسة، وتعطل العملية التعليمية، وتصاعد الخطاب الانفصالي، كلها مؤشرات على محافظة عالقة بين الخوف من هيمنة السلطة المركزية وخطر التفكك المحلي.

فشل خارطة الطريق أم أزمة انتقال سياسي؟

إن تحذير كلاوديو كوردوني من عدم إحراز “أي تقدم” في تنفيذ خارطة الطريق يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد فشل تقني في التطبيق، بل بوصفه إنذاراً يتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية السورية نفسها.

فعادة ما تفشل خرائط الطريق بسبب ضعف التمويل أو البيروقراطية أو سوء ترتيب الأولويات، لكن المشكلة في السويداء أعمق من ذلك بكثير. فالمحافظة مطالبة بالعودة إلى دولة اتُهمت قواتها، إلى جانب مقاتلين عشائريين ومجموعات مسلحة درزية، بالتورط في أعمال عنف قالت تحقيقات الأمم المتحدة إنها قد ترقى إلى جرائم حرب.

وهذه المسألة بالغة الأهمية سياسياً، لأن إعادة الدمج لا تعني فقط إعادة فتح المكاتب الحكومية أو دفع الرواتب أو استعادة خطوط الإمداد، بل تتطلب حداً أدنى من الثقة بأن الدولة ستتصرف كجهة حامية لا كجهة مفترسة. وتحاول دمشق تقديم نفسها باعتبارها الضامن للوحدة الوطنية بعد سقوط الأسد، لكن ذاكرة العنف المرتبط بمؤسسات الدولة في السويداء تجعل تسويق هذا الخطاب أمراً بالغ الصعوبة.

روايتان متنافستان حول أسباب التعثر

تقوم حجة الحكومة المركزية على أن الفصائل الدرزية المسلحة تعرقل استعادة الخدمات وعودة مؤسسات الدولة، وتغذي حالة انعدام الثقة لتحقيق أهداف سياسية خاصة بها.

وقد قدّم محافظ السويداء مصطفى البكور دمشق على أنها حكومة لا تزال تدفع الرواتب، وتدعم قطاعي الصحة والتعليم، وتعمل على إصلاح البنية التحتية، وتسعى للحوار رغم استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني.

ولا يمكن تجاهل هذه الرواية بالكامل، إذ إن أي دولة تواجه مجموعات مسلحة محلية، وصراعات فصائلية، وحالات خطف، وعناصر رافضة للتسوية، ستجد صعوبة في استعادة سلطتها.

كما أن وجود قوى درزية متنافسة، ومظالم بدوية، وقادة سياسيين يتحدثون باتجاهات مختلفة، خلق بيئة فوضوية تسمح لدمشق بالقول إنها لا تمتلك شريكاً محلياً موحداً يمكنه تقديم التزامات ملزمة.

أزمة الثقة هي جوهر المشكلة

مع ذلك، تبقى هذه الرواية ناقصة لأن سلوك الدولة نفسه أصبح جزءاً من المشكلة الأمنية.

فالقيادات الدرزية، رغم افتقارها إلى منصة موحدة، لا تطالب فقط بامتيازات محلية أو تعرقل الإدارة من أجل العرقلة، بل تستند شكوكها إلى تجربة دامية اتُهمت فيها القوات الحكومية ومقاتلون عشائريون وجهات محلية بارتكاب انتهاكات خطيرة.

لقد نشأ مطلب الحماية من رحم سفك الدماء. وعندما تشعر أقلية ما بأن السلطة المركزية ساهمت في العنف أو فشلت في منعه، فإن الدعوات إلى الوحدة الوطنية تبدو بالنسبة لها وكأنها دعوات للاستسلام.

وهذا هو السبب الرئيس لتعثر خارطة طريق السويداء. فدمشق تطالب بعودة المؤسسات قبل تحقيق المساءلة وتقديم الضمانات الأمنية وبناء الثقة السياسية، بينما يطالب المجتمع المحلي بالأمن أولاً قبل القبول بعودة المؤسسات. وبين هذين الموقفين ابتلعت الهوة السياسية كامل مسار إعادة الدمج.

التعليم ضحية الجمود السياسي

تكشف أزمة التعليم الكلفة الإنسانية لهذا المأزق بصورة واضحة للغاية.

فإعلان الأمم المتحدة أن 13,500 طالب في السويداء لم يتمكنوا من التقدم للامتحانات الوطنية هذا الشهر، بعد أن حُرم كثير منهم من الامتحانات لعامين متتاليين، يوضح كيف يتحول الجمود السياسي بسرعة إلى ضرر يطال أجيالاً كاملة.

ورغم أن الامتحانات قد تبدو قضية إدارية مقارنة بعمليات الخطف أو الاشتباكات المسلحة، فإنها تمثل انهيار الحياة الطبيعية. فالطلاب يفقدون شهاداتهم، والعائلات تفقد ثقتها بالمستقبل، ويصبح الشباب أكثر عرضة للانخراط في التشكيلات المسلحة المحلية أو شبكات المحسوبية أو طرق الهجرة.

فالمحافظة التي لا يستطيع أطفالها التقدم للامتحانات بأمان ليست محافظة يجري دمجها من جديد، بل منطقة معلقة خارج النظام الوطني الفاعل، حتى وإن استمرت الرواتب والخدمات الأساسية بالحد الأدنى.

تهديد لمشروع أحمد الشرع السياسي

لا تقتصر تداعيات أزمة السويداء على المحافظة نفسها، بل تمتد إلى مجمل المشروع السياسي للرئيس الانتقالي أحمد الشرع.

فمنذ سقوط نظام الأسد عام 2024، حاولت السلطات الانتقالية تقديم نفسها بوصفها مركزاً لنظام وطني جديد. لكن نجاح هذا المشروع يعتمد على قدرتها في التعامل مع ذاكرة الانقسام الطائفي، ومخاوف الأقليات، ومتطلبات إعادة الإعمار، وإعادة السلطة الإدارية دون إعادة إنتاج أساليب النظام السابق القمعية.

وهنا تكشف السويداء مدى ضيق هذا المسار. فالمحافظة ذات أغلبية درزية، وتقع في منطقة جنوبية حساسة، وتحمل تاريخاً طويلاً من الاستقلالية الحذرة والدفاع الذاتي المجتمعي والريبة من السلطات الخارجية.

وإذا فشلت دمشق في التوصل إلى صيغة قابلة للحياة هناك، فإن وعودها بإدارة بقية المناطق المعقدة في سوريا ستواجه المزيد من التشكيك.

تصاعد الخطاب الانفصالي

لا ينبغي التعامل مع الدعوات الانفصالية التي ظهرت لدى بعض الأوساط الدرزية باعتبارها مجرد شعارات فارغة.

فغالباً ما تبدأ مثل هذه الدعوات كلغة ضغط سياسي تهدف إلى لفت الانتباه الدولي وإبراز حجم المخاوف الأمنية. لكن استمرار فشل الدولة في تقديم الحماية قد يحولها تدريجياً إلى مشاريع سياسية حقيقية.

وكلما عجزت دمشق عن توفير ضمانات أمنية موثوقة، ازدادت قدرة القيادات المحلية على طرح الحكم الذاتي بوصفه آلية للبقاء لا مجرد طموح سياسي.

وهذا المسار يشكل خطراً على وحدة الأراضي السورية، خصوصاً أن الجنوب السوري يخضع لمراقبة وثيقة من قبل الأردن وإسرائيل ودول الخليج وقوى سورية متعددة تدرك تأثير مخاوف الأقليات على توازنات الحدود والسياسة الإقليمية.

البعد البدوي ـ الدرزي وتعقيدات المصالحة

لم تكن أحداث تموز/يوليو 2025 مواجهة بين السويداء ودمشق فقط، بل شملت أيضاً صراعات مجتمعية محلية وعنفاً انتقامياً عمّق حالة عدم الثقة بين مكونات المجتمع.

لذلك فإن أي خطة لإعادة الدمج تركز حصراً على العلاقة بين دمشق والفصائل الدرزية تتجاهل الشرخ الاجتماعي الأعمق الذي يغذي الأزمة.

فالمصالحة تحتاج إلى ضمانات ضد أعمال الثأر، وتحقيقات موثوقة، وآليات لمعالجة ملفات الأسرى والمختطفين، وتأمين حرية التنقل، والتعويضات، وأطر محلية لحل النزاعات تحظى بقبول المجتمعات المحلية.

أزمة المؤسسات الانتقالية

يزيد التأخر في استكمال تشكيل البرلمان الانتقالي السوري من تعقيد الأزمة.

فالمجتمعات المحلية تصبح أكثر شكاً في السلطة المركزية عندما تبدو المؤسسات الوطنية مؤقتة أو غير مكتملة أو مفروضة من الأعلى.

وكان يمكن للبرلمان الانتقالي أن يوفر منصة لتمثيل الأقليات وطرح المظالم وتحقيق الإدماج السياسي، لكن غيابه ترك الساحة مفتوحة أمام الفاعلين المسلحين والوسطاء الخارجيين والقنوات الأمنية.

وفي دولة خارجة من حرب أهلية ونظام استبدادي، لا تُعد التأخيرات المؤسسية أموراً محايدة، بل تخلق فراغات سياسية تملؤها المخاوف سريعاً.

الحاجة إلى عقد أمني جديد

تحاول دمشق استعادة السيادة عبر الاستمرار في دفع الرواتب وتقديم الخدمات وإجراء الحوارات الرسمية، لكن هذه الأدوات تبقى محدودة عندما يكون جوهر الخلاف مرتبطاً بالأمن والشرعية.

فإعادة دمج السويداء لا يمكن أن تقوم على مجرد عودة الدوائر الحكومية تحت شعار الوحدة الوطنية، بل تحتاج إلى عقد أمني جديد يمنح المجتمعات المحلية ضمانات قابلة للتنفيذ، ويوفر مسارات واضحة لدمج التشكيلات المسلحة أو تفكيكها، ويضمن التحقيق الجدي في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف.

السويداء مرآة لمستقبل سوريا

في النهاية، لا تمثل السويداء مجرد أزمة محلية أو ملفاً أمنياً معقداً، بل أصبحت مقياساً حقيقياً لقدرة سوريا الجديدة على تجاوز إرث الحرب والانقسام.

فالتقرير لا يقدم تحديثاً حول محافظة جنوبية فحسب، بل يوجه تحذيراً أوسع بشأن مستقبل المرحلة الانتقالية بأكملها.

فالدولة التي تعجز عن إعادة دمج محافظة متضررة من الصراع، وتأمين الامتحانات لطلابها، وحل ملفات الخطف، واستكمال مؤسساتها الانتقالية، وتحويل خارطة طريق مدعومة دولياً إلى نتائج ملموسة، لا تزال بعيدة عن تحقيق الاستقرار الحقيقي.

وخلال الأشهر المقبلة سيتحدد ما إذا كانت السويداء ستصبح نموذجاً لإعادة الدمج عبر التفاوض، أم تحذيراً دائماً لبقية سوريا من مخاطر الفشل في بناء دولة تقوم على الثقة والعدالة والشراكة الوطنية.

فمن دون خطوات ملموسة تعيد الثقة وتحمي المدنيين وتؤمن المساءلة، قد تتحول السويداء من رمز للتحديات الانتقالية إلى إحدى الساحات التي تبدأ عندها وعود سوريا ما بعد الأسد بالتفكك.

زر الذهاب إلى الأعلى