من السجن إلى الرئاسة: دبلوماسية أحمد الشرع عالية المخاطر في الجمعية العامة للأمم المتحدة

بقلم: إيرينا تسوكيرمان
لقاء رمزي مع ديفيد بترايوس
إذا كان هناك لحظة تلخص التناقضات الغريبة للمشهد السياسي السوري الجديد، فهي تلك التي جلس فيها الرئيس أحمد الشرع مع ديفيد بترايوس، الجنرال الأمريكي السابق، المرادف لحملات مكافحة التمرد الأمريكية في الشرق الأوسط.
بالنسبة للسوريين الذين يتذكرون أيام الحرب العالمية على الإرهاب المظلمة، كان التناقض واضحاً بشكل كبير. فقد جسّد بترايوس نظاماً أودع الشرع في السجن في مرحلة ما، وصنّفه كتهديد بدل أن يكون مصلحاً محتملاً.
والآن، بعد سنوات، وجد الرجل نفسه مقابل زعيم سوريا الجديد، ليس كجلاد أو خصم، بل كمحاور محتمل، وربما حتى كجسر للوصول إلى رؤوس الأموال الغربية والنفوذ الدولي.
كانت الرمزية عميقة: إذ تعكس التغير الجذري في موقف سوريا، لكنها أيضاً تبرز كيف حلت البراغماتية محل الصرامة الإيديولوجية في تعاملات قادتها.
البراغماتية الاقتصادية والدبلوماسية
بالنسبة للشرع، لم يكن قرار الانخراط مع بترايوس مجرد مسألة مصالحة شخصية. حكومته، التي خرجت من خراب الحرب الأهلية، تعاني نقصاً حاداً في الموارد والشرعية والاعتراف الدولي. سوريا لا تستطيع إعادة البناء بمفردها، ولا يمكنها الاعتماد فقط على شركاء إقليميين مثل روسيا أو دول الخليج لتوفير الدعم اللازم. الرأسمال الغربي، الذي لا يزال متردداً في العودة إلى سوريا، يمثل فرصة محتملة لتغيير قواعد اللعبة.
بترايوس، الذي انخرط بعد خروجه من الجيش في عالم المال والاستشارات، يمثل قناة نادرة لهذا الرأسمال. ومن خلال جلوسه مع بترايوس، كان الشرع يرسل رسالة ليست فقط حول استعداده لمواجهة الجراح الماضية، بل أيضاً حول نيته الوصول إلى شبكات المال والنفوذ التي لا تستطيع الدبلوماسية التقليدية فتحها فوراً.
شكوك وتساؤلات
هذا اللقاء أثار الشكوك فوراً. هل الشرع، الرجل الذي عانى سابقاً تحت سياسات ساهم بترايوس في تشكيلها، يبيع استقلاله مقابل فرص استثمارية؟ هل هو فعل شجاع، يتغلب على كبريائه من أجل بقاء سوريا، أم هو استسلام، يدعو شخصية تمثل القوة الأمريكية الصلبة لتحويل سوريا إلى سوق تابع؟
بعضهم رأى في الاجتماع براغماتية رجل دولة: القدرة على وضع الخلافات الشخصية جانباً من أجل مصلحة الوطن. بينما اعتبره آخرون تسوية خطيرة، الخطوة الأولى نحو تحويل سوريا إلى تابعة لرؤوس أموال أجنبية بدلاً من دولة مستقلة.
مسار بترايوس وتغير القوة
مسار بترايوس نفسه يزيد الصورة تعقيداً. فقد كان يوصف سابقاً بالجنرال المثقف، مهندس “التصعيد” في العراق، ثم انتقل بسلاسة إلى عالم صناديق التحوط والأسهم الخاصة، مستشاراً في الاستثمارات العالمية مع التركيز على المخاطر الجيوسياسية. تعكس مسيرته اتجاه أوسع في القوة الأمريكية: التحول من الهيمنة العسكرية إلى النفوذ المالي، من قيادة المعارك إلى استراتيجيات مجالس الإدارة.
لقاء الشرع كان فرصة لبترايوس لإعادة تأكيد أهميته في منطقة لا تزال سمعته فيها مثيرة للجدل، كما أنه قدم له إمكانية الوصول إلى عقود ومشاريع مربحة في بلد بحاجة لإعادة الإعمار.
الغموض بين الانتهازية والتكيف
مسألة ما إذا كان بترايوس “باع” إرثه تظل في قلب هذا اللقاء. للبعض، يمثل الانتهازية، الجنرال المتقاعد الذي حول إرثه إلى مال، مضحياً بمصداقية مسيرة مهنية طويلة من أجل الوصول إلى رأس المال. ولآخرين، هو مثال على التكيف: إدراك أن القوة لم تعد تكمن فقط في قيادة الجيوش، بل في التحكم في تدفقات الاستثمار وتشكيل اقتصادات ما بعد الصراع.
إذا باع بترايوس، فلم يكن فقط من أجل المال، بل من أجل البقاء ذي الصلة في عصر جديد يُقاس فيه النفوذ بالصفقات لا بالفرق العسكرية. هذه الغموض يغذي الاهتمام بلقائه مع الشرع — فهي ليست فقط عن سوريا، بل عن تحول القوة العالمية نفسها.
استخدام الرمزية لصالح الدولة
استغل الشرع هذا الغموض. جلوسه مع بترايوس عرضه كقائد لا يخشى السخرية، قادر على تجاوز التاريخ الشخصي من أجل المصلحة الوطنية. وصاغ اللقاء كخطوة عملية، ليس كتأييد لماضي أمريكا، بل كاستثمار في مستقبل سوريا.
وبذلك، أرسل رسالة إلى الغرب: سوريا مفتوحة للحوار، حتى مع من تعامل معها سابقاً كعدو. وأرسل أيضاً رسالة لمواطنيه: قائدهم لا يقيده الماضي، ومستعد لاتخاذ خطوات جريئة من أجل البقاء. مدى نجاح هذه الرسالة أو فشلها يبقى محل نقاش.
لقاء وفد اليهود السوريين
ما جعل لقاء بترايوس أكثر من مجرد فضول عابر هو اقترانه بإيماءات دبلوماسية أخرى. استقبل الشرع أيضاً وفداً من اليهود السوريين قبل افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي لحظة غير مسبوقة أعادت ربط الدولة بمجتمع كان مهمشاً ومهجراً.
هذا اللقاء كان غني بالرمزية: أشار إلى الشمولية، ورغبة في احتضان التراث التعددي لسوريا، واستعداد للتواصل مع مجتمعات تجاهلها نظام الأسد أو شوه صورتها. بالنسبة لإسرائيل، حملت هذه الإيماءة صدى واضحاً، موحية بأن سوريا الجديدة قد تكون مستعدة يومًا ما للمصالحة ليس فقط مع الجالية اليهودية، بل مع الدولة اليهودية نفسها.
التواصل مع واشنطن: السيناتور روبيو
في واشنطن، امتد تواصل الشرع إلى السيناتور ماركو روبيو، المعروف بمواقفه الصارمة على السياسة الخارجية وتشكيكه في الأنظمة التي تُعتبر خصماً. لقاء روبيو كان مخاطرة محسوبة، إذ عرض الشرع للنقد بأنه يجاذب شخصيات غير متعاطفة معه، لكنه فتح أيضاً قناة إلى قلب النقاش السياسي الأمريكي.
بمقابلة كل من بترايوس وروبيو، وسع الشرع نطاق تواصله، مشيراً إلى أن سوريا مستعدة للحوار ليس فقط مع المستثمرين والاستراتيجيين، بل أيضاً مع المسؤولين المنتخبين الذين يشكلون السياسة الأمريكية.
استراتيجية عالية المخاطر
تجمع هذه اللقاءات — بترايوس، اليهود السوريون، روبيو — صورة للشرع كقائد يلعب لعبة دبلوماسية عالية المخاطر. كل اجتماع يخدم عدة أغراض: عرض الشمولية، جذب الاستثمار، تأمين الشرعية، والإشارة إلى الاستعداد للحوار. لكنها كلها تحمل مخاطر: اتهامات بالانتهازية، الاعتماد، أو خيانة القضايا الوطنية.
الشرع راهن على أن الفوائد تفوق التكاليف، وأن بقاء سوريا يتطلب خطوات جريئة تكسر صرامة الماضي.
درس جديد للسياسة الشرق أوسطية
منتقدو الشرع يشيرون إلى لقاء بترايوس كدليل على استعداده لرهن استقلال سوريا مقابل مكاسب قصيرة الأجل.
بينما يرى أنصاره اللقاء كدليل على براعة رجل الدولة، وبرهان على أن الشرع قادر على إدارة العلاقات حتى مع أكثر الجهات غير المتوقعة من أجل تعافي بلده.
بالمعنى الأوسع، يعكس لقاء بترايوس المنطق الجديد للسياسة الشرق أوسطية. الثنائية القديمة بين صديق وعدو تتلاشى أمام البراغماتية. خصوم الأمس يمكن أن يصبحوا شركاء اليوم إذا توافقت المصالح. المنطقة تعيد كتابة نصوصها، مستبدلة الإيديولوجية بالضرورة، والعداء بالصفقة.
المخاطر والفرص
لكل خطوة مخاطرة: الوصول إلى الاستثمار، فتح القنوات السياسية، الشمولية المجتمعية. كل خطوة تحمل إمكانات للتحول، لكنها تحمل أيضاً خطر الاستغلال. بالنسبة للشرع، الخط الفاصل بين البراغماتية والاعتماد رفيع للغاية.
إعادة كتابة قصة سوريا
الشرع يعيد كتابة قصة سوريا، ليس كدولة منبوذة مقيدة بالإيديولوجية، بل كباقية على قيد الحياة مستعدة لاحتضان التناقض في سبيل البقاء. الجمعية العامة للأمم المتحدة أصبحت أكثر من حدث دبلوماسي؛ أصبحت منصة لهوية سوريا الجديدة: سوريا تعترف بهشاشتها، اعتمادها، وحاجتها للتواصل حتى مع من أذلها سابقاً.
التطلعات في الجمعية العامة
1. الاعتراف الرمزي: سوريا تسعى للاعتراف بشرعية الحكومة وليس لإعادة الانخراط الفوري في التحالفات الغربية أو الحصول على مساعدات كبيرة.
2. الفرص الاقتصادية: ضمان استثمارات لإعادة الإعمار وإظهار سوريا كسوق محتملة إذا تمت إدارة المخاطر.
3. المناورة الدبلوماسية: كسر الجمود مع الدول الغربية دون الظهور بمظهر اليائس، وإظهار سوريا كشريك بناء في مكافحة الإرهاب.
الصور والرمزية في النجاح الدبلوماسي
التوتر كان في موازنة هذه التطلعات مع مخاطر الانكشاف. يعرف الشرع أن الجمعية العامة منصة للنقد: منظمات حقوق الإنسان، معارضون في المنفى، وخصوم إقليميون. لتقليل هذا النقد، حرص على التوجه إلى نيويورك مسلحاً بسرديات براغماتية.
لقاء بترايوس قدم قصة مصالحة.
وفد اليهود السوريين وفر عنواناً للشمولية.
لقاء روبيو أثبت القدرة على التواصل الثنائي الحزبية.
كل عنصر كان درعاً ضد اتهامات بالعزلة أو عدم الشرعية.
المخاطر المحتملة
لكن هناك خطر في الإفراط في استخدام الرمزية: الظهور بمظهر اليائس يمكن أن يؤدي لزيادة الشكوك، التقرّب الشديد من بترايوس قد يثير خصومه الداخليين المناهضين للتأثير الأمريكي، واستقبال اليهود السوريين قد يغضب الوطنيين المتشددين الذين يرون أن التطبيع مع إسرائيل على حساب الجولان خطأ.
سوق الصور والدبلوماسية
فهم الشرع أن الخطابات وحدها لم تعد كافية. الصور، اللقاءات، واللقطات الإعلامية أصبحت عملة بحد ذاتها.
صورة مع بترايوس، مصافحة مع اليهود السوريين، أو لقاء مع روبيو، كلها رسائل قوية تؤثر على الجمهور في نيويورك، القدس، وواشنطن.
قياس النجاح في الجمعية العامة
نجاح الحكومة السورية في الجمعية العامة لن يُقاس بالقرارات أو الأصوات، بل بالمحادثات المفتوحة، إزالة الوصمات، وفتح الفرص. كل اجتماع، كل لقاء استثماري أو دبلوماسي، يمثل خطوة نحو إعادة سوريا إلى المسرح الدولي.
المفارقات والهوية الجديدة لسوريا
الشرع، الذي كان مسجوناً بأمر من استراتيجيين أمريكيين، يسير الآن في أروقة الأمم المتحدة مع أحد أبرز جنرالاتهم. الدولة التي كانت تعرف نفسها كعدو لإسرائيل، تستقبل اليهود السوريين. القائد الذي خرج من رماد الحرب يبحث عن لقاءات مع حلفاء وخصوم.
الجمعية العامة أصبحت منصة لهوية سوريا الجديدة: دولة تعترف بهشاشتها واعتمادها، ومستعدة للحوار مع كل الأطراف. ما إذا كانت هذه الهوية ستستمر يعتمد على ما إذا كانت البذور التي زرعت في نيويورك ستثمر شراكات حقيقية، استثمارات، واتفاقيات.




