تقارير

أزمة المياه بين تركيا والعراق وسوريا.. صراع الحصص ومخاوف التوظيف السياسي

بحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط، أعادت الفيضانات التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا مطلع حزيران/يونيو، وارتفاع منسوب مياه نهر الفرات نتيجة الأمطار الغزيرة وزيادة التدفقات الواردة من تركيا، تسليط الضوء على أزمة المياه المزمنة بين تركيا والعراق وسوريا، وسط تساؤلات متجددة حول استخدام المياه كورقة ضغط سياسية وأمنية.

خلاف تاريخي حول دجلة والفرات

تتمحور الأزمة حول تقاسم مياه نهري دجلة والفرات، حيث تتمسك تركيا، بوصفها دولة المنبع، باعتبار النهرين عابرين للحدود وتؤكد حقها في إدارة مواردهما وفق سيادتها الوطنية. في المقابل، تطالب سوريا والعراق باعتبارهما نهرين دوليين يخضعان لمبادئ التقاسم العادل والقوانين الدولية والاتفاقيات التاريخية.

السدود التركية وتأثيرها على دول المصب

وذكرت «الشرق الأوسط» أن مشروع جنوب شرقي الأناضول الذي نفذته تركيا عبر إنشاء سلسلة من السدود الكبرى، أبرزها أتاتورك وكيبان وإليسو، أدى إلى تقليص كميات المياه المتدفقة إلى سوريا والعراق.

وانعكس ذلك بشكل خاص على العراق الذي شهد خلال عام 2025 موجة جفاف وُصفت بأنها الأشد منذ أكثر من 80 عاماً، ما تسبب في تراجع المساحات الزراعية وتضرر الأهوار الجنوبية وازدياد الأزمات البيئية والاجتماعية.

اتهامات باستخدام المياه كورقة ضغط

بحسب التقرير، تواجه تركيا اتهامات متكررة باستخدام ملف المياه للضغط على كل من العراق وسوريا، وربطه بالملفات الأمنية، خصوصاً نشاط حزب العمال الكردستاني في البلدين.

كما ترى دمشق وبغداد أن تقليص التدفقات المائية تجاوز الاعتبارات الفنية وأصبح جزءاً من معادلة سياسية وأمنية معقدة، في حين تنفي أنقرة ذلك وتؤكد أن مشكلات المياه في دول المصب ترتبط أيضاً بسوء الإدارة والهدر.

الاتفاقيات المائية.. حلول مؤقتة بلا تسوية نهائية

استعرض التقرير أبرز الاتفاقيات المنظمة لتقاسم المياه، ومن بينها الاتفاق السوري التركي عام 1987 الذي ألزم تركيا بضخ أكثر من 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود السورية، واتفاقية سوريا والعراق عام 1989 الخاصة بتوزيع مياه الفرات.

ورغم هذه التفاهمات، لم تنجح الأطراف الثلاثة في التوصل إلى اتفاق نهائي ودائم ينظم الحصص المائية بشكل ملزم.

سوريا والمياه مقابل الملف الكردي

أشارت «الشرق الأوسط» إلى أن الخلافات المائية بين سوريا وتركيا ارتبطت لسنوات بملف حزب العمال الكردستاني، حيث ربطت أنقرة بين الدعم السوري السابق للحزب والخلافات المتعلقة بحصص المياه، ما ساهم في تعقيد فرص الوصول إلى تسوية شاملة.

العراق الأكثر تضرراً من شح المياه

يعد العراق الطرف الأكثر تأثراً بالأزمة، إذ يحصل على نحو 60 في المائة من احتياجاته المائية من تركيا.

وبحسب التقرير، أدى تشغيل سد إليسو التركي إلى انخفاض كبير في تدفقات نهر دجلة نحو العراق، ما ساهم في تفاقم الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع مستويات التلوث، فضلاً عن زيادة التوترات السياسية بين البلدين.

اتفاقية 2025.. من الصراع إلى التعاون؟

لفتت «الشرق الأوسط» إلى توقيع العراق وتركيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 اتفاقية إطار للتعاون المائي، تهدف إلى تمويل مشاريع بنية تحتية مائية داخل العراق عبر شركات تركية وباستخدام عائدات النفط العراقي.

ويرى مؤيدو الاتفاقية أنها تمثل تحولاً من منطق الصراع إلى منطق المنفعة المشتركة، فيما يعتبرها منتقدون وسيلة لتعزيز النفوذ التركي داخل العراق دون ضمانات واضحة بشأن الحصص المائية.

مخاوف سياسية وانتقادات داخل العراق

أثارت الاتفاقية انتقادات من قوى سياسية عراقية اعتبرت أنها قد تجعل بغداد أكثر اعتماداً على أنقرة، كما أثيرت تساؤلات بشأن آليات التمويل وغياب إطار قانوني نهائي يحدد حصة العراق من مياه دجلة والفرات.

ويرى بعض المعارضين أن استمرار وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق قد يشكل عقبة إضافية أمام تنفيذ الاتفاقية مستقبلاً.

تركيا تدافع عن سياساتها المائية

في المقابل، تؤكد تركيا أنها ليست دولة غنية بالمياه، مشيرة إلى أن نصيب الفرد من الموارد المائية يتراجع بشكل مستمر مع النمو السكاني والتغير المناخي.

وبحسب التقرير، تواجه تركيا بدورها تحديات متزايدة تشمل الجفاف وتراجع معدلات الهطول وارتفاع درجات الحرارة، وسط تحذيرات من إمكانية دخولها مرحلة الفقر المائي بحلول عام 2030 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

أزمة إقليمية تتجاوز الحدود

خلصت «الشرق الأوسط» إلى أن أزمة المياه لم تعد مجرد خلاف حول تقاسم الموارد الطبيعية، بل تحولت إلى ملف يتداخل فيه الأمن والسياسة والاقتصاد والتنمية، في وقت تزداد فيه تداعيات التغير المناخي على دول المنطقة، ما يجعل التوصل إلى آليات تعاون مستدامة أمراً أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى

زر الذهاب إلى الأعلى