تقارير

انتخابات البرلمان السوري تُفجّر جدلاً واسعاً في المناطق الكردية

أثارت انتخابات مجلس الشعب السوري الأخيرة موجة واسعة من الجدل والانتقادات في الأوساط الكوردية والسورية، وسط اتهامات للسلطة الانتقالية بتكريس التهميش السياسي للكرد، وإعادة إنتاج سياسات الإقصاء والتغيير الديمغرافي ضمن آليات انتخابية وُصفت بأنها “غير ديمقراطية” و”محسومة مسبقاً”.

وجرت الانتخابات البرلمانية وفق نظام انتخابي مؤقت وغير مباشر أُقرّ بموجب المرسوم رقم 143 لعام 2025، حيث تم انتخاب 140 عضواً عبر هيئات ناخبة معتمدة من اللجنة العليا للانتخابات، مقابل 70 عضواً يعيّنهم الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ليكتمل عدد أعضاء مجلس الشعب البالغ 210 أعضاء.

توزيع المقاعد في المناطق الكردية

شهدت مناطق شمال وشرق سوري حالة من الجدل الحاد بشأن توزيع المقاعد البرلمانية، خاصة في محافظتي الحسكة وحلب.

ففي محافظة الحسكة، منحت الهيئات الانتخابية ستة مقاعد للعرب مقابل أربعة مقاعد للكرد، أي بنسبة 60% للعرب مقابل 40% للكورد، رغم اعتبار المنطقة مركز الثقل الديمغرافي للكرد في سوريا.

أما في منطقة سري كانيه (رأس العين)، فقد حُسم المقعد الوحيد المخصص للمنطقة لصالح شخصية عربية من الموطّنين ضمن مشروع “الحزام العربي”، الذي يعتبره الكرد مشروعاً للتغيير الديمغرافي يستهدف وجودهم التاريخي في المنطقة.

وفي منطقة كري سبي (تل أبيض) بمحافظة الرقة، حصل العرب على المقعدين المخصصين للمنطقة، بينما غاب التمثيل الكردي.

أما في كوباني، فقد جرى تخصيص أحد المقعدين للكرد، فيما ذهب المقعد الثاني للعرب.

ومع انتهاء العملية الانتخابية، حصل الكرد في مناطقهم التاريخية، الجزيرة وكوباني وعفرين، على ثمانية مقاعد فقط من أصل سبعة عشر مقعداً، مقابل تسعة مقاعد للعرب، ما أثار حالة استياء واسعة في الشارع الكردي.

مقاطعة كردية واسعة للانتخابات

قبيل إجراء الانتخابات، أعلنت مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية الكردية مقاطعتها للعملية الانتخابية، معتبرة أنها لا تعبّر عن إرادة السكان ولا تضمن تمثيلاً عادلاً للكرد.

وفي 19 أيار، أصدرت 24 جهة سياسية كودية وسورية بياناً مشتركاً أكدت فيه رفضها الكامل لما وصفته بـ”التعيينات”، معتبرة أن آلية توزيع المقاعد تمثل استمراراً لسياسات التهميش العنصري الهادفة إلى تغييب القضية الكردية.

وأكد البيان تمسّك القوى الكردية بحقها في تمثيل برلماني حقيقي لا يقل عن أربعين مقعداً للكرد، بما يتناسب مع نسبتهم السكانية في سوريا.

وفي هذا السياق، قال موسى كنّو، عضو اللجنة القيادية في حزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا، إن الانتخابات التي جرت “لم تكن انتخابات حقيقية بل تعيينات مسبقة”، مضيفاً أن النتائج كانت “محسومة سلفاً داخل الغرف المغلقة”.

وفي اليوم التالي للانتخابات، عقد 21 حزباً كوردياً مؤتمراً صحفياً مشتركاً، أكد خلاله أن السياسات المتبعة تعيد إنتاج عقلية السلطة المركزية وأساليبها التقليدية، مع استمرار العمل بالقوانين والإجراءات الاستثنائية بأدوات جديدة تمنح العملية السياسية “شرعية شكلية”.

كما انتقدت الأحزاب استمرار مشاريع التغيير الديمغرافي، عبر إشراك “عرب الغمر” في اللجان الناخبة، وتعيين أحدهم ممثلاً عن سري كانيه.

مشاركة المجلس الوطني الكردي

في المقابل، كان المجلس الوطني الكردي في سوريا الطرف السياسي الكردي الوحيد الذي أعلن مشاركته في الانتخابات، ونجح في إيصال ثلاثة من قياداته إلى البرلمان، اثنان منهم عن محافظة الحسكة وواحد عن كوباني، إضافة إلى عضوين فازا سابقاً في عفرين.

وبرر المجلس مشاركته بخصوصية المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، معتبراً أن الانتخابات الحالية لن تكون مثالية أو مرضية لجميع الأطراف.

وقال فرحان مرعي، عضو اللجنة السياسية في حزب يكيتي الكوردستاني، إن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تفرض التعامل مع الواقع السياسي القائم، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بضعف موقف المجلس تجاه مشاركة العرب الموطّنين ضمن مشروع الحزام العربي في الانتخابات.

وأضاف أن المجلس كان يفترض أن يرفض العملية الانتخابية ما لم تكن نسبة تمثيل الكرد عادلة، وألا يسمح بمشاركة أشخاص لا ينتمون تاريخياً إلى المنطقة.

اعتراضات آشورية وانتقادات سورية أوسع

ولم تقتصر الانتقادات على القوى الكردية، بل امتدت إلى المكونات المسيحية، وخاصة الآشوريين الكلدان السريان.

وفي هذا الإطار، وصف جميل دياربكرلي، مدير المرصد الآشوري لحقوق الإنسان، الانتخابات بأنها “مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء”، معتبراً أنها جاءت ضمن سلسلة من الإجراءات الأحادية والإقصائية التي تهدف إلى فرض واقع سياسي “مزيف”.

وأكد أن غالبية الآشوريين الكلدان السريان في سوريا وبلاد الانتشار قاطعوا الانتخابات، بسبب غياب أي اعتراف دستوري حقيقي بالتنوع القومي والديني في البلاد.

كما انتقدت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي العملية الانتخابية، معتبرة أن المناخ السياسي وآلية الإعداد لا يمكن أن ينتجا مجلس شعب يمثل مختلف أطياف السوريين.

في المقابل، التزمت جماعة الإخوان المسلمين الصمت حيال الانتخابات، رغم نجاح شخصيات محسوبة اجتماعياً وسياسياً على الجماعة، خاصة في مدينة حلب، وفق تقارير إعلامية محلية.

الانقسام الكردي وتأثيره على التمثيل السياسي

يرى مراقبون أن الانقسام داخل البيت الكردي كان من أبرز الأسباب التي أضعفت التمثيل الكردي في البرلمان السوري الجديد.

وفي هذا السياق، قال الحقوقي الكردي لزكين خلف إن القوى الكردية فشلت في التوصل إلى موقف موحّد مع الحكومة الانتقالية بشأن نسبة تمثيل عادلة للكرد داخل مجلس الشعب.

وأضاف أن هذا الانقسام فتح المجال أمام السلطة التنفيذية للتحكم بنسبة التمثيل الكوردي عبر المقاعد السبعين التي يعيّنها الرئيس السوري الانتقالي.

وأشار إلى أن نتائج الانتخابات أظهرت بوضوح عجز الكرد عن الحصول حتى على غالبية المقاعد المخصصة لمناطقهم، ما قد ينعكس سلباً على مستقبل الحقوق القومية للكرد داخل أي دستور سوري جديد.

مستقبل البرلمان السوري

مع انتهاء العملية الانتخابية، تتجه الأنظار إلى قصر الشعب في دمشق، حيث يُنتظر أن يعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قريباً قائمة الأعضاء السبعين الذين سيعيّنهم في مجلس الشعب، تمهيداً لعقد أولى جلساته خلال الأسابيع المقبلة.

وبينما ترى السلطة الانتقالية أن البرلمان الجديد يمثل خطوة نحو استكمال مؤسسات الدولة، تعتبر قوى سياسية ومكونات قومية عديدة أن العملية الانتخابية الحالية لم تؤسس بعد لشراكة وطنية حقيقية، بل أعادت إنتاج اختلالات التمثيل السياسي التي عانت منها سوريا لعقود طويلة

زر الذهاب إلى الأعلى