بعد تفجيري دمشق.. كيف غيّر تنظيم داعش استراتيجيته في سوريا والعالم؟

أعادت التحقيقات الأولية في التفجيرين اللذين استهدفا، الثلاثاء، محيط الفندق الذي أقام فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العاصمة السورية دمشق، وأديا إلى إصابة 18 شخصاً، تسليط الضوء على التحولات التي طرأت على تنظيم داعش، بعد أن خلصت التحقيقات إلى أن الخلية المنفذة تتبع للتنظيم.
ورغم خسارته مناطق سيطرته في سوريا والعراق قبل سنوات، فإن التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات معقدة، مستنداً إلى نموذج عمل جديد يقوم على الخلايا السرية واللامركزية، بدلاً من السيطرة على الأراضي.
من “دولة الخلافة” إلى الخلايا السرية
ظهر تنظيم داعش، وأعلن عام 2014 إقامة ما سماها “دولة الخلافة”، قبل أن يفرض سيطرته على مساحات واسعة من البلدين، ويخضع ملايين السكان لحكمه.
وخلال ذروة تمدده بين عامي 2014 و2017، سيطر التنظيم على مدينتي الموصل العراقية والرقة السورية، كما توسع إلى مدينة سرت الليبية، وفرض إدارة مركزية للمناطق الخاضعة له، مطبقاً تفسيره المتشدد للشريعة الإسلامية، وارتكب انتهاكات واسعة شملت الإعدامات العلنية والتعذيب.
لكن حملة عسكرية قادها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أنهت سيطرة التنظيم الميدانية، وأجبرته على الانسحاب إلى مناطق صحراوية ونائية في سوريا والعراق.
استراتيجية جديدة بعد خسارة الأراضي
بحسب تقرير لوكالة رويترز، فإن تنظيم داعش غيّر بنيته التنظيمية بشكل كبير بعد انهيار “الخلافة”، إذ لم يعد يعتمد على حشد مقاتليه في تشكيلات عسكرية كبيرة، بل انتقل إلى العمل عبر خلايا صغيرة مستقلة تعمل بسرية.
ويعتمد التنظيم حالياً على شبكات اتصال سرية ووسطاء لنقل التعليمات، مع منح المجموعات المحلية والمهاجمين المنفردين صلاحيات أوسع لاتخاذ القرار دون الحاجة إلى توجيهات مباشرة من القيادة.
ويقول مسؤولون أمنيون عراقيون إن هذا النموذج يمنح التنظيم قدرة أكبر على البقاء، ويصعّب على الأجهزة الأمنية كشف مخططاته أو تفكيك شبكاته بالكامل.
عودة النشاط في سوريا
حذر مسؤولون إقليميون وغربيون منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024 من احتمال استغلال تنظيم داعش للفراغ الأمني لإعادة بناء قدراته داخل سوريا.
وبحسب رويترز، بدأ التنظيم منذ فبراير/شباط تنفيذ سلسلة هجمات استهدفت قوات الحكومة السورية، من بينها هجوم قرب الرقة أدى إلى مقتل أربعة من عناصر الأمن.
كما نقلت الوكالة عن مصادر مطلعة أن التنظيم أعاد تنشيط خلاياه النائمة داخل سوريا، وراقب أهدافاً محتملة، ووزع أسلحة وكواتم صوت ومواد متفجرة استعداداً لتنفيذ عمليات جديدة.
وأشار تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب إلى أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ووزيرين في حكومته كانوا أهدافاً لخمس محاولات اغتيال نُسبت إلى التنظيم.
أفريقيا.. مركز الثقل الجديد
ورغم استمرار نشاطه في سوريا والعراق، تشير بيانات حديثة إلى أن القارة الأفريقية أصبحت الساحة الرئيسية لعمليات التنظيم.
ووفق منظمة “مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة” (ACLED)، شكلت أفريقيا 86% من إجمالي نشاط تنظيم الدولة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026.
وتنشط أكبر فروع التنظيم في شمال شرق نيجيريا تحت اسم “ولاية غرب أفريقيا”، إلى جانب جماعات أخرى في منطقة الساحل والصومال وموزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
كما أعلن جهاز مكافحة الإرهاب المغربي، خلال يوليو الجاري، إحباط مخططات لخلية مرتبطة بفرع التنظيم في منطقة الساحل كانت تستهدف تنفيذ هجمات ضد مواقع حساسة.
تهديد يتجاوز الشرق الأوسط
لم يعد نشاط تنظيم الدولة مقتصراً على سوريا والعراق، إذ لا تزال فروعه تنشط في أفغانستان وباكستان، ولا سيما عبر “ولاية خراسان”، إضافة إلى جنوب الفلبين.
وتبنى فرع “ولاية خراسان” الهجوم الذي استهدف قاعة حفلات موسيقية قرب موسكو عام 2024، وأسفر عن مقتل 149 شخصاً، فيما ربطت أجهزة أمنية التنظيم بعدد من الهجمات أو محاولات الهجمات في دول أخرى.
كما أشارت الشرطة الأسترالية إلى أن منفذي إطلاق النار الجماعي خلال احتفال “الحانوكا” في سيدني عام 2025، والذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً، تأثروا بأفكار التنظيم، في مؤشر على استمرار قدرته على إلهام منفذين أفراد خارج مناطق نفوذه التقليدية.
تحدٍ أمني مستمر
ويرى مسؤولون أمنيون أن التحول من نموذج “الدولة” إلى نموذج الخلايا السرية واللامركزية منح تنظيم الدولة قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط العسكرية والأمنية.
فبدلاً من السيطرة على المدن، بات التنظيم يركز على تنفيذ هجمات نوعية، وإعادة تنشيط الخلايا النائمة، واستغلال الثغرات الأمنية في مناطق النزاع، وهو ما يجعل مواجهته أكثر تعقيداً رغم خسارته معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها قبل سنوات.




