آراء وتحليلات

هل تتحرك واشنطن وفق مصالحها في سوريا أم وفق مصالح المستثمرين؟

قد تكون واشنطن مقتنعة بالفعل بأن أحمد الشرع يمثل أسرع وسيلة لإضعاف النفوذ الإيراني، وتقليص الحضور الروسي، واحتواء تنظيم الدولة الإسلامية، وتحقيق الاستقرار على الحدود السورية، بما يحول دون اندلاع موجة جديدة من الاضطرابات في المنطقة.

وفي المقابل، قد تستجيب دوائر صنع القرار الأميركية أيضاً لضغوط شبكة من الفاعلين الاقتصاديين الذين ترتبط مصالحهم بتسريع التطبيع مع دمشق وفتح السوق السورية أمام الاستثمارات.

ولا يُستبعد أن يكون الدافعان حاضرين في الوقت نفسه، ولا سيما داخل إدارة تنظر إلى الدبلوماسية، والصفقات التجارية، والاستثمار، والعلاقات الشخصية، والسياسة الخارجية باعتبارها أدوات متكاملة ومترابطة.

ولا تكمن الإشكالية الأساسية في احتمال وجود فساد مباشر، بل في خطر أن تبدأ المؤسسات الرسمية بالنظر إلى مصالح المستثمرين المقربين سياسياً باعتبارها امتداداً للمصلحة القومية الأميركية أو دليلاً عليها.

رجال الأعمال… وسطاء المرحلة الجديدة

يعزز هذا التداخل بين السلطة والمال موقع أحمد الشرع، إذ يمنحه القدرة على تقديم امتيازات استثنائية لرجال الأعمال الأجانب في سوق إعادة الإعمار السورية، ثم الاستفادة من نفوذهم للضغط على حكوماتهم من أجل الاعتراف بحكومته، وتخفيف العقوبات، وتوفير الضمانات الأمنية، ومنحه مزيداً من الوقت لترسيخ سلطته.

وفي المقابل، يستطيع الأخوان الخياط تقديم نفسيهما في دمشق بوصفهما البوابة إلى قطر، والشركات الأميركية، والدائرة الاقتصادية الأوسع المرتبطة بعائلة ترامب، بينما يقدمان في واشنطن باعتبارهما شريكين لا غنى عنهما لتنفيذ المشاريع الكبرى، وتحقيق الاستقرار، وفتح السوق السورية أمام الاستثمارات.

وتتزايد أهميتهما السياسية والاقتصادية لأن الحكومات والشركات المشاركة في هذه المشاريع تحتاج إلى وسيط قادر على التنقل بين الأنظمة السياسية المختلفة، دون أن يكون مقيداً بمنصب رسمي أو خاضعاً للمساءلة العامة.

عودة «اقتصاد الوسطاء»

يبدو المشهد وكأنه يعيد إنتاج الاقتصاد السياسي الذي ازدهر في عهد الأسد، لكنه بات أكثر امتداداً عبر الحدود وأكثر ارتباطاً برعاة إقليميين ودوليين.

ففي عهد النظام السابق، لعب رجال الأعمال المقربون من السلطة دور الوسطاء بين عائلة الأسد، ومؤسسات الدولة، والمستثمرين الأجانب، وشبكات التمويل غير المشروعة.

أما في عهد أحمد الشرع، فيمكن أن يؤدي الدور نفسه رجال أعمال يحملون الجنسية القطرية، ويديرون شركات قابضة متعددة الجنسيات، ويرتبطون بشركات أميركية، ويحافظون على علاقات مع أفراد من عائلة ترامب، إلى جانب تمتعهم بنفوذ مباشر داخل الدائرة الرئاسية في دمشق.

ورغم أن الأدوات أصبحت أكثر تطوراً واكتسبت طابعاً دولياً، فإن جوهر العلاقة بقي على حاله؛ فالنفوذ السياسي يفتح أبواب الفرص الاقتصادية، والنفوذ الاقتصادي يوفر الحماية الدبلوماسية، وكلاهما يسهم في حماية الوسطاء من الرقابة والمساءلة.

ممر الطاقة… مشروع اقتصادي أم ورقة جيوسياسية؟

تعكس مشاريع ممرات الطاقة عبر سوريا هذا النموذج بصورة واضحة.

فقد أشارت تقارير إلى أن الأخوين الخياط عملا إلى جانب شركة شيفرون وشركاء آخرين على خطط لربط البنية التحتية النفطية العراقية بالأراضي السورية وصولاً إلى البحر المتوسط، بما يوفر للعراق منفذاً بديلاً عن مسارات التصدير عبر الخليج العربي.

ولو أُنجز مشروع بهذا الحجم، فسيتحول الأخوان الخياط من مجرد رجال أعمال في قطاع الإنشاءات إلى وسطاء استراتيجيين يربطون بين واشنطن وبغداد والدوحة ودمشق.

كما سيؤدي المشروع إلى ربط مصالح الحكومات الأجنبية باستقرار سوريا وفق الرؤية التي يطرحها أحمد الشرع، ويمنح إدارته هامشاً أوسع لتحديد الشخصيات التي يمكن الإبقاء عليها من رجال النظام السابق، وتلك التي ينبغي إعادة فتح ملفاتها المرتبطة بالحرب.

الدروز… ذاكرة الحرب ما زالت حاضرة

ينعكس هذا الواقع بصورة خاصة على الطائفة الدرزية، التي تعود أسباب عدم ثقتها بأحمد الشرع إلى سنوات سبقت وصوله إلى دمشق.

فقد ارتبط سجل جبهة النصرة في المناطق الدرزية بممارسة ضغوط دينية، والاستيلاء على الممتلكات، وإطلاق التهديدات، وارتكاب أعمال عنف.

وفي حزيران/يونيو 2015، قتل مقاتلون من جبهة النصرة عدداً من أبناء الطائفة الدرزية في بلدة قلب لوزة بمحافظة إدلب.

ورغم أن قيادة جبهة النصرة أدانت الحادثة ووصفتها بأنها تصرف فردي غير مصرح به، فإنها ظلت مسؤولة عن البنية العسكرية، والخطاب الأيديولوجي، والبيئة الأمنية التي وقع الهجوم في ظلها.

وأصبحت تلك الحادثة جزءاً من الذاكرة الجماعية للدروز، بوصفها شاهداً على مخاطر تمدد الجماعات الجهادية، وفرض سلطتها بالقوة، وعدم الثقة بالضمانات التي تقدمها بعد إحكام سيطرتها على الأرض.

علاقة معقدة بين جبهة النصرة ونظام الأسد

أسهمت طبيعة العلاقة التي ربطت أحمد الشرع بنظام الأسد خلال سنوات الحرب في تعميق هذا الشك.

فقد خاضت جبهة النصرة معارك ضد قوات النظام، وسيطرت على مناطق واسعة، وخسرت مقاتلين في المواجهات المباشرة، لكنها شاركت أيضاً، في مراحل مختلفة، في اتفاقات لوقف إطلاق النار، وعمليات تبادل، وترتيبات اقتصادية، وتفاهمات ميدانية هدفت إلى تجنب التصعيد.

ولم تكن هذه الترتيبات استثناءً، إذ لجأت معظم الفصائل المسلحة خلال الحرب السورية إلى تفاهمات مشابهة مع خصومها، لأن السيطرة على الطرق، وآبار النفط، والكهرباء، والسجون، والحواجز، وضمان استمرار الحياة اليومية، كانت في كثير من الأحيان تتقدم على الشعارات الأيديولوجية.

وفي المقابل، استفاد نظام الأسد من القضاء على فصائل المعارضة المستقلة على يد الجماعات الجهادية، إذ أتاح له صعودها تصوير الانتفاضة السورية بأكملها على أنها مؤامرة إرهابية، ودفع الحكومات الأجنبية إلى الاختيار بين نظامه والتنظيمات الإسلامية المسلحة.

تلاقي المصالح رغم العداء

من هذا المنطلق، فإن هجمات جبهة النصرة على الفصائل المنافسة، والأقليات، والهيئات المحلية المستقلة، كانت تصب في مصلحة نظام الأسد حتى في غياب أي تنسيق مباشر بين الطرفين.

فقد تلاقت مصالحهما كلما سعى النظام إلى دفع المعارضة نحو مزيد من التشدد والانقسام، بينما عملت جبهة النصرة على إقصاء القوى العلمانية، والوطنية، والديمقراطية، والكيانات المحلية المستقلة.

وهكذا تمكن النظام من تركيز حملاته العسكرية ضد المجتمعات التي اعتبرها معارضة، في حين فرضت الجماعات الجهادية سلطتها على المناطق الخارجة عن سيطرته، وقضت على البدائل السياسية والعسكرية التي كان يمكن أن تشكل تحدياً للطرفين معاً.

ولهذا، لا يمكن اختزال العلاقة بين الأسد والشرع خلال سنوات الحرب في رواية تقوم على العداء الدائم، بل اتسمت في مراحل مختلفة بتداخل معقد جمع بين المواجهة العسكرية، والتفاهمات التكتيكية، وتقاطع المصالح، وهي علاقة لا يمكن تفسيرها بمنطق الصراع المباشر وحده.

زر الذهاب إلى الأعلى