العودة عبر بساتين الزيتون.. عودة عفرين وإعادة ترتيب شمال سوريا

بقلم: إيرينا تسوكرمان
بدأت أولى عمليات العودة المنظمة لسكان عفرين المهجّرين عقب الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. ويشكّل هذا التطور أحد أكثر التحركات السكانية الملموسة المرتبطة مباشرة بالإطار السياسي الذي جرى التفاوض عليه بين دمشق وقيادة قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا. لسنوات طويلة كانت عفرين رمزاً للنزوح غير المحسوم، والهندسة الديموغرافية، وتفكك أنماط الحكم عبر شمال سوريا. وتعكس الموجة الأولى من العائدين التي تتكشف الآن في ظل الاتفاق ليس فقط اعتبارات إنسانية، بل أيضاً ترسيخ سلطة الدولة، وإعادة المعايرة السياسية الكردية، وإعادة الهيكلة التدريجية لترتيبات الحكم المحلي عبر الأراضي التي كانت متنازعاً عليها سابقاً.
تقع منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي الغربي، وكان عدد سكانها يُقدَّر بين 320 ألفاً و350 ألف نسمة قبل العملية العسكرية التي قادتها تركيا والمعروفة باسم عملية غصن الزيتون في مطلع عام 2018. وكانت المجتمعات الكردية تشكّل غالبية سكان المنطقة، إلى جانب عرب وإيزيديين ومجموعات أرمنية أصغر. وقد أدارت هياكل الإدارة المحلية الكردية المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي المنطقة بوصفها جزءاً من الإدارة الذاتية الأوسع لشمال وشرق سوريا. وكانت المنطقة متكاملة اقتصادياً مع حلب عبر زراعة الزيتون والتجارة العابرة للحدود والأسواق الزراعية التي دعمت آلاف العائلات.
تسببت الهجوم التركي عام 2018 في نزوح أجزاء كبيرة من السكان المدنيين في عفرين. وقد وثّقت المجالس البلدية الكردية أن أكثر من 150 ألفاً من السكان فرّوا نحو منطقة الشهباء شمال مدينة حلب، حيث نشأت مخيمات مؤقتة ومستوطَنات بدائية حول تل رفعت والقرى المحيطة بها. وغالباً ما وصفت التقارير العربية الصادرة عن المجالس المحلية في الشهباء هذا النزوح بأنه أحد أكبر تحركات السكان الأكراد خلال المراحل الشمالية من الحرب. كما وثّقت وسائل إعلام كردية مثل وكالة هاوار ومنظمات إنسانية محلية سنوات من تدهور الظروف في تلك المخيمات. فقد عاش السكان في مبانٍ غير مكتملة، ومدارس مكتظة، ومخيمات خيام كانت العواصف الشتوية تدمر ملاجئها المؤقتة مراراً.
أنتج النزوح تغيراً ديموغرافياً طويل الأمد داخل عفرين نفسها. فقد أنشأت الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا هياكل إدارية في المنطقة بعد عام 2018، وأشرفت على إعادة توطين آلاف السوريين النازحين من أجزاء أخرى من البلاد. واستقرت عائلات عربية سورية قادمة من الغوطة الشرقية وريف حمص وإدلب في منازل مهجورة أو في مشاريع إسكان حديثة البناء. وأفادت منظمات مدنية كردية بوقوع مصادرات واسعة للممتلكات، وإعادة توزيع للأراضي، وتفكك الشبكات الزراعية التي كانت قبل الحرب تدعم اقتصاد الزيتون في عفرين.
أنشأ الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية أول إطار منظم لمعالجة قضية النزوح من عفرين. وتكثفت المفاوضات طوال عام 2024 وبداية عام 2025 مع دخول قيادة قوات سوريا الديمقراطية في محادثات مباشرة مع دمشق بشأن ترتيبات الحكم في شمال شرق سوريا. وأدرك الممثلون السياسيون الأكراد بشكل متزايد أن هياكل الحكم الذاتي طويلة الأمد تواجه ضغوطاً إقليمية متزايدة، ولا سيما من تركيا، إضافة إلى تغير الأولويات الدولية. ومن جانبهم دخل مفاوضو الحكومة السورية المحادثات انطلاقاً من موقف مفاده أن إعادة دمج الأراضي واستعادة مؤسسات الدولة يشكلان أساس أي تسوية.
ركز أحد أكثر البنود حساسية في الاتفاق على آليات عودة المدنيين للنازحين من عفرين والمناطق المحيطة بها. وأنشأت السلطات السورية وممثلو قوات سوريا الديمقراطية لجاناً مشتركة مسؤولة عن تحديد السكان الأصليين، والتحقق من سجلات ملكية العقارات، وتنسيق ممرات النقل من مناطق النزوح نحو أطراف عفرين. ووصفت تقارير باللغة الكردية صادرة عن لجان ميدانية العملية بأنها بطيئة وتعتمد على توثيق كثيف. وقد سجل السكان أسماءهم عبر المجالس المحلية في الشهباء وريف حلب، مقدّمين سندات ملكية ما قبل الحرب وسجلات عائلية ووثائق بلدية لإثبات أهليتهم للعودة.
بدأت أولى تحركات القوافل بعد عدة أسابيع من التحضير اللوجستي. فقد سافرت نحو 300 عائلة ضمن وسائل نقل منسقة نظمتها وكالات إنسانية وهيئات الإدارة المحلية. وراقبت قوات الأمن التابعة للحكومة السورية وضباط الارتباط في قوات سوريا الديمقراطية الطريق عبر الحواجز التي تربط الشهباء بمنطقة عفرين. ووصفت وسائل إعلام سورية عربية القافلة بأنها المرحلة الأولى من خطة إعادة توطين أوسع تشمل آلاف العائلات عبر عدة مراحل.
واجهت العائلات العائدة إلى عفرين مشهداً متغيراً شكّلته سنوات من الصراع والتجزئة الإدارية. فقد عكست أحياء كاملة في مركز المنطقة أنماط ملكية جديدة وخدمات بلدية متغيرة. وبقيت بساتين الزيتون سليمة عبر أجزاء واسعة من الريف، إلا أن شبكات الري والتعاونيات الزراعية التي كانت تدعم مواسم الحصاد الكبيرة قد تدهورت. وأفادت جمعيات زراعية كردية محلية بأن العديد من المزارعين العائدين بدأوا فوراً بتفقد بساتينهم ومستودعاتهم لتقييم ما إذا كانت صالحة للاستخدام في مواسم الحصاد القادمة.
برزت إعادة الممتلكات باعتبارها القضية المركزية التي تواجه عملية العودة. فقد بدأت اللجان البلدية التي أُنشئت ضمن إطار الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية مراجعة مطالبات الملكية المتنافسة. وشكّلت وثائق السجل المدني في عفرين قبل الحرب المرجع القانوني الأساسي. أما السكان الذين كانت منازلهم قد احتُلت أو تحولت إلى مواقع عسكرية فقد واجهوا إجراءات وساطة طويلة تشرف عليها مجالس مدنية مشتركة. وشددت السلطات السورية على استعادة أنظمة تسجيل الملكية الرسمية لمنع نشوء نزاعات جديدة قد تزعزع عملية العودة.
شكّل التعافي الاقتصادي ركناً آخر من تنفيذ الاتفاق. فقد اعتمد اقتصاد عفرين قبل الحرب بدرجة كبيرة على زراعة الزيتون وإنتاج زيت الزيتون والتجارة الزراعية الصغيرة مع حلب. وقدّرت اتحادات زراعية كردية أن المنطقة كانت تنتج أكثر من 200 ألف طن من الزيتون سنوياً قبل تصاعد النزاع. وأدت سنوات النزوح إلى تعطيل دورات الحصاد وإلحاق الضرر بالبنية التحتية للتخزين. لذلك واجهت العائلات العائدة في الأشهر الأولى بعد وصولها تحديين متزامنين: إعادة بناء المساكن واستعادة الإنتاج الزراعي.
أدخلت الحكومة السورية عدة إجراءات تهدف إلى تثبيت الظروف الاقتصادية للعائدين. فقد أعيد افتتاح المكاتب الزراعية المحلية في مدينة عفرين، وجرى توزيع مخصصات الوقود للمعدات الزراعية وتنظيم عمليات معاصر الزيتون لموسم الحصاد المقبل. كما عملت اللجان المدنية الكردية إلى جانب هذه المكاتب لتحديد قطع الأراضي التي تحتاج إلى إصلاح شبكات الري أو إعادة الزراعة. وبدأ المزارعون الذين أمضوا سنوات في مخيمات الشهباء بالتنسيق لتشكيل مجموعات حصاد تعاونية مشابهة للنظام الذي كان قائماً قبل الحرب لدعم العمل الجماعي خلال فترات الحصاد.
كما لعب التنسيق الأمني دوراً حاسماً في تشكيل المرحلة الأولى من العودة. فقد ركزت آليات المراقبة المشتركة بين قوات الأمن السورية وممثلي قوات سوريا الديمقراطية على منع المضايقات أو الانتقام من السكان العائدين. وأصرت القيادة السياسية الكردية على ضمانات تحمي المدنيين الذين عاشوا سابقاً تحت هياكل الإدارة الذاتية. وفي المقابل شدد المسؤولون السوريون على أن السكان العائدين بموجب الاتفاق يُعترف بهم كمواطنين ستُحفظ أوضاعهم المدنية وحقوقهم في الملكية ضمن الإطار القانوني الوطني.
بدأت هياكل الحكم المحلي في عفرين تخضع لإعادة تنظيم تدريجية مع تقدم عمليات العودة. فقد أعيد فتح المكاتب البلدية بموجب القانون الإداري السوري مع الاحتفاظ بمجالس استشارية تضم ممثلين عن المجتمعات الكردية والعربية. ويعكس هذا الترتيب أنماطاً أوسع تظهر عبر شمال شرق سوريا حيث تنتقل المؤسسات المرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية نحو نماذج حكم متكاملة تحت إشراف دمشق مع الحفاظ على بعض الأدوار الإدارية المحلية.
بالنسبة للعائلات المهجرة، يبقى البعد النفسي للعودة عميقاً. فكثير من السكان الذين وصلوا في القوافل الأولى كانوا قد عاشوا في مستوطنات مؤقتة لأكثر من ست سنوات. وقد وصفت شهادات باللغة الكردية جمعتها منظمات إنسانية إقليمية مشاعر مختلطة عند دخول المنطقة مرة أخرى. فقد تعرّف السكان على الشوارع والمساجد وبساتين الزيتون المألوفة، بينما واجهوا آثار الصراع الطويل. وكانت المدارس والمباني البلدية بحاجة إلى إصلاح، كما عملت خدمات عامة مثل توزيع المياه وشبكات الكهرباء بشكل غير منتظم خلال الأسابيع الأولى بعد عودة العائلات.
وبدأت الشبكات المجتمعية التي كانت تنظم الحياة اليومية بالظهور تدريجياً من جديد. فقد اجتمعت العائلات الممتدة التي فرقتها سنوات النزوح في قرى عفرين، وأعيد تشكيل مجموعات العمل الزراعي لتحضير الحقول والبساتين لموسم الحصاد القادم. كما أعيد فتح الأسواق في تجمعات صغيرة حول مركز مدينة عفرين حيث بدأ التجار ببيع المستلزمات الزراعية ومواد البناء والسلع المنزلية التي تحتاجها العائلات لإصلاح منازلها المتضررة.
يرى الفاعلون السياسيون الأكراد المحليون أن عملية عودة عفرين تمثل أحد أكثر نتائج المفاوضات مع دمشق وضوحاً. فلق سنوات طويلة كانت قضية عفرين رمزاً للمظالم غير المحسومة لدى المجتمعات الكردية في شمال سوريا. وتحمل عودة حتى بضع مئات من العائلات دلالة رمزية تتجاوز أثرها الإنساني المباشر، إذ تشير إلى أن الاتفاقات السياسية بين الدولة السورية والقيادة الكردية بدأت تنتج تغييرات ملموسة على الأرض.
أما المسؤولون في الحكومة السورية فيفسرون العملية نفسها على أنها دليل على إعادة الاندماج التدريجية للأراضي بعد أكثر من عقد من الحكم المجزأ. إذ إن إعادة دمج عفرين ضمن الهياكل الإدارية الرسمية للدولة تدعم جهود دمشق الأوسع لاستعادة المؤسسات المدنية عبر المناطق الشمالية التي كانت تحكمها سلطات موازية. كما أن عودة السكان المهجّرين توفر استقراراً ديموغرافياً يعزز شرعية هذه الجهود الإدارية.
ويبقى التوازن الديموغرافي قضية تُراقب عن كثب مع استمرار عمليات العودة. إذ تتعقب اللجان المدنية المحلية تحركات السكان لضمان استعادة السكان الأصليين لمنازلهم وأراضيهم الزراعية. كما تحتفظ السلطات السورية بسجلات توثق كل أسرة عائدة، بما في ذلك موقع العقار وعدد أفراد الأسرة وحيازاتها الزراعية. وتُستخدم هذه السجلات في خطط إعادة الإعمار الأوسع التي تشمل إصلاح المدارس والمرافق الصحية واستعادة قنوات الري عبر ريف عفرين.
تستمر عملية العودة على مراحل مصممة لتتناسب مع قدرة البنية التحتية والظروف الأمنية. وتنسق المنظمات الإنسانية العاملة في ريف حلب مع السلطات البلدية لتوفير مواد البناء وأنظمة تنقية المياه وعيادات طبية مؤقتة للعائدين. كما توزع برامج الدعم الزراعي شتلات زيتون وأسمدة تهدف إلى إحياء البساتين المهجورة التي تدهورت خلال سنوات النزوح.
وعبر شمال سوريا توضح عودة عفرين مرحلة جديدة في التعافي الطويل وغير المتكافئ للبلاد من الصراع. فالترتيبات السياسية بين الأطراف المسلحة تتحول إلى إجراءات عملية تؤثر على العائلات العادية التي اقتُلعت حياتها بسبب الحرب. وتمثل القوافل التي تسافر من مخيمات النزوح نحو تلال عفرين المغطاة بالزيتون بداية حركة أوسع تعيد ربط الناس بأراضيهم ومنازلهم ومؤسساتهم المحلية التي شكلتها أجيال من الحياة المجتمعية.
ومع استعداد عائلات إضافية للانضمام إلى القوافل الأولى، تقف عفرين في مركز تحول تدريجي يتكشف عبر شمال سوريا. فالحقول الزراعية التي تُركت خلال الحرب تعود إلى الزراعة، وتُعاد فتح المدارس بطلاب قضوا سنوات يدرسون في صفوف مؤقتة داخل مخيمات النزوح. كما تعيد المجالس البلدية بناء الروتين الإداري الذي يربط القرى بهياكل الحكم على مستوى المنطقة.
ومع ذلك فإن هذه التطورات لا تمحو آثار سنوات النزوح والصراع. فكثير من العائلات تعود إلى منازل تحتاج إلى إصلاح واسع أو إعادة بناء. كما تبقى نزاعات الملكية معقدة وتتطلب وساطة دقيقة. ومع ذلك فإن عودة الإيقاع الاقتصادي والاجتماعي اليومي داخل عفرين تشير إلى تحول ملموس في مسار شمال سوريا. فقد عادت بساتين الزيتون لتُجهّز للحصاد، وأعيد فتح الأسواق، وعادت العائلات إلى المشاهد الطبيعية التي شكّلت حياتها قبل أن تفرّقها الحرب في مخيمات الشهباء وأطراف حلب.
ومع ذلك، وتحت هذه التحركات الظاهرة، يبقى السياق الاستراتيجي الأوسع المحيط بعفرين غير مستقر. فقد ظهر الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية ضمن سياق إقليمي أوسع تشكله عملية الانسحاب التدريجي للوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا. وعلى مدى ما يقرب من عقد وفّرت القوات الأمريكية مظلة استراتيجية سمحت لقوات سوريا الديمقراطية بتعزيز سيطرتها على أجزاء واسعة من شمال وشرق سوريا، مع ردع المواجهة المباشرة بين القوات الكردية والحكومة السورية وتركيا. إن التفكيك التدريجي لذلك الإطار العسكري يغير ميزان القوى عبر الحدود الشمالية بأكملها.
عمل الوجود العسكري الأمريكي كقوة استقرار حدّت من التوسع العسكري التركي خارج المناطق التي سيطرت عليها خلال العمليات السابقة. وعندما يختفي ذلك الوجود تماماً، يختفي معه أثر الردع. فقد صاغت العقيدة الأمنية التركية باستمرار المنظمات الكردية المسلحة على طول الحدود السورية بوصفها امتداداً لحزب العمال الكردستاني. وقد صرحت القيادة التركية مراراً في وسائل الإعلام التركية والعربية بأنها ترى وجود هياكل إدارية كردية مسلحة جنوب الحدود تهديداً أمنياً غير مقبول. إن انسحاب القوات الأمريكية يزيل القيد الدولي الرئيسي الذي كان يخفف حسابات تركيا العسكرية في المنطقة.
وبذلك تقع عفرين داخل ممر هش يربط عدة مناطق عسكرية متنافسة. فالفصائل المدعومة من تركيا تواصل السيطرة على أجزاء واسعة من المنطقة وريفها. بينما تبقى وحدات الحكومة السورية منتشرة على خطوط الجبهة الممتدة من نبل والزهراء نحو تل رفعت. وتحافظ مجموعات كردية مسلحة على عناصر أمن محلية مرتبطة بهيكل قوات سوريا الديمقراطية. وينظر كل طرف إلى المنطقة من زاوية استراتيجية مختلفة. كما أن عودة السكان المهجّرين تعيد إدخال المدنيين إلى بيئة لا تزال فيها السلطات الأمنية المتداخلة غير محسومة.
وتوضح السوابق التاريخية في شمال سوريا مدى سرعة انهيار مثل هذه الترتيبات عندما يختفي الردع الخارجي. فقد أظهرت تجارب سابقة في منبج ورأس العين وتل أبيض أن آليات وقف إطلاق النار المحلية يمكن أن تنهار خلال أيام عندما تعيد القوى الإقليمية تقييم خياراتها العسكرية. ويقر القادة الأكراد المشاركون في عملية عودة عفرين في مقابلات باللغة الكردية بأن الاتفاق مع دمشق يعكس إدراكاً بأن القوات الكردية وحدها لا تستطيع حماية المجتمعات من مواجهة إقليمية جديدة.
ويواصل التخطيط العسكري التركي التركيز على إنشاء منطقة عازلة عميقة على طول الحدود السورية. وقد ناقش المسؤولون الأتراك مراراً توسيع السيطرة شرقاً من عفرين نحو كوباني والقامشلي. وقد اعتمد مثل هذا التوسع طويلاً على ظروف جيوسياسية تزيل العقبات الدولية أمام العمليات التركية. إن الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية سيخلق تلك الظروف تحديداً. وعندها سيواجه المخططون العسكريون في أنقرة قيوداً دبلوماسية أقل بكثير عند تقييم عمليات عسكرية إضافية عبر الحدود.
وفي ظل هذه الظروف قد تتحول عفرين مرة أخرى إلى مركز للنزوح بدلاً من العودة. إذ يبقى المدنيون العائدون إلى القرى قرب الحواف الشمالية والغربية للمنطقة معرضين بشكل خاص لاحتمال تجدد الأعمال العدائية. فقد تكررت تبادلات القصف والاشتباكات المحدودة عبر خطوط الجبهة في عفرين وتل رفعت حتى خلال الفترات التي وُصفت رسمياً بالاستقرار. كما أن وجود المدنيين العائدين يزيد من الكلفة البشرية لأي تصعيد مستقبلي.
كما يحمل الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية تداعيات على الحكم الذاتي الكردي عبر شمال سوريا. فعندما تختفي الحماية الأمريكية تفقد المؤسسات الإدارية الكردية الدعم الخارجي الذي سمح لها بالتفاوض مع الفاعلين الإقليميين من موقع قوة نسبية. وبهذا تكتسب السلطات الحكومية السورية نفوذاً أكبر في تشكيل مستقبل تلك المؤسسات. وتعمل المجالس المدنية الكردية المشاركة في عملية عودة عفرين على أساس أن السلطة الإدارية ستنتقل تدريجياً نحو هياكل الدولة.
ويخلق هذا التحول حالة من عدم اليقين لدى السكان العائدين إلى عفرين الذين أمضوا سنوات يعيشون في ظل نماذج حكم ذاتي. فقد كانت أنظمة التعليم واتخاذ القرار البلدي والإدارة المدنية تعكس أطر سياسية كردية تطورت خلال الحرب. أما إعادة الاندماج ضمن حكم مركزي للدولة فتدخل بيئة قانونية وسياسية مختلفة لم تعشها العديد من المجتمعات منذ أكثر من عقد. ويحدث هذا الانتقال ببطء لكنه يحمل آثاراً طويلة المدى على الحياة السياسية المحلية.
كما يزيد الضعف الاقتصادي من تعقيد البيئة الهشة المحيطة بعمليات العودة. إذ يعتمد تعافي الزراعة في عفرين على ظروف أمنية مستقرة تسمح للمزارعين بزراعة بساتين الزيتون ونقل المحاصيل إلى مرافق المعالجة وبيع الزيت عبر الأسواق الإقليمية. وأي مواجهة عسكرية جديدة أو عدم استقرار طويل قد يعطل تلك الشبكات الاقتصادية الهشة. فكثير من العائلات العائدة تصل بمدخرات محدودة بعد سنوات من النزوح، وتعتمد قدرتها على إعادة بناء المنازل واستئناف الإنتاج الزراعي إلى حد كبير على الوصول غير المنقطع إلى الأراضي والأسواق.
وغالباً ما تصف التقارير المحلية الكردية مخاوف من أن يؤدي عدم الاستقرار المتجدد إلى موجة نزوح ثانية قبل أن تتمكن المجتمعات من إعادة ترسيخ نفسها بالكامل. فالعائلات العائدة من مخيمات الشهباء تحمل ذكريات الهروب المفاجئ خلال مراحل سابقة من الحرب. وتكشف الأحاديث التي سجلها صحفيون إقليميون عن نظرة حذرة لدى كثير من السكان الذين يصفون عودتهم بأنها مؤقتة أكثر منها دائمة. فهم يعيدون بناء المنازل ويزرعون الحقول مع إدراكهم أن البيئة العسكرية الأوسع لا تزال متقلبة.
وهكذا تتكشف عملية العودة إلى عفرين ضمن نافذة ضيقة تشكلها الحسابات السياسية الإقليمية. فدمشق تنظر إلى الاتفاق بوصفه خطوة نحو استعادة السلطة الوطنية على الأراضي. بينما تتعامل القيادة الكردية مع الترتيب نفسه باعتباره تكيفاً ضرورياً مع واقع جيوسياسي متغير. وتواصل تركيا مراقبة التطورات عن كثب مع الحفاظ على وجود عسكري عبر شمال سوريا. أما الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية فيزيل الطبقة الاستقرارية التي كانت تضبط التفاعلات بين هذه الأطراف.
وفي هذا المشهد يتحرك المدنيون العائدون بقدرة محدودة على التحكم بالقوى التي ستشكل مستقبلهم. فبساتين الزيتون تُنظَّف وتُرمَّم المنازل، لكن الهياكل السياسية والعسكرية المحيطة بعفرين لا تزال متغيرة. وتمثل القوافل التي تنقل العائلات من مخيمات النزوح عودة إلى الوطن ومقامرة في آنٍ واحد بأن التوازن الهش الذي يحافظ على تماسك شمال سوريا سيستمر بما يكفي كي تعيد المجتمعات بناء حياتها.




