آراء وتحليلات

خيارات أردوغان الصعبة للخروج من عنق زجاجة الانتخابات القادمة (1)

حسن حسن

من المقرر أن تجرى الانتخابات العامة في تركيا في يوم 18 يونيو/ حزيران عام 2023. وسينتخب الناخبون رئيساً جديداً للبلاد، بالإضافة إلى /600/ عضو في الجمعية الوطنية الكبرى في تركيا، كل منهم لمدة خمس سنوات. وستكون هذه الانتخابات الثانية التي سيخوضها أردوغان من أجل الرئاسة، حيث أصبح رئيسا لتركيا في عام 2014، وفي عام 2018 فاز في انتخابات مبكرة، مهد من أجلها لاحتلال عفرين وتشريد شعبها، بعد أن غيَّر الدستور وألغى رئاسة الوزراء وقام بتهميش دور البرلمان والقضاء، وحوَّل البلاد إلى الحكم الرئاسي العائلي مطلق الصلاحية.

هذه المرة أيضاً سيكون أردوغان مرشَّح التحالف الذي شُكِّلَ سابقاً بين حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحزب الحركة القومية العنصري المتطرف باسم “تحالف الشعب”.

ما برح أردوغان يعلن أنه ينوي القتال من أجل منصب رئيس الدولة، داعياً للإعلان عن اسم مرشَّح المعارضة. غير أنَّ آخر استطلاع للرأي أكد أن أردوغان يتخلَّف عن أي مرشح محتمل لأحزاب المعارضة الستة بـ/7.8/ نقاط، وسيكون لأصوات حزب الشعوب الديمقراطية (حوالي 11 إلى 13بالمئة)، كلمة الفصل في تحديد الفائز. لذلك سيفعل أردوغان كل ما في وسعه لتحييد الأصوات الكُرديّة، عبر شن مزيد من حروب الإبادة على الشعب الكردي عموماً وعلى حزب الشعوب الديمقراطية (HDP) خصوصاً. كما تشير الاستطلاعات بأن حليفه الفاشي “دولت بهجلي” لن يتمكن من اجتياز حاجز الـ/10/ بالمئة، لذلك سيغير أردوغان القانون الانتخابي في الفترة القادمة، في محاولة لتعويم حظوظ حليفه وحظوظه التعيسة، لكنه سيفعل كل شيء للبقاء في السلطة حتى لو تطلب ذلك جر تركيا لحرب أهلية.

سلطانٌ طموح أم هتلر الأناضول؟

فكرٌ بنسخة أناضولية لـ”أدولف هتلر”، وهو التعريف الحقيقي لفكره وممارساته. شهوة أردوغان النهمة للسلطة لا حدود لها، طموحه هذا ليس أقل من أن يكون سلطاناً في العصر الحديث أو خليفة جديدةً للمسلمين.

لقد أمضى في الحكم كرئيس للوزراء والآن رئيس للجمهورية مدة 20 عاماً. ومع ذلك؛ يبدو أن نهمه للسلطة المطلقة لا حدود لها، مما دفعه إلى اتخاذ إجراءات استثنائية ومنهجية لتحييد أي مصدر يتحداه، بما في ذلك القضاء والصحافة وأحزاب المعارضة والجيش والأكاديميين.

يستخدم تكتيكات التخويف لإسكات منتقديه، ويقدّم المساعدة الاقتصادية والحوافز الأخرى لأتباعه الإسلاميين المتطرفين وحروب الإبادة العنصرية ضد الشعب الكردي لحليفه العنصري المتطرف “بهجلي”.

يواجه حلفاً من أحزاب المعارضة التي تضم أقرب المقربين منه، وأعني زملاءه السابقين المؤسسين لحزب العدالة والتنمية ممن غدر بهم بكل مَكرٍ.

لا شك أن أردوغان هو أطول حاكم وشخصية سياسية مهيمنة منذ أن أسس مصطفى كمال أتاتورك تركيا الحديثة منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وحيث يواجه أردوغان انتخابات برلمانية ورئاسية؛ من المزمع إجراؤها في يونيو/ حزيران 2023.

تظهر آخر استطلاعات الرأي انخفاض التأييد لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه إلى ما دون /32/ بالمئة، حيث يواجه تحالفاً فضفاضاً لأحزاب المعارضة. وتظهر استطلاعات الرأي أنه يتخلّف عن مرشحي المعارضة للرئاسة أيضاً. رؤساء الأحزاب الستة المناوئة لأردوغان وبهجلي، هم “كمال كليتشدار أوغلو” رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، و”ميرال أكشنار” رئيسة حزب «الجيد»، و”علي باباجان” رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم»، و”أحمد داود أوغلو” رئيس حزب «المستقبل»، و”غولتكين أويصال”، رئيس «الحزب الديمقراطي»، و”تَمَلْ كارامولا أوغلو” رئيس «حزب السعادة».

تتصدر مخاوف الناخبين حالة الاقتصاد، ووجود /3.6/ مليون لاجئ سوري، استغل اردوغان وجودهم منذ بداية الصراع في سوريا ليحصل على عشرات المليارات من الدولارات، مستخدماً إيّاهم كورقة ابتزاز وارتزاق رخيصة، والآن يرحلهم قسراً للشمال السوري، داعياً المعارضة السورية التابعة لها للتصالح مع حكومة دمشق لمحاربة الادارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وذلك للوفاء بالتزاماته تجاه روسيا وإيران، بعد أن بدأ الأتراك في تحميل السوريين مسؤولية فشلهم الاقتصادي.

ما هي خيارات أردوغان القادمة للفوز بالانتخابات؟

١ – هل يكرر أردوغان سيناريو انقلاب 2016 ليفتك بمعارضيه؟

ربما يلجأ أردوغان لتدبير انقلاب جديد كي يتخلص من قادة أحزاب المعارضة، إذا ما شعر بحتمية خسارته للانتخابات القادمة، حتى لو تطلَّب ذلك جَرَّ تركيا لأتون حرب أهلية وفوضى عارمة شبيهة بما حدث في سوريا والعراق.

كانت محاولة الانقلاب المزعومة عام 2016، هبة من الله، منحت أردوغان الذريعة لتطهير الدولة من أي فرد أو منظمة يَنظر إليها على أنها خصمه. فسجن عشرات الآلاف ممن اتُّهموا بصلاتهم بـ”فتح الله غولن”، رجل الدين الإسلامي المتهم بتدبير الانقلاب، أو العلاقة مع PKK أوHDP.

فور الانقلاب العسكري؛ فرض أردوغان حالة الطوارئ التي سمحت للحكومة بالحكم بمرسوم يطرد بموجبه الموظفين العموميين ويعتقلهم متى شاءت.

وقتها تم اعتقال وفصل قرابة /200/ ألف موظف حكومي وضابط من صفوف الجيش. على سبيل المثال، في 16 يوليو/ تموز 2016 أي بعد يوم واحد فقط من إحباط الانقلاب المزعوم؛ تم فصل واحتجاز /2745/ قاضياً. وأعقب ذلك فصل أكثر من /100/ ألف مسؤول أو احتجازهم أو تعليقهم عن العمل.

يبدو أن حكومة أردوغان كانت أعدَّت مسبقاً قوائم اعتقال المعارضين السياسيين قبل محاولة الانقلاب، وكانت تنتظر الوقت المناسب للانقضاض عليهم.

اليوم؛ وبسبب حالة الطوارئ تلك يحتجز النظام التركي من الصحفيين أكثر من أي حكومة أخرى على وجه الأرض.

سمحت حالة الطوارئ التي أعقبت الانقلاب، بانقلاب ضد حزب الشعوب الديمقراطي HDP، وعلى الأخص مع إقالة حوالي /12000/ معلم كردي وجميع رؤساء البلديات وأغلبية النواب المنتخبين لحزب الشعوب الديمقراطي في أواخر عام 2016، بمن فيهم الرئيسين المشتركين للحزب، صلاح الدين دميرتاش وفيغان يوكسك داغ.

في مايو/ أيار 2016، ضغط أردوغان على البرلمان التركي للموافقة على مشروع قانون يجرّد النواب من الحصانة من الملاحقة القضائية؛ حتى يتمكن من خنق خصومه السياسيين. وقد اعتبر هذا على نطاق واسع اعتداء على نواب الشعب الكردي الذين يمكن أن تلفق لهم الحكومة تهمة الارتباط بأنشطة “إرهابية”، وعلى ضوئها يتعرضون للمحاكمة الآن.

٢ – الكُرد هم عقدة النقص الخاصة بأردوغان، ولذلك سيشن مزيداً من حملات الإبادة عليهم:

إذا نظرنا إلى الانتخابات البرلمانية في يونيو/ حزيران 2015 عندما خسر حزب العدالة والتنمية، حزب أردوغان الإسلامي، أغلبيته الحاكمة لأول مرة منذ عام 2000، فسوف نفهم بشكل أفضل تكتيكات هذا الرجل. بالنسبة لأردوغان، كانت تلك النتيجة لا تطاق ولا يمكن السماح لها بالبقاء.

ومن المثير للقلق أن الإستراتيجية التي استقر عليها أردوغان هي نسخة من القول اللينيني المأثور: “كلما كان الأمر أسوأ، كان ذلك أفضل”، عبر ضرب الاستقرار وإذكاء الصراعات وشن الهجمات الإرهابية في أعقاب أي انتخابات خاسرة، يبدو أن أردوغان يراهن على أنه قد يُجبر الناخبين الأتراك والكُرد هذه المرة أيضاً على إدراك خطأ اختيارهم وإعادة النظر في قرارهم بإدارة ظهورهم لهيمنة حزب العدالة والتنمية مثلما فعل عقب انتخابات 15يونيو/ حزيران 2015، حيث وفي غضون أسابيع، فتح أردوغان باب الجحيم عندما لم يتم تشكيل الحكومة، فانخفضت قيمة العملة التركية إلى مستويات تاريخية، وارتفع خطر الانهيار الاقتصادي، وجدد الجيش التركي حربه الهمجية على الشعب الكردي في كل مكان، وشن “داعش” حملة تفجيرات دامية في تركيا استهدفت خصوم أردوغان.

دخل أردوغان في حرب مع الكُرد لمواجهة جميع التهديدات الوجودية المحتملة لعرشه الرئاسي. هذه بالأصل حرب سياسية أطلقها أردوغان لنجاح حظوظه السياسية وتعزيز أجنداته الاستبدادية.

عندما أدرك أنه فشل في تسخير أي سلام مع الكُرد في خدمة أهدافه السياسية الأوسع؛ اعتمد على شن الحرب على الكُرد والنفخ في بوق الفاشية الكريه لكسب ودّ العنصريين الأتراك.

يتبع…

الآراء المنشورة في المنصة تعبر عن وجهة نظر كتابها..

زر الذهاب إلى الأعلى