آراء وتحليلات

تلاقي الأجندات.. واشنطن، أنقرة وإعادة رسم هادئة لمستقبل سوريا

بقلم: إيرينا تسوكِرمان

زيارة تاريخية إلى البيت الأبيض

مثّلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض واحدة من أكثر اللحظات أهمية في الدبلوماسية الحديثة في الشرق الأوسط، حيث تداخلت الرمزية والمضمون لإعادة تعريف موقع سوريا على الساحة الدولية.

كانت تلك المرة الأولى في التاريخ التي يُستقبل فيها رئيس سوري رسميًا في واشنطن، في مشهد تجاوز حدود البروتوكول إلى دلالات سياسية عميقة.

لسنوات طويلة، كانت سوريا تُعتبر دولة منبوذة، خاضعة للعقوبات، ومعزولة عن المنتديات الدولية، ومثلاً يُستشهد به على انهيار الدولة وتغوّل الاستبداد. لذلك، كان مشهد الشرع وهو في البيت الأبيض انعكاساً لانقلاب جذري في السردية السورية.

لم يُقدَّم اللقاء بوصفه “مغفرة” بل اعترافًا بأن سوريا الجديدة قادرة على المساهمة في النظام الإقليمي والأمن العالمي.

جوهر الزيارة: أهداف سياسية عملية

كان في صميم اللقاء التاريخي مجموعة أهداف واقعية تتجاوز الدبلوماسية الشكلية، أهمها إعلان انضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش.

جاء ذلك تتويجًا لأشهر من التعاون السري وتبادل المعلومات بين أجهزة الأمن السورية والأمريكية والإقليمية.

بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن، ستنسق القوات السورية عمليات مكافحة الإرهاب وحماية الحدود على امتداد نهر الفرات بالتعاون مع شركاء التحالف.

كان هذا أول تعاون منظم بين سوريا والغرب منذ اندلاع الحرب الأهلية.

ولواشنطن، مثل هذا الاتفاق وسيلة لتحقيق الاستقرار شرق سوريا دون عودة الوجود العسكري الأمريكي الكثيف، أما لدمشق فقد منحها شرعية وأمنًا وولوجًا إلى بنية الاستخبارات الغربية.

رفع العقوبات الأممية: الاعتراف الدولي الجديد

تحقّق أبرز إنجاز دبلوماسي للزيارة عندما أعلنت الأمم المتحدة – بينما كان الشرع لا يزال في واشنطن – رفع العقوبات المفروضة على الرئيس السوري ووزير داخليته.

كانت تلك العقوبات رمزًا لعزلة سوريا وعقابًا شخصيًا ومؤسساتيًا على انتهاكات النظام السابق.

إزالتها مثّلت اعترافًا سياسيًا صريحًا بإعادة تأهيل النظام السوري الجديد.

تزامن الإعلان مع المصافحة الأولى بين الشرع والرئيس الأمريكي، ما منح الحدث وزنًا رمزيًا مضاعفًا.

فقد أشار ذلك إلى أن المجتمع الدولي بات يرى في الحكومة السورية كيانًا شرعيًا منفصلًا عن نظام الأسد، وجاهزًا للعودة إلى الدبلوماسية المتعددة الأطراف.

دلالات شخصية وسياسية للرئيس الشرع

بالنسبة للشرع، حمل القرار دلالة شخصية عميقة؛ إذ صعد إلى السلطة على وعد بمكافحة الفساد وتقليص التبعية الخارجية وإعادة سوريا إلى حكم القانون.

قرار الأمم المتحدة بمحو اسمه واسم وزيره من لوائح العقوبات كان بمثابة تصديق دولي على مشروعه الإصلاحي.

كما أن لهذا القرار أثرًا ماديًا مباشرًا: إذ استعادت سوريا الوصول إلى المؤسسات المالية الدولية وبرامج التنمية وآليات إعادة الإعمار التي كانت مجمّدة منذ أكثر من عقد.

بالتالي، لم يكن رفع العقوبات مجرد اعتراف سياسي، بل إعادة إدماج اقتصادية عملية.

ملف العقوبات الأمريكية: مراجعة حذرة

ناقش الشرع مع ترامب قضية العقوبات الأمريكية (قانون قيصر) التي فُرضت خلال السنوات الأخيرة من الحرب.

جادل بأن هذه العقوبات – المصممة لمعاقبة النظام السابق – أصبحت تعرقل الحكومة الجديدة التي تتعاون مع واشنطن.

ورغم أن ترامب لم يتعهد برفعها فورًا، وافقت إدارته على مراجعة نطاقها وتأثيرها الإنساني.

وجاء البيان الختامي ليشير إلى أن “الظروف في سوريا تغيرت بشكل كبير، وعلى السياسة الأمريكية أن تعكس هذه الحقائق” — وهو أول مؤشر على مرونة أمريكية في هذا الملف الحساس.

اجتماعات مغلقة واتفاقات استخبارية

خلف الكواليس، كانت الاجتماعات الخاصة لا تقل أهمية.

تم الاتفاق بين مسؤولين أمريكيين وسوريين وأردنيين على إنشاء مركز تنسيق استخباري مقره عمّان، لتبادل المعلومات حول تحركات داعش وشبكات التجنيد المتطرف.

كما اتُفق على دعم فني أمريكي محدود للوحدات الحدودية السورية — خطوة صغيرة رمزيًا لكنها كبيرة في دلالتها على التعاون العملي بين دولتين كانتا على عداء لعقود.

المشهد في واشنطن والعواصم العربية

في واشنطن، كانت كل التفاصيل محسوبة: من ترتيب المقاعد إلى رفع الأعلام.

أراد ترامب الظهور كمفاوض براغماتي لا كمنتصر، بينما تحدث الشرع بلغة امتنان متزن.

كان الهدف ترسيخ صورة “عودة سوريا إلى الشرعية الدولية” لا مجرد عرض سياسي.

لكن في العالم العربي، جاءت ردود الفعل متباينة.

ففي مصر، قوبل التقارب الأمريكي-السوري بشكوك وتحفظ.

ورغم الترحيب الرسمي بعودة سوريا، حذر محللون مصريون من أن التطبيع السريع قد يتجاوز قدرات سوريا المؤسسية على التعافي.

أظهرت الصحف المصرية مزيجًا من الإعجاب بمهارة الشرع وقلق من استعجال التطبيع.

حذر القاهرة نابع من التجربة، لا العداء — فقد رأت كيف تنهار عمليات إعادة الإعمار عندما يسبق الحماس السياسي الإصلاح البنيوي.

النتائج النهائية للزيارة

عند مغادرة الشرع البيت الأبيض، كانت النتائج واضحة:

•           انضمام سوريا رسميًا للتحالف ضد داعش.

•           رفع العقوبات الأممية عن القيادة السورية.

•           موافقة واشنطن على مراجعة العقوبات الأمريكية.

غير أن الشك بقي ملموسًا في العواصم الإقليمية مثل القاهرة وعمّان، حيث يُقاس الاستقرار بالاستمرارية لا بالعناوين الكبرى.

تساءل كثيرون: هل ستنجح سوريا في تحويل الاعتراف إلى تعافٍ مستدام؟

إرث الزيارة: بين الاعتراف والاختبار

أعادت الزيارة السيادة والشرعية لسوريا دوليًا، لكنها أيضًا أطلقت جدلًا عربيًا حول سرعة إعادة الدمج.

بدت صورة الشرع إلى جانب ترامب رمزًا قويًا غيّر التصورات عالميًا،

لكن الحقيقة الأعمق بقيت أن الطريق من الاعتراف إلى التجديد طويل وشاق، يتطلب ثباتًا واستعادة ثقة تدريجية.

التزامن التركي: واشنطن كمهندس مرحلة ما بعد الحرب

جاء تزامن زيارة الرئيس أحمد الشرع مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى واشنطن عن قصد، كجزء من تنسيق استراتيجي واسع.

الرسالة كانت واضحة: تلاقي مصالح واشنطن ودمشق وأنقرة بعد عقد من الحرب والقطيعة.

باتت قضية سوريا الجديدة تُعرَّف بالاندماج المدروس لا بالصراع الأيديولوجي أو السيطرة العسكرية، وخصوصًا دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والكيانات الذاتية ضمن دولة موحدة خاضعة لأولويات الأمن الإقليمي.

واشنطن تستعيد دورها كمنسق إقليمي

من خلال استقبال الشرع وفيدان في الأسبوع نفسه، أعادت الولايات المتحدة تقديم نفسها كالوسيط المركزي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط

تجمع بين نظام سوري جديد مُعاد شرعنته ودولة تركية مصممة على منع أي كيان كردي مستقل على حدوده.

هكذا أُرسلت إشارة واضحة: إعادة دمج سوريا في النظام الدولي ستتم بالتوازي مع تعميق الدور التركي كضامن لاستقرار الشمال، ومع تفكيك الهياكل الأمنية الموازية التي نشأت خلال الحرب.

ملف قسد: من المسألة العسكرية إلى الإدارية

لم تعد مسألة قوات سوريا الديمقراطية قضية عسكرية بحتة، بل تحولت إلى قضية إدارية.

لم يُعرض الاندماج كتنازل، بل كشرط للشرعية الدولية.

فالكيانات الكردية يمكن أن تبقى فقط بقدر ما تندمج ضمن هيكل وطني مقبول لدمشق وأنقرة.

الإطار المؤسسي الجديد

أتاح رفع العقوبات الأممية وبدء مراجعة العقوبات الأمريكية البيئة القانونية لإعادة الانخراط الرسمي مع دمشق، بينما ضمن وجود فيدان أن هذه الخطوات توازن المصالح التركية — أي السيطرة على الممرات الحدودية، وتحجيم الفصائل الكردية المسلحة، والفصل بين الإدماج السياسي والاستقلال العسكري.

هكذا تحولت مرحلة العقوبات إلى مرحلة إعادة إدماج مشروطة.

تركيا كشريك في إدارة الاستقرار

من خلال التزامن الزمني، عززت أنقرة موقعها كشريك في إدارة استقرار سوريا لا مجرد لاعب خارجي.

لم تعد تعتمد على الاحتلال العسكري، بل على نفوذ دبلوماسي وهيكلي داخل ترتيبات النظام السوري الجديد.

الولايات المتحدة كمنسق أعلى

استخدمت واشنطن دقة التوقيت كأداة للسيطرة، لتضمن تداخل إعادة إعمار سوريا مع الاستراتيجية الحدودية التركية دون تدخل مباشر.

أُرسلت رسالة ضمنية بالتراتبية:

•           الولايات المتحدة: المنسق والمشرف

•           تركيا: الضامن الأمني

•           سوريا: الطرف المعاد تأهيله ضمن المنظومة.

بهذه الطريقة، رُسمت ملامح سوريا ما بعد الحرب دون معاهدة رسمية، بل عبر إدارة التوقيت والحضور.

النتائج العملية لتزامن الزيارتين

1.         إعادة توزيع السيطرة شمال وشرق سوريا

واشنطن تُمهّد لإنهاء وصايتها العسكرية الطويلة على مناطق قسد، ونقل المسؤولية إلى إطار سياسي بين دمشق وأنقرة، دون انسحاب أمريكي كامل بل تحول من القيادة إلى الإشراف.

2.         تعزيز الدور التركي في إعادة التنظيم الداخلي

ستحصل تركيا على صوت رسمي في تحديد التوازنات الإدارية داخل سوريا، عبر دمج الهياكل المدنية المدعومة منها في الشمال ضمن نظام وطني تحت مظلة دمشق.

3.         منح الشرع شرعية داخلية متجددة

بفضل هذا التزامن، يمكنه تقديم استعادة سلطة الدولة كمشروع معترف به دوليًا، وطرح لامركزية محدودة (مجالس إقليمية) كخطوة تحديث لا كتنازل للأكراد.

4.         خيارات محدودة أمام قسد

ستجد قوات سوريا الديمقراطية نفسها معزولة تدريجيًا، ويُتوقع اندماج تدريجي: الجناح السياسي كشريك محلي، والعسكري داخل المؤسسات الوطنية مقابل عفو ومناصب إدارية.

5.         استقرار الأقليات عبر الاندماج الاقتصادي

الأقليات (مسيحيون، دروز، تركمان…) ستستفيد من عودة القنوات المالية والمساعدات الدولية، ما يجعل إعادة دمج المناطق الطرفية ممكنة اقتصاديًا.

6.         تغير بيئة العقوبات

مع تحول سوريا إلى شريك في مكافحة الإرهاب، ستتجه السياسة الأمريكية نحو تخفيف مشروط للعقوبات، يفتح الباب أمام تمويل غربي محدود لإعادة الإعمار تحت إشراف دمشق.

7.         قيام توازن ثلاثي جديد

اندمجت سيادة سوريا وأمن تركيا وإشراف أمريكا في منطق استراتيجي واحد:

.           سوريا تكسب الشرعية،

.           تركيا تكسب النفوذ،

.           الولايات المتحدة تستعيد التحكم بالمسار.

لكن الفاعلين المحليين – الأكراد والأقليات – يبقون موضوع التفاهم لا شركاء فيه.

والنتيجة سوريا موحدة شكليًا، مقسّمة فعليًا بمناطق نفوذ متفاوض عليها — بنية هشة لكنها قابلة للعمل، وُلدت من تزامن زيارتين في واشنطن.

زر الذهاب إلى الأعلى