رياض درار يستعرض السيناريوهات المستقبلية الثلاث للمرحلة الانتقالية في سوريا

في مقاله “إلى أين تتجه سوريا؟”، يستعرض الرئيس المشترك السابق لمجلس سوريا الديمقراطية، رياض درار، والمستشار الحالي للرئاسة المشتركة لمسد، ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل سوريا في المرحلة الانتقالية، بعد سنوات من الصراع الداخلي.
يعرض درار هذه السيناريوهات بشكل معمق، مركزًا على التحديات الكبيرة التي قد تواجه البلاد، مثل هيمنة السلطة المركزية، ومسألة اللامركزية، والديمقراطية، وأوضاع المكوّنات السورية المختلفة في النظام القادم.
ويسلط الضوء على الصراعات الداخلية، الخلافات السياسية، والفرص المتاحة لإحداث تغيير حقيقي.
السيناريو الأول: استبداد مُجمّل
“وجوه جديدة، خطاب جديد، لكن عقلية حكم قديمة”
شكل الحكم والإدارة
في هذا السيناريو، وفقاً لدرار يظل الحكم مركزياً، حيث تواصل الرئاسة السيطرة على مقاليد السلطة.
يتم تفعيل الدستور الانتقالي الذي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة في مرحلة الانتقال. يتم إنشاء مؤسسات رسمية مثل البرلمان، لكن الانتخابات تظل غير مباشرة أو محدودة، مع هيمنة على المقاعد عبر التعيين.
اللامركزية والديمقراطية
تُدرج “اللامركزية” في الخطاب السياسي، لكن المحافظين والمجالس المحلية يتم تعيينهم من قبل السلطة المركزية أو انتخابهم ضمن هامش ضيق.
تظل الأقاليم والمحافظات بلا صلاحيات حقيقية في المجالات الاقتصادية والأمنية. الديمقراطية تتخذ شكل انتخابات محكومة سلفًا، حيث تظل المعارضة ضعيفة أو مروّضة، والمساحات المسموح بها لحرية التعبير تكون محدودة.
المكوّنات السورية
تُعترف المكوّنات السورية بشكل رمزي، لكن مشاركتها الفعلية في صنع القرار تبقى محدودة. التمثيل يتم من خلال شخصيات مقبولة أمنياً، ويتم استخدام “ورقة الأقليات” لتحسين صورة النظام الجديد دون ضمانات حقيقية لحقوقها.
رفاق الأمس والخلافات الداخلية
يبدأ الفرز بين القوى السياسية: من يقبل “براغماتية الشرع” يُسمح له بالدخول في الحكومة، بينما من يرفض التنازلات يتم تهميشه. قد يظهر إقصاء سياسي من خلال “الاعتقالات الناعمة” وتهميش القيادات الميدانية السابقة.
المؤشرات الدالة على تحقق هذا السيناريو
• تزايد التعيينات على حساب الانتخابات.
• تهميش مناطق مثل السويداء وشرق الفرات.
• غياب مسارات واضحة لإصلاح القضاء والأجهزة الأمنية.
السيناريو الثاني:
انتقال تدريجي مُتعثر نحو لامركزية وديمقراطية
“خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء، لكن الاتجاه العام تحسّني”
شكل الحكم والإدارة
في هذا السيناريو، تستمر الرئاسة في احتكار السلطة لعدة سنوات، مع بداية تعديل تدريجي للدستور لتقليص الصلاحيات المطلقة.
يتم إنشاء مجالس تمثل الأقاليم والمكوّنات المحلية، وتبدأ بعض القوى المدنية والأحزاب المحلية في الحصول على تمثيل في السلطة.
- اللامركزية
اللامركزية الإدارية والسياسية تتوسع تدريجياً، حيث تُنتخب المجالس المحلية ويتم منحها صلاحيات فعلية في مجالات الخدمات والإدارة. ومع ذلك، تظل القضايا الاستراتيجية مثل الدفاع والسياسة الخارجية والموارد الحيوية تحت سيطرة المركز.
- الديمقراطية والمشاركة
الانتخابات تصبح أكثر مصداقية مع مرور الوقت.
تبدأ الانتخابات بشكل غير مباشر أو هجيني، ثم تتوسع تدريجياً مع عودة الاستقرار.
تُسمح الأحزاب الجديدة بالتأسيس، مع بقاء حدود حمراء تتعلق بقضايا مثل السلاح والانفصال.
- المكوّنات السورية
الهوية الكردية تُعترف بها رسمياً، مع ضمان حقوق ثقافية ولغوية.
لا يتم اللجوء إلى المحاصصة الطائفية، ولكن يُخصص تمثيل مناطقي يضمن حق الأقاليم في المشاركة السياسية.
- رفاق الأمس والخلافات الداخلية
تُفتح قنوات للتفاوض والمصالحة، مع تحويل بعض القيادات الراديكالية إلى معارضة سياسية سلمية بدلًا من الصراع المسلح.
- المؤشرات الدالة على تحقق هذا السيناريو
• تعديل تدريجي للدستور لتوزيع الصلاحيات.
• تحسن محدود في حرية الإعلام والنقاش السياسي.
• اعتراضات علنية على النظام لا يتم قمعها بالكامل.
السيناريو الثالث: فشل/تفكك وصدامات داخلية
- “لا استبداد مستقر ولا انتقال ناجح… بل مسار متفجّر”
- شكل الحكم والإدارة
تستمر التوترات بين القوى الثورية والإسلامية والعسكرية السابقة مع الأجهزة الأمنية التي تُعاد تشكيلها.
تعجز السلطة المركزية عن فرض نموذج موحد للحكم، ما يؤدي إلى ظهور مناطق شبه مستقلة في شمال البلاد وشرقها.
- اللامركزية
في هذا السيناريو، تصبح اللامركزية تعبيراً عن التفكك أكثر من كونها نظاماً منتظماً. تتجه المناطق نحو الإدارة الذاتية عبر إدارات أمر واقع، مثل إدارة قوات “قسد” في الشمال الشرقي أو الحكم الذاتي في السويداء.
- الديمقراطية والمشاركة
تظل الديمقراطية محكومة بالشعار، حيث تجرى انتخابات غير معترف بها بين المناطق.
الحكومات المتعددة على الأرض تتنافس فيما بينها على الموارد، بينما يشغل الناس أنفسهم في تأمين الخدمات الأساسية وسط انهيار الاقتصاد.
- رفاق الأمس والخلافات الداخلية
تتسارع الصراعات بين القوى التي كانت حليفة في السابق. تتطور اتهامات بالعمالة أو التفريط، ويعود العنف مع تشكيل أجنحة مسلحة جديدة. قد تنشأ دويلات بحكم الأمر الواقع بين هذه القوى.
- المكوّنات السورية
تتراجع المشاركة السياسية للمكوّنات السورية، وتزداد التحالفات مع القوى الخارجية. تزداد المخاوف بين الأقليات والأكثرية، مما يساهم في تعميق الفجوة الاجتماعية.
- المؤشرات الدالة على تحقق هذا السيناريو
• تصاعد الاشتباكات بين فصائل كانت حليفة.
• جمود المسار الدستوري والانتخابي.
• عودة الخطاب الطائفي والمناطقي.
الخلاصة: إلى أين تتجه سوريا؟
كما يُشير رياض درار في مقاله “إلى أين تتجه سوريا؟”، فإن السيناريوهات التي طرحها تبرز التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا في المرحلة الانتقالية. السيناريو الثاني (الانتقال التدريجي نحو لامركزية وديمقراطية) و السيناريو الثالث (الفشل والتفكك) هما الأكثر احتمالًا بناءً على الواقع السوري الحالي.
السيناريو الأول يبقى بعيداً عن أن يكون واقعياً، نظراً لرفض السوريين العودة إلى هيمنة الأنظمة الاستبدادية.
الانتقال السياسي في سوريا سيعتمد على كيفية صياغة الدستور النهائي، و تفعيل الإصلاحات الأمنية والسياسية، و مشاركة المجتمع المدني بشكل حقيقي.
السوريون بحاجة إلى مرحلة انتقالية يقودها خطاب سياسي بنّاء يعزز التوافق الداخلي ويمنع الانزلاق نحو العنف والفوضى.




