تصعيد وتحولات في الوجود العسكري للتحالف الدولي شمال وشرق سوريا خلال عام 2025

شهدت الساحة السورية، ولا سيما مناطق شمال وشرق البلاد والبادية السورية، خلال الأشهر الماضية تصعيداً ملحوظاً في وتيرة التحركات العسكرية والأمنية لقوات “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة، في ظل بيئة أمنية معقّدة تتقاطع فيها ملفات الصراع المحلي مع التنافس الإقليمي والدولي.
وتنوّعت هذه التحركات بين إدخال تعزيزات عسكرية ولوجستية واسعة، وتنفيذ مناورات وتدريبات مشتركة مع قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب عمليات ملاحقة مكثفة لخلايا تنظيم “الدولة الإسلامية”، بالتوازي مع إعادة تموضع وانسحابات جزئية من قواعد استراتيجية في دير الزور والحسكة.
تعزيزات غير مسبوقة بالأرقام
ووفق توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد شهدت الفترة الممتدة من كانون الثاني وحتى كانون الأول الجاري هبوط 105 طائرات شحن عسكرية في قواعد التحالف، إضافة إلى دخول 2403 شاحنات عسكرية ولوجستية عبر معبر الوليد الحدودي مع إقليم كردستان العراق، توزعت على قواعد رئيسية أبرزها: خراب الجير، قسرك، تل بيدر، الشدادي، الرميلان، وحقل العمر النفطي.
كما نفّذ التحالف الدولي، بمشاركة “قسد”، 88 تدريبًا ومناورة عسكرية وُصفت بعضُها بأنها الأوسع منذ عام 2021، وشملت استخدام الذخيرة الحية ومشاركة الطيران الحربي والمروحي.
إعادة تموضع وانسحابات مدروسة
في المقابل، شكّل شهر نيسان محطة لافتة مع بدء سحب وإعادة تموضع واسعة للمعدات والآليات العسكرية من قاعدتي حقل العمر النفطي ومعمل كونيكو للغاز في ريف دير الزور الشرقي باتجاه محافظة الحسكة، ما عكس – وفق مراقبين – ترتيبات جديدة لشكل وانتشار الوجود العسكري الأمريكي في سوريا.
وتعزز هذا المسار في حزيران، مع انسحاب أمريكي مفاجئ من قاعدتين بارزتين في ريف دير الزور الشرقي، بعد عملية تقليص تدريجية بدأت منتصف أيار، وسط تحليق مكثف لطيران التحالف، خاصة أن هذه القواعد كانت قد تعرضت لاستهدافات متكررة من ميليشيات مدعومة من إيران خلال العامين الماضيين.
تصاعد التهديدات الإيرانية.. والبادية السورية
وتزامنت هذه التحركات مع تصاعد التهديدات التي طالت القواعد الأمريكية في دير الزور، ومحيط قاعدة التنف، ومنطقة الـ55 في البادية السورية، عبر صواريخ وطائرات مسيّرة، حيث أسقطت قوات التحالف عدة مسيرات خلال الأشهر الماضية.
كما شهدت البادية السورية عودة واضحة للتوتر بين التحالف الدولي وإيران، تجلت في عمليات اعتراض جوي واستهداف متبادل، وسط مخاوف من توسع رقعة المواجهة غير المباشرة.
تحركات سياسية وأمنية موازية
على الصعيد السياسي والأمني، كثّف التحالف الدولي لقاءاته الميدانية، شملت جولات مشتركة مع وجهاء عشائر وممثلين محليين، إضافة إلى زيارة وفد من التحالف برفقة “قوات أمن البادية” مطار السين العسكري بريف دمشق، في خطوة هدفت إلى تقييم جاهزيته وإمكانية استخدامه ضمن أنشطة التحالف في البادية السورية.
وفي تطور لافت، أفادت مصادر خاصة للمرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الولايات المتحدة تعمل على توسيع نطاق انتشارها في البادية السورية، مع دراسة السيطرة على مطارات عسكرية وإنشاء قواعد جديدة تحت إشرافها المباشر، بعد جولات ميدانية شملت تدمر ومناطق ممتدة حتى بادية السويداء.
هجوم تدمر ومخاوف الاختراق الأمني
وخلال شهر كانون الأول، شكّل الهجوم الذي أودى بحياة ثلاثة أمريكيين بينهم مترجم مدني في مدينة تدمر مؤشرًا خطيرًا على هشاشة الوضع الأمني، حيث حذّر المرصد السوري لحقوق الإنسان من تنامي الاختراقات داخل صفوف القوات الحكومية والأجهزة الأمنية.
وأكد المرصد أن “تغلغل عناصر متشددة تحمل فكر تنظيم الدولة الإسلامية داخل مؤسسات رسمية يشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار في سوريا”، محذراً من أن استمرار هذا الواقع قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
إعادة ضبط وانتشار
وتكشف هذه التحركات المتسارعة بحسب المرصد “أن الوجود العسكري للتحالف الدولي في سوريا يمر بمرحلة إعادة ضبط وانتشار، تجمع بين التعزيز والانكفاء، وبين مواجهة داعش واحتواء النفوذ الإيراني، في وقت تبقى فيه الساحة السورية مفتوحة على سيناريوهات أمنية وسياسية معقّدة، مرشحة لمزيد من التصعيد أو إعادة التموضع خلال المرحلة المقبلة”.




