آراء وتحليلات

استهداف ديني وعودة صراع الهوية في سوريا

بقلم: إيرينا تسوكرمان

هجوم على مسجد علوي في حمص وتداعياته الإنسانية والأمنية

وقع الهجوم على مسجد علوي في مدينة حمص، في مدينة كانت قد عانت لأكثر من عقد من الحصار والحرب، والتهجير القسري، والانقسام الطائفي.

 المسجد، الواقع في حي ذي غالبية علوية، استُهدف خلال فترة هدوء نسبي أعقبت انهيار السلطة المركزية المرتبطة بعهد الأسد. وكان الموقع مكان عبادة مدنياً بحتاً، لا يحمل طابعاً سياسياً أو عسكرياً، ويرتاده في الغالب كبار السن وعائلات بقيت في حمص طوال سنوات الحرب. وقد جعل استهداف هذا الموقع الحادثة تبدو كاعتداء على هوية جماعية، لا على أطراف مسلحة.

أسفر الانفجار عن مقتل ما لا يقل عن ثمانية مدنيين داخل المسجد، وإصابة نحو عشرين آخرين، بعضهم بحالة حرجة. وعانت المرافق الطبية المحلية، التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الكوادر والمستلزمات، من صعوبة استيعاب العدد الكبير من المصابين.

وأفاد مسعفون بتأخر وصولهم بسبب الخوف من هجمات ثانية وإقامة حواجز عشوائية في الحي. وخلال ساعات، امتد الخوف إلى أحياء علوية أخرى، ما أدى إلى تعليق صلاة الجمعة وإغلاق الأسواق المجاورة.

تداعيات إنسانية تتجاوز حصيلة الضحايا

لم تقتصر الآثار الإنسانية على عدد القتلى والجرحى. ففي الأيام التالية، غادرت عشرات العائلات الأحياء العلوية في حمص بشكل مؤقت، متجهة إلى منازل أقارب في المناطق الساحلية أو إلى مبانٍ مجتمعية اعتُبرت أكثر أماناً.

كما سجلت المدارس انخفاضاً ملحوظاً في نسب الحضور، خاصة بين الأطفال.

وأشارت منظمات إغاثية إلى تزايد الطلب على المساعدات الغذائية والدعم النفسي، نتيجة النزوح والصدمة النفسية التي خلّفها استهداف موقع ديني.

من تفجير إلى مواجهات مسلحة واضطرابات واسعة

شكّل تفجير المسجد محفزاً لاشتباكات عنيفة بين سكان محليين علويين، ومجموعات دفاع محلية مسلحة، وقوات أمن تابعة للسلطات التي تشكلت بعد سقوط نظام الأسد.

وأسفرت هذه المواجهات عن قتلى وجرحى إضافيين.

وفي حمص ومحافظات ساحلية مجاورة، أدت احتجاجات واضطرابات مرتبطة بالهجوم إلى سقوط عشرات المصابين، بينهم مدنيون عالقون في تبادل إطلاق النار أو أصيبوا خلال تفريق التظاهرات.

كما استقبلت مشافي اللاذقية وطرطوس أعداداً كبيرة من الجرحى مع اتساع رقعة التوتر.

استغلال بقايا النظام السابق للحدث

استغلت شبكات موالية للنظام السابق، المنفي خارج البلاد، الهجوم وتداعياته لإعادة إدخال نفسها في المشهد الأمني المحلي.

وروّجت هذه الشبكات لروايات تُصوّر التفجير كدليل على عجز النظام الجديد عن حماية الأقليات، مركزة على خطاب “التهديد الوجودي” للعلويين وبداية “تطهير طائفي”.

ورغم افتقار هذه الجهات للقدرة على السيطرة الميدانية، إلا أنها احتفظت بموارد مالية ومخازن سلاح وروابط اجتماعية مكّنتها من التأثير في التعبئة المحلية.

الإجراءات الأمنية وتعميق انعدام الثقة

فاقمت العمليات الأمنية اللاحقة من الأزمة الإنسانية.

فقد أدت المداهمات المنزلية، والاعتقالات المؤقتة، وحظر التجوال، إلى تعطيل الحياة اليومية في الأحياء العلوية وتعميق انعدام الثقة مع السلطات.

وأفادت عائلات بحالات فصل أثناء المداهمات، وفقدان ممتلكات، والخوف من اعتقالات تعسفية، ما عزز الشعور بـ”العقاب الجماعي”.

حرب المعلومات وتأجيج الانقسام

ضاعفت حرب المعلومات من الأثر الإنساني. فقد انتشرت صور المسجد المتضرر والجنازات والجرحى على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وركّزت قنوات موالية للنظام السابق على الخطاب الطائفي والتحذير من مجازر وشيكة، في حين قللت أطراف معادية من معاناة المدنيين أو بررت الهجوم باعتباره “انتقاماً”. هذا الاستقطاب قوّض جهود الوساطة المجتمعية وأثنى العائلات النازحة عن العودة.

إرث إنساني وأمني طويل الأمد

مع عودة هدوء نسبي، تبيّن أن الهجوم أعاد تشكيل الاحتياجات الإنسانية في حمص. فإلى جانب القتلى والجرحى، خلّف الحادث نزوحاً ثانوياً، وتعطيلاً للتعليم، وتقييداً للوصول إلى الخدمات الصحية، وصدمات نفسية عميقة في مجتمع منهك أصلاً.

ولاحظ العاملون في المجال الإنساني أن الخوف من هجمات جديدة استمر في تعطيل النشاط الاجتماعي والاقتصادي لأسابيع.

الهجوم كنقطة تحول في الصراع

أظهر الهجوم كيف يمكن لاستهداف موقع ديني في مدينة منقسمة كحمص أن يولّد آثاراً تتجاوز بكثير نطاق الانفجار.

فقد أعاد إحياء المخاوف الطائفية، وأتاح لبقايا النظام السابق استعادة نفوذ عبر سياسة المظلومية، وأثقل كاهل أنظمة إنسانية هشّة في فراغ ما بعد الاستبداد.

وبذلك، لم يكن التفجير مجرد عمل إرهابي، بل نقطة تحول كشفت استمرار ترجمة إرث الحرب إلى معاناة مدنية مباشرة.

المسؤولية القانونية وحماية دور العبادة في القانون الدولي الإنساني

وفق القانون الدولي الإنساني، تُعد دور العبادة، بما فيها المساجد، أهدافاً مدنية محمية صراحة. وكان المسجد العلوي في حمص موقعاً مدنياً بحتاً، ما يجعل استهدافه انتهاكاً أولياً لقوانين الحرب، بغض النظر عن السياق السياسي أو الطائفي.

ويستند هذا الإطار القانوني إلى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، التي تحظر الهجمات على الأعيان المدنية وتمنح حماية خاصة لأماكن العبادة. وتنطبق هذه الحماية أيضاً في النزاعات غير الدولية، كما هو الحال في البيئة السورية ما بعد الأسد.

ويترتب على ذلك مسؤولية جنائية فردية، إذ يُعد الاستهداف المتعمد لمكان عبادة جريمة حرب. وتمتد المسؤولية لتشمل من خطط أو سهّل أو موّل أو قدّم معلومات مكّنت من تنفيذ الهجوم.

الاحتجاجات العلوية والاشتباكات وأزمة الثقة

انبثقت الاحتجاجات التي شهدتها الأوساط العلوية من صدمة التفجير ومخاوف أوسع تتعلق بالأمن والتهميش السياسي. ورأى كثيرون في الهجوم رسالة مفادها أن الهوية الطائفية باتت هدفاً مباشراً.

ومع غياب آليات موثوقة للوساطة، وتصاعد انعدام الثقة، تحولت التظاهرات إلى مواجهات دامية في ظل انتشار السلاح وتعدد الجهات الأمنية.

اختبار للنظام ما بعد الأسد

أصبحت هذه الأحداث اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الجديد على إدارة المخاوف الطائفية دون إعادة إنتاج أنماط القمع والانتقام.

وأدى الفشل في احتواء الأزمة بسرعة وشفافية إلى تحويل هجوم محلي إلى صدمة ثقة على المستوى الوطني، امتدت آثارها إلى ما هو أبعد من الشوارع التي بدأت فيها الاحتجاجات.

زر الذهاب إلى الأعلى