آراء وتحليلات

لماذا يتكرّر الفشل في سوريا؟

زانا عمر- صحفي وباحث سياسي

لماذا يتكرّر الفشل في سوريا؟

الجواب، باختصار:

لأن الدولة ما زالت تُدار كما أُدير شرق الفرات على مدى قرن كامل — سيادة بلا سياسة.

في سوريا 2026، لا يبدو سؤال “الانتقال السياسي” بريئًا ولا تقنيًا. إنّه السؤال ذاته الذي طُرح قبل قرن، يوم صُنعت الدولة بوظيفة الضبط لا بعقد اجتماعي. الفارق الوحيد أن الأدوات تغيّرت، فيما بقي المنطق ثابتًا: سيادة قبل تمثيل، إدارة قبل سياسة، وأطراف تُدار بدل أن تُشرك.

غير أنّ هذه “الأطراف” لم تكن أطرافًا إلا بفعل عملية هندسة انتدابية مركّبة، عُرفت بما يمكن تسميته بـ التطريف القسري. والمركز — “دمشق” — لم يكن مركزًا إلا بالعملية ذاتها. كلاهما نتاج آلية حكم، لا معطى تاريخيًا طبيعيًا.

في تفكيكه التأسيسي لتكوين الجزيرة السورية، يقدّم محمد جمال باروت خلاصة صادمة في بساطتها: إدراج الإقليم ضمن الدولة لم يكن مسارًا تاريخيًا مكتملًا، بل إجراءً تنظيميًا. الدولة دخلت، لكن السياسة لم تدخل. وهذا التمييز ليس شأنًا تاريخيًا صرفًا؛ بل خريطة تفسيرية دقيقة لما نعيشه اليوم.

يشير باروت بوضوح إلى أنّ حضور الدولة في الجزيرة ظلّ “متقطعًا ومحدودًا، اقتصر غالبًا على الجباية وضبط الطرق، دون تشكّل مركز إداري أو سياسي دائم”. هذه الجملة وحدها تصلح توصيفًا لسوريا ما بعد 2011، بل لما بعد 2023 أيضًا: دولة تحضر حين تطلب الضبط، وتغيب حين يُطلب منها التمثيل.

هي سوريا نفسها اليوم، في 2026: تحضر الدولة حين يُطلب النفط، لكنها تغيب حين يُطلب الاعتراف والتمثيل.

لم تكن الجزيرة هامشًا مهملًا، بل مختبرًا. مختبرًا لسياسات الحكم غير المباشر، والإثننة الوظيفية، وتحالفات الوسطاء، والعمران بوصفه أداة سيطرة. كل ذلك صُنِع باسم “الاستقرار”، وكانت النتيجة مقاومة — لا لأن المجتمع “رافض بطبعه”، بل لأن الدولة صُمِّمت ضد السياسة.

وحين نتأمّل سوريا 2026، نرى النسخة المُحدَّثة من التجربة ذاتها:

مؤتمرات بلا تمثيل حقيقي؛

هيئات تُنتقى ولا تُنتخب؛

دعوات إلى “اللامركزية” تُفرَّغ من مضمونها وتُختزل في إدارة خدمية؛

وأقاليم تُدار أمنيًا تحت شعار: “من يحرّر، يقرّر”.

هذا هو التطريف القسري بعينه: ليس إقصاءً سلبيًا فحسب، بل إدارة كثيفة بلا شراكة.

في عشرينيات القرن الماضي، حوّلت فرنسا الكرد في شرق الفرات إلى أدوات ضبط حدودي، ثم تساءلت لماذا قاوموا. اليوم، تُدار مجتمعات كاملة في سوريا بوظائف أمنية أو إغاثية أو “استشارية”، ثم يُطرح السؤال ذاته: لماذا لا تثق هذه المجتمعات بالدولة؟ سؤالٌ مُزيَّف من أساسه.

رفض الساحل العلوي لمركزية دمشق في عهد الانتداب انتهى إلى ولادة “الدولة العلوية”، بفعل تداخل العاملين الانتدابي والإقليمي. اليوم، تحاول السلطة الانتقالية في دمشق إدارة الساحل أمنيًا دون إشراكه في التمثيل، تمامًا كما تحاول إدارة شرق الفرات بالمنطق نفسه.

لكن الفارق الجوهري أنّ الكرد قرأوا التاريخ جيدًا. شخّصوا أدوات “الآخر”، سواء كان انتدابًا استعماريًا، أو دولة حزب واحد، أو نموذج “القائد الأوحد” المدعوم دائمًا بالجوار التركي. فكّكوا آليات التطريف القسري، وراكموا أدوات مقاومة وتنظيم جعلت شرق الفرات يخرج من موقع “الهامش المُدار” إلى موقع الفاعل السياسي.

منذ بدايات 2011، ومع أول احتكاك مسلّح رمزي لمجموعات صغيرة من كرد سوريا عند نهر دجلة واشتباكها مع قوات الهجانة وفرع الأمن العسكري للنظام البائد، بدأ التآكل الفعلي للدولة المركزية. ثم جاءت معركة كوباني عام 2014، ومعها الدخول الدولي المباشر، لتغدو نهاية المركز مسألة شبه حتمية.

عاد شرق الفرات، شكليًا، إلى لحظة عشرينيات القرن الماضي، لكن بفارق جوهري: وجود قوة منظّمة، ممثّلة بقوات حماية الشعب والمرأة، قادرة على فرض ذاتها في السياقات الإقليمية والدولية. هذا ما كان غائبًا تمامًا حين ورثت فرنسا وبريطانيا الفضاء الكردي جنوب خط سكة الحديد.

الجزيرة — بوصفها الجزء الأكثر توترًا في تاريخ شرق الفرات — كلما اقتربت من الحدود، ازدادت، وفق منطق السلطة، الحاجة إلى ضبطها وهندستها قسرًا. الأمر ذاته تكرّر في جرابلس وكرداغ (عفرين)، وتبقى رأس البطة المثال الأوضح على الهندسة المركّبة لصناعة الطرف.

وقبل ذلك كلّه، لم تكن الجزيرة يومًا كردية صرفة ولا عربية صرفة؛ بل فضاءً مركّبًا. وكلما كان الحضور الكردي قويًا، أثبت قدرته على إدارة التنوّع لا قمعه. إمارة الخابور بقيادة إبراهيم باشا الملي مثال ساطع. فقد لم تكن التعددية مشكلة بنيوية، بل نمط تكيّف اجتماعي. الأزمة بدأت حين تحوّلت التعددية إلى ملف إدارة.

هذه الجملة وحدها تشرح مأزق سوريا اليوم:

لم يُسقِط التنوّع الدولة؛ بل أسقطتها طريقة الحكم.

في بياندور، قاوم الناس شبكة حكم لا تسمح بالسياسة.

في آرارات، حاول الكرد العودة إلى المشروع الكردستاني، فقطعت القوى الدولية الطريق.

وفي “المقاومة الصامتة” — من الانقلابات إلى الوحدة مع مصر، ثم البعث، فالأسد الأب والابن حتى 2003 — انسحبوا من دولة لا تعترف بهم شركاء.

اليوم، تُعاد إنتاج المسارات نفسها بأسماء جديدة.

سلطة خرجت من رحم منطق “ترويض القاعدة”، في مواجهة فاعل كردي يدير مجتمعًا متنوّعًا ويشركه في التمثيل عبر الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. وعلى هذه السلطة أن تتعلّم الدرس الذهبي من تاريخ شرق الفرات:

من لا يُدعَ إلى السياسة، يُدفَع إمّا إلى الراديكالية، أو إلى الانسحاب الصامت. وحين يحدث ذلك، تُرفع لافتة جاهزة: “فشل المجتمع”. بينما الحقيقة أنّ الفشل هو فشل دولة.

وإذا كان الكرد قد لجأوا إلى المقاومة الصامتة بين 1920 و2003، فإنهم اليوم أكثر تنظيمًا، وأعلى صوتًا، وأقدر على إدارة تنوّعهم. لذلك، لا يفيد إنكار المستقبل: لن يكون تطريف شرق الفرات، ولا إقصاؤه، ممكنًا بعد اليوم.

أخطر الأوهام في نقاش سوريا 2026 هو الاعتقاد بأن “شكل الدولة قد أُنجز”، وأن ما تبقّى هو “إدارة الانتقال”. هذا الوهم ذاته حذّرت منه تجربة شرق الفرات: شكل بلا محتوى، سيادة بلا سياسة، دولة بلا مواطنين. الانتقال لا يبدأ من المؤتمرات، بل من فتح السياسة.

وهنا تتبدّى مقولة المفكر الكردي عبد الله أوجلان بوصفها مفتاحًا تفسيريًا بالغ الأهمية:

“أعظم أشكال النضال الديمقراطي هو تنظيم الشعب. إذا لم يُنظَّم الشعب، فإن العنف يتفاقم”.

أي حين يُمنَع المجتمع من التنظيم الذاتي وممارسة السياسية، لا يعود العنف خيارًا، بل نتيجة.

اليوم، تُدار الأقاليم أمنيًا، وتُستدعى “النخب” بوظائف استشارية، بينما يُفرَّغ التمثيل من مضمونه. الفارق أنّ الفاعل الكردي، الذي خبر تاريخ التطريف القسري، لم يعد يقف عند حدود الوساطة أو الانسحاب. لقد انتقل من موقع “الموضوع المُدار” إلى موقع “الفاعل المُشرك”.

باروت لم يكن يكتب تاريخًا كرديًا، بل كان يفكّك آلية حكم — آلية ترى أن الإدارة تكفي، وأن الاستقرار يُفرض، وأن التمثيل ترف مؤجَّل. هذه الآلية نفسها تعيد إنتاج الأزمة اليوم، مهما تغيّرت الأسماء.

لهذا، السؤال الحقيقي في 2026 ليس: كيف نُدير سوريا؟

بل: هل نجرؤ على فتح السياسة؟

لأن كل دولة تُغلق السياسة وتفتح الأمن، ستصنع أطرافًا.

وكل طرفٍ مُصنَّع، سيجد طريقه إلى المقاومة.

وإذا أردنا كسر الدائرة، فعلينا الاعتراف بالحقيقة المؤلمة:

المشكلة ليست فيمن يقاومون، بل في دولة لم تتعلّم كيف تُشرك.

تنويه: هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعكس بالضرورة موقف أو رأي منصة مجهر

زر الذهاب إلى الأعلى