سوريا ما بعد الأسد… هل تكفي المؤسسات لبناء الدولة؟

بقلم إيرينا تسوكرمان
تسعى السلطات السورية الجديدة إلى ترسيخ صورة دولة تدخل مرحلة انتقالية مختلفة، من خلال استكمال مؤسساتها الدستورية، وإطلاق محاكمات علنية في القضايا الكبرى، والانفتاح على المجتمع الدولي، وتقديم سوريا بوصفها دولة مستقرة وقابلة للاستثمار. غير أن نجاح هذا المشروع لا يتوقف على بناء المؤسسات وحدها، بل على قدرتها على تحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون واستعادة ثقة السوريين.
برلمان انتقالي بين التمثيل والسلطة
شكّل استكمال مجلس الشعب الانتقالي خطوة سياسية مهمة بعد تعيين الرئيس أحمد الشرع 70 عضواً، إلى جانب أعضاء اختيروا عبر هيئات انتخابية غير مباشرة. ومنح المجلس صلاحيات تشريعية تشمل مناقشة القوانين والموازنة والإعداد للمرحلة الدستورية المقبلة، إلا أن الإعلان الدستوري أبقى معظم السلطات التنفيذية بيد رئيس الجمهورية، ما يحد من استقلالية البرلمان ودوره الرقابي.
وضمت التعيينات شخصيات أكاديمية وسياسية ومهنية وعشائرية، إضافة إلى نساء ومعتقلين سابقين وممثلين عن الأقليات، في محاولة لإظهار التنوع. ومع ذلك، بقي تمثيل المرأة محدوداً عند نحو 10%، كما استمرت ملاحظات تتعلق بضعف تمثيل بعض المناطق والمكونات.
السويداء… أزمة ثقة مستمرة
برزت السويداء باعتبارها إحدى أبرز نقاط الضعف في المشهد الانتقالي، إذ بقيت المقاعد الانتخابية الثلاثة المخصصة للمحافظة شاغرة لعدم إجراء الانتخابات فيها، رغم تعيين شخصيات درزية ضمن الحصة الرئاسية. ويعكس ذلك استمرار أزمة الثقة بين الدولة وأحد أكثر المكونات تضرراً خلال المرحلة الانتقالية، ويطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات الجديدة على تحقيق تمثيل وطني حقيقي.
العدالة الانتقالية تحت الاختبار
بدأت السلطات محاكمات علنية على خلفية أحداث السويداء، في خطوة تمثل تحولاً عن عقود من المحاكمات السرية والإفلات من العقاب. غير أن نجاح هذه المحاكمات سيقاس بمدى قدرتها على الوصول إلى جميع المسؤولين عن الانتهاكات، وليس الاكتفاء بمحاسبة المنفذين المباشرين.
وأعلنت لجنة التحقيق توقيف 23 عنصراً من الجيش والأجهزة الأمنية، إضافة إلى الاشتباه بعناصر من وزارتي الدفاع والداخلية، ومجموعات مسلحة درزية، ومدنيين من العشائر والبدو، بينما لا تزال التحقيقات مستمرة لتحديد هوية أشخاص ظهروا في تسجيلات مصورة.
لكن تبقى أسئلة أساسية بلا إجابة: من أصدر أوامر نشر القوات؟ ومن أشرف على العمليات؟ ومن سمح بوقوع أعمال القتل والنهب والتعذيب والعنف الجنسي؟ وهل ستصل التحقيقات إلى القيادات العسكرية والسياسية، أم ستقتصر على العناصر الميدانية؟
إرث العنف الطائفي
أسفرت أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، وفق تحقيقات الأمم المتحدة، عن مقتل أكثر من 1700 شخص، غالبيتهم من المدنيين الدروز، إلى جانب ضحايا من البدو وعناصر من القوات الحكومية، مع توثيق عمليات قتل خارج القانون وتعذيب ونهب وعنف جنسي، إضافة إلى أعمال انتقامية متبادلة.
كما وثقت تقارير دولية أن مجموعات عشائرية شاركت في العمليات تحت السيطرة الفعلية للدولة، ما يوسع دائرة المسؤولية لتشمل القيادات العسكرية والسياسية والمجموعات المسلحة المتحالفة، وليس المنفذين وحدهم.
ولم تقتصر التحديات على السويداء، إذ شهدت مناطق الساحل خلال آذار/مارس 2025 عمليات قتل واسعة استهدفت بلدات وقرى علوية، كما تكررت حوادث الخطف والهجمات على الكنائس وأعمال الانتقام المحلية، الأمر الذي عزز مخاوف الأقليات من قدرة الدولة على حمايتها أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
بين الخطاب الرسمي والواقع
تسعى دمشق إلى تقديم نفسها خارجياً كشريك قادر على تحقيق الاستقرار والانخراط في التعاون الإقليمي والدولي، إلا أن هذا الخطاب يصطدم باستمرار مظاهر التحريض الطائفي وخطابات الكراهية داخل بعض الأوساط المؤيدة للحكومة، بما في ذلك شعارات معادية لليهود وإسرائيل رُفعت في مناسبات عامة، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على ضبط الخطاب المتطرف الذي يغذي الانقسام والعنف.
كما يواجه الرئيس أحمد الشرع تحدياً يتمثل في الموازنة بين سعيه إلى الانفتاح على الغرب ودول المنطقة، وبين وجود تيارات داخل قاعدته السياسية ترى في هذا الانفتاح تنازلاً عن أهداف الثورة، وهو تناقض قد تستغله التنظيمات المتطرفة لإعادة تجنيد أنصارها.
بناء الدولة… أكثر من إنشاء مؤسسات
يبقى التحدي الحقيقي أمام سوريا في تحويل المؤسسات الجديدة إلى مؤسسات مستقلة وقادرة على فرض القانون على الجميع، لا مجرد هياكل تمنح الشرعية لسلطة مركزية قوية. فالاستقرار لن يتحقق عبر تشكيل البرلمانات أو عقد المحاكمات وحدها، بل من خلال مساءلة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، وحماية حقوق جميع المكونات، وضمان مشاركة سياسية حقيقية.
فالعائلات العلوية تحتاج إلى الأمان بعيداً عن العقاب الجماعي، والدروز إلى العدالة والحماية، والبدو إلى العودة الآمنة، والمسيحيون إلى ممارسة شعائرهم بحرية، والأكراد إلى عملية سياسية قائمة على الشراكة، فيما يتطلب بناء دولة المواطنة أن تحل لغة القانون محل خطاب الكراهية والإقصاء.
وفي النهاية، سيُقاس نجاح المرحلة الانتقالية بقدرة الدولة على بناء جمهورية تقوم على المواطنة وسيادة القانون، لا بمجرد إنشاء مؤسسات جديدة. فالمؤسسات لا تكتسب شرعيتها من وجودها، بل من قدرتها على تحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.



