لماذا لا توقف الولايات المتحدة الكارثة الإنسانية في كوباني؟

بقلم: إيرينا تسوكرمان
لطالما احتلت كوباني مكانة فريدة في المشهدين السياسي والعسكري في شمال سوريا. فقد برزت المدينة بوصفها رمزًا حاسمًا للمقاومة الكردية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، حين أعادت عملية تدميرها شبه الكامل ثم صمودها اللاحق تشكيل الهوية السياسية الكردية والانطباعات الدولية عن الصراع. ولا يزال هذا الإرث يحدد كيفية تفسير التطورات المتعلقة بكوباني اليوم، إذ لا تُنظر إلى المدينة على أنها مجرد موقع تكتيكي، بل باعتبارها مؤشرًا على ما إذا كان الحكم الذاتي الكردي والإدارة المحلية سيستمران أم سيتم تفكيكهما تحت ضغط دمشق والقوى المتحالفة معها.
بدأ الحصار الحالي كجزء من إعادة اصطفاف أوسع للسيطرة في شمال شرق سوريا، عقب تكثيف المفاوضات والضغط العسكري من قبل قوات مرتبطة بالحكومة السورية. ومع تغير خطوط التماس وانسحاب القوات الكردية من المناطق المحيطة، أصبحت كوباني أكثر عزلة تدريجيًا. أُغلقت الطرق التي تربط المدينة بالمراكز السكانية الأخرى أو أصبحت غير آمنة، ما أدى فعليًا إلى قطع الحركة التجارية، والمرور الإنساني، وتنقل المدنيين. وقد حولت هذه العزلة المتدرجة كوباني إلى مساحة حضرية مغلقة تعتمد على احتياطات داخلية محدودة.
وعلى عكس المعارك السابقة عالية الكثافة التي تميزت باشتباكات واسعة ومستمرة، اتسم هذا الحصار بالاختناق البطيء بدل الهجوم الأمامي المتواصل. أصبحت أزمات الوقود، وانقطاع الكهرباء، وانهيار الخدمات البلدية الأساسية سمات مركزية في الحياة اليومية. ويصف السكان فترات طويلة دون كهرباء، وصعوبة الوصول إلى مياه نظيفة، والعجز عن تأمين الضروريات الأساسية مثل الخبز ووقود التدفئة. وقد ثبت أن هذه الظروف قاتلة بشكل خاص خلال فصل الشتاء، حين يحول البرد والحرمان اللوجستي المعاناة إلى تهديد مباشر للحياة.
كانت المستشفيات والعيادات داخل كوباني من بين أكثر المؤسسات تضررًا. فقد أبلغ الكادر الطبي عن نقص حاد في الأوكسجين، ووقود المولدات، والأدوية الأساسية. كما حدّت أعطال المعدات المرتبطة بانقطاع الكهرباء من القدرة على علاج المرضى حتى في حال وجود الأطباء. وقد ألحقت هذه الإخفاقات المنهجية أضرارًا غير متناسبة بالأطفال والرضّع وكبار السن، وهم الأقل قدرة على تحمّل البرد المطوّل، وأمراض الجهاز التنفسي، وسوء التغذية.
وفي خضم هذا الانهيار الإنساني، برزت وفاة ستة أطفال كعلامة فارقة وصادمة للحصار. ووفقًا لمسؤولين إنسانيين محليين، توفي عدد من الأطفال نتيجة التعرض للبرد وغياب التدفئة والرعاية الطبية الكافية. وفي إحدى الحالات الأكثر قسوة، توفي رضيع داخل مستشفى كوباني بعد نفاد إمدادات الأوكسجين. لم تكن هذه الوفيات نتيجة قصف واحد، بل حصيلة حرمان تراكمي، ما يجعلها نموذجًا لحرب الحصار أكثر من كونها مآسي معزولة.
كما ساهمت أنماط النزوح داخل كوباني ومحيطها في تفاقم الأزمة. فقد لجأت عائلات من القرى القريبة إلى المدينة بحثًا عن أمان نسبي، في حين حاول آخرون المغادرة رغم المخاطر الناجمة عن إغلاق الطرق والقصف. وأصبح الاكتظاظ في المدارس والمباني غير المكتملة أمرًا شائعًا، ما زاد من انتشار الأمراض وقلّص الوصول إلى الموارد الشحيحة أصلًا. وقد أنهكت هذه التحركات الداخلية الشبكات المجتمعية التي كانت تخفف من وطأة المعاناة، تاركة كثيرًا من العائلات دون دعم.
تواصل الضغط العسكري بالتوازي مع الانهيار الإنساني، ما عزز الإحساس بأن الحصار متعمد لا عرضي. فقد أُبلغ عن قصف واشتباكات متقطعة على أطراف المدينة وفي الأرياف المحيطة، حتى خلال فترات أُعلن فيها عن وقف لإطلاق النار. وكل حادثة جديدة قوّضت ثقة المدنيين بجهود خفض التصعيد، ورسخت الانطباع بأن المفاوضات تُدار تحت ظل الإكراه.
كان لدور الميليشيات المرتبطة بدمشق تأثير كبير في تشكيل تصورات السكان عن الحصار. إذ يُنظر إلى هذه القوات على نطاق واسع باعتبارها أدوات ضغط تتيح للحكومة السورية التنصل من المسؤولية المباشرة، مع الحفاظ على نفوذ عسكري ونفسي مستمر. وقد أدى وجودها إلى طمس خطوط المساءلة، ما عقّد أي محاولة لتأمين وصول إنساني موثوق أو فرض الالتزام بوقف إطلاق النار على الأرض.
سياسيًا، يعمل حصار كوباني كإشارة إلى مناطق الإدارة الكردية الأخرى حول كلفة مقاومة إعادة الاندماج تحت سلطة مركزية. فمن خلال استهداف مدينة ذات قيمة رمزية هائلة، تُظهر دمشق وحلفاؤها القدرة والاستعداد لفرض معاناة طويلة الأمد دون اللجوء إلى تدمير شامل وفوري. وتضع هذه الاستراتيجية السكان المدنيين في قلب عملية التفاوض، محولة المعاناة الإنسانية إلى ورقة ضغط في المساومات الأوسع حول ترتيبات الحكم والأمن.
تشير التحديثات الأخيرة إلى أنه رغم إعلان وقف إطلاق النار وجهود الوساطة، لا تزال الأوضاع داخل كوباني هشة. فقد استمرت الاشتباكات بشكل متقطع، ولم يُنشأ ممر إنساني مستقر يثق به السكان لاستخدامه على نطاق واسع. وما تزال عمليات إيصال المساعدات غير مؤكدة، فيما تستمر الحياة المدنية على افتراض أن العزلة قد تطول بدل أن تنحسر.
وهكذا، تطور الحصار إلى ما هو أبعد من مجرد مواجهة عسكرية. فهو يمثل صراعًا حول الذاكرة والهوية ونظام ما بعد الحرب في شمال سوريا. وبالنسبة لسكان كوباني، أصبحت وفاة الأطفال خلال الحصار رمزًا قويًا لما هو على المحك، معززة شعورًا جماعيًا بأن الصراع لا يتعلق بالأرض فقط، بل بالبقاء والكرامة وحق الوجود دون التعرض للسحق البطيء عبر العزلة والإهمال.
لا يمكن فصل حصار كوباني والنمط الأوسع من الضغط القسري الذي تمارسه القوى المرتبطة بدمشق عن التحول في موقف الولايات المتحدة تجاه الإدارة التي يقودها الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية. ومع تدهور الأوضاع الإنسانية وتعاظم معاناة المدنيين، يصبح غياب التدخل الخارجي الحاسم بحد ذاته إشارة سياسية تشكل كيفية تفسير جميع الأطراف للضمانات والمخاطر المستقبلية. وبالنسبة للسكان الأكراد، لا يُنظر إلى صمت واشنطن في لحظة هشاشة حادة على أنه حياد أو حذر دبلوماسي، بل كرسالة ضمنية مفادها أن الشراكات الأمنية طويلة الأمد يجري تفكيكها دون توفير ضمانات مقابلة. وتمثل هذه اللحظة نقطة التقاء بين الأزمة الإنسانية وإعادة التموضع الاستراتيجي، ممهدة لفحص أعمق لأسباب اختيار الولايات المتحدة ضبط النفس بدل الإنفاذ، وما الذي يوحي به ذلك بشأن مستقبل اندماج الأكراد في دولة سورية لا تزال تعتمد الضغط بدل الثقة كأداتها الأساسية.
إن أوضح طريقة لفهم موقف واشنطن هي التعامل معه باعتباره تخفيضًا استراتيجيًا متعمدًا لملف قوات سوريا الديمقراطية، لا مجرد سوء تواصل تكتيكي. فعندما يشير السفير توم باراك إلى أن مستقبل قوات سوريا الديمقراطية يكمن داخل الجيش السوري، فإنه يبعث برسالة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد ترغب في لعب دور الضامن الخارجي لبنية مسلحة كردية مستقلة. وعمليًا، يعني ذلك أن واشنطن تعطي الأولوية للخروج من علاقة رعاية مفتوحة الأمد، حتى لو كان إطار الانتقال هشًا، وحتى لو كان الطرف المتلقي، أي دمشق، يتصرف بطرق تعمّق بطبيعتها انعدام الثقة الكردية.
الدافع الأول هو حماية القوات ونطاق المهمة. فقد نشأت العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية ضمن مهمة لمكافحة الإرهاب ذات عدو محدد وفائدة عملياتية واضحة. وحين تستنتج واشنطن أن الدولة السورية وأجهزتها الأمنية المرتبطة بها أصبحت الساحة الرئيسية لاحتواء تهديد تنظيم الدولة الإسلامية، تتحول قوات سوريا الديمقراطية في نظر صانعي القرار إلى أصل تتناقص فائدته وهامشية متزايدة، بل وإلى عبء متنامٍ. ويشمل هذا العبء خطر الانجرار إلى نزاعات الحكم الداخلية السورية، وصراعات الميليشيات، وعمليات ضبط السكان، وهي أمور مكلفة سياسيًا داخليًا وغير محدودة عملياتيًا.
الدافع الثاني هو العامل التركي. فحتى عندما تحاول واشنطن الفصل بين الملفات، لا تفعل أنقرة ذلك. إذ تنظر تركيا إلى قوات سوريا الديمقراطية وعمودها السياسي باعتبارهما غير قابلين للفصل عن هياكل مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ويشكّل هذا الإطار كل محادثة تركية حول سوريا والحدود واللاجئين والعقوبات والتعاون الدفاعي الثنائي. ومن منظور واشنطن، فإن أسهل طريقة لتقليل الاحتكاك المستمر مع تركيا هي إزالة المهيّج المركزي، أي الانطباع بوجود حماية أمريكية غير محددة المدة لمشروع مسلح يقوده الأكراد قرب الحدود التركية. ويُقرأ تركيز باراك على الاندماج في أنقرة على أنه خطوة نحو احتكار الدولة السورية لاستخدام القوة، حتى لو كانت الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا.
أما الدافع الثالث فيتعلق بالنفوذ، أو بالأحرى بالتصور بأن هذا النفوذ أقل مما يفترضه المراقبون الخارجيون. تستطيع الولايات المتحدة ممارسة الضغط والمساومة وفرض كلفة معنوية، لكنها تفتقر إلى أدوات تصعيد موثوقة إذا كانت قد قررت بالفعل عدم الاستمرار في دعم قوات سوريا الديمقراطية كحليف طويل الأمد. وبمجرد اتخاذ هذا القرار، يصبح إرغام دمشق على قبول ضمانات دستورية دائمة لحقوق الأكراد أكثر صعوبة، لأن دمشق يمكنها أن تراهن بشكل معقول على أن واشنطن لن تخاطر بمواجهة كبرى من أجل فرض تلك البنود. ويزداد هذا الواقع حدة إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في أن تتحمل دمشق مسؤولية مرافق الاحتجاز وتهديدات تنظيم الدولة الإسلامية المتبقية، إذ تحتاج حينها إلى علاقات عمل مع الأجهزة الأمنية السورية.
ويساعد ذلك في تفسير سبب عدم دفع واشنطن بقوة نحو إجراءات من شأنها بناء ثقة كردية حقيقية، مثل تكريس حقوق اللغة في الدستور، وحماية الحكم الذاتي الثقافي، وقواعد قابلة للإنفاذ لمكافحة التمييز. فالتكريس الدستوري يشكل تهديدًا بنيويًا لأي مشروع سوري مركزي، لأنه يحول الوعد السياسي إلى قيد قانوني ملزم لا تستطيع الحكومات والأجهزة الأمنية المستقبلية التراجع عنه بسهولة. وإذا كانت واشنطن تفضل اندماجًا سريعًا يحفظ ماء الوجه، فإنها ستتسامح مع أدوات مؤقتة مثل المراسيم الرئاسية، لأنها أسهل على دمشق في الإصدار وأسهل في إعادة التأويل لاحقًا. وقد يبدو ذلك متهورًا من منظور كردي، لكنه يتسق مع تفضيل أمريكي للاستقرار السريع على حساب مفاوضات دستورية طويلة.
هناك أيضًا حجة براغماتية تتعلق بتسلسل الخطوات داخل صناعة القرار الأمريكية، تتكرر كثيرًا في بيئات ما بعد النزاع. فالرأي السائد هو أن الاندماج الأمني ووقف القتال المفتوح يجب أن يسبقا النظام الدستوري، الذي يأتي لاحقًا بعد استقرار الدولة وبدء التفاوض ضمن إطار موحد. غير أن هذا التسلسل معكوس بالنسبة للأكراد. فقد عاش قادتهم دورات متكررة من الوعود ثم التراجع، وهم يعلمون أن حل هياكل القيادة المستقلة يؤدي إلى انهيار قدرتهم التفاوضية. وما تعتبره واشنطن تسلسلًا منطقيًا، يختبره الأكراد كمطالبة بالتخلي عن أوراق القوة أولًا، على أمل أن تأتي الحقوق لاحقًا.
تفاقم أفعال دمشق العدائية وتكتيكات الحصار هذه الفجوة، لأنها تشير إلى استخدام الإكراه كأداة تفاوض. فمن منظور الولايات المتحدة، فإن الضغط المفرط على دمشق بسبب انتهاكات حقوق الإنسان قد يؤدي إلى انهيار المحادثات وتجدد القتال الواسع، وهو ما لا ترغب واشنطن في إدارته. أما من المنظور الكردي، فإن الفشل في وقف الانتهاكات يؤكد أن الاندماج ليس شراكة بل استيعابًا قسريًا. ويغدو موقف باراك رهانًا على أن العملية السياسية ستصمد حتى في غياب الثقة، لأن واشنطن تفضل الاستيعاب التفاوضي على حرب متجددة قد تعيد فتح مساحة عمل لتنظيم الدولة الإسلامية.
إن مسألة قدرة الرئيس أحمد الشرع على السيطرة على كامل منظومة الميليشيات ليست تفصيلًا جانبيًا، بل هي جوهرية لفهم أهمية الضمانات الدستورية. فإذا كانت دمشق تعتمد على مجموعات مسلحة غير متجانسة، وقوى عشائرية مساعدة، وقادة محليين انتهازيين، وفصائل أيديولوجية، فإن الوعود الصادرة عن الرئاسة لا تتحول تلقائيًا إلى التزام على الأرض. وفي هذا السياق، تكون المخاوف الكردية منطقية: فالاندماج قد يعني التعرض لجهات غير منضبطة يمكنها معاقبة المجتمعات بينما يحتفظ المركز بإنكار معقول. وقد تقلل واشنطن من شأن هذا الواقع لأنها تتعامل على أساس دولة إلى دولة، ولأن الدبلوماسية تميل إلى اعتبار توقيع العاصمة حقيقة حتى عندما تكون القدرة القسرية مجزأة.
لماذا إذن لا تستخدم واشنطن نفوذها لفرض إنهاء الحصار وضمان الوصول الإنساني، وهو ما يبدو أبسط خطوة لبناء الثقة؟ التفسير الأرجح هو أن واشنطن تحرس ما تبقى لديها من نفوذ بوصفه موردًا نادرًا، وتختار عدم إنفاقه في معركة قد تخسرها أو في سابقة لا ترغب في ترسيخها. فإذا تدخلت الولايات المتحدة مباشرة لفرض وصول إنساني إلى كوباني، فإنها تعترف فعليًا باستمرار دورها كحامٍ للمناطق الكردية. وهذا يقوض الرسالة السياسية القائلة إن المسؤولية تنتقل إلى دمشق، ويخاطر بإثارة مطالب تركية بضغوط أمريكية موازية ضد الهياكل المسلحة الكردية. وبعبارة أخرى، قد يتحول التدخل الإنساني إلى إعادة التزام استراتيجي.
هناك أيضًا واقع مؤسسي: إذ تفضل واشنطن غالبًا العمل عبر قنوات متعددة الأطراف ودبلوماسية هادئة عندما تفتقر إلى الرغبة في الإنفاذ الصلب. وإذا كانت الأدوات المتاحة تقتصر على البيانات، والمذكرات الخاصة، والشروط التي قد تتجاهلها دمشق، فإن الضغط العلني ثم الفشل سيقوض المصداقية الأمريكية في كامل الملف السوري. وفي أحيان كثيرة، يختار صانعو القرار الصمت أو الغموض لا لأنهم لا يرون الانتهاكات، بل لأنهم يتوقعون أن المواجهة لن تفضي إلى امتثال، وستقلل قدرتهم على التأثير في مفاوضات الاندماج أصلًا.
أخيرًا، هناك منطق سياسي مرتبط بالرواية الأمريكية حول إنهاء “الالتزامات الأبدية”. فأي تدخل واضح لوقف انتهاكات من قبل تركيا أو ميليشيات مرتبطة بدمشق يعيد الولايات المتحدة إلى دور الحكم في النظام الداخلي السوري، وهو الدور الذي تحاول واشنطن التخلي عنه. والتناقض واضح ومُفسِد: فالولايات المتحدة تحث الأكراد على الاندماج في بنية تُظهر سلوكًا قسريًا، بينما ترفض فرض الحد الأدنى من الشروط التي تجعل الاندماج قابلًا للحياة. وهي بذلك تطلب من الأكراد التعامل مع الاندماج كأمر حتمي والتفاوض على أفضل الشروط الممكنة تحت الضغط، فيما تحافظ واشنطن على مرونتها الخاصة برفضها ضمان النتائج.
ما يتضح في النهاية ليس دافعًا واحدًا ساخرًا، بل مجموعة متراكبة من المفاضلات. تريد واشنطن تقليل الاحتكاك مع تركيا، وخفض انكشافها على الصراع السوري الداخلي، ومواصلة احتواء مخاطر تنظيم الدولة الإسلامية عبر شريك باتت تراه السلطة السيادية، والحصول على مخرج دبلوماسي لا يبدو كهزيمة. وتدفعها هذه الأهداف إلى تشجيع الاندماج والابتعاد عن الإصرار على التكريس الدستوري، ومساءلة الميليشيات، وإجراءات الإغاثة القسرية الفورية. أما الكلفة فهي متوقعة: تعمق انعدام الثقة الكردية، وتعلم دمشق أن الإكراه لا يترتب عليه سوى ثمن خارجي محدود، وتتسع الفجوة بين الضمانات الورقية والأمن المعاش، ما يخلق بالضبط الظروف التي تجعل الاندماج هشًا ومتنازعًا عليه بدل أن يكون توافقيًا.




