لماذا استهدف حزب الله حاخاماً في سوريا؟

بقلم: إيرينا تسوكرمان
في أوائل نيسان/أبريل 2026، كشفت قوات الأمن السورية عن خلية مرتبطة بحزب الله في دمشق، كانت تستعد لاغتيال الحاخام مايكل خوري، وتمكنت من تفكيكها.
بدأت الاعتقالات في نحو 3 نيسان واستمرت حتى 10 منه، حيث تحرك المحققون بسرعة لتوقيف العناصر الأساسية، إلى جانب أفراد قدموا دعماً لوجستياً وسهّلوا التنقل والوصول إلى المواد اللازمة.
وبحلول الإعلان الرسمي عن العملية، كانت الخطة قد بلغت مرحلة متقدمة، مع تجهيز عبوة ناسفة بدائية وإتمام عمليات الرصد للهدف.
تمحورت خطة الخلية حول زرع عبوة ناسفة إما قرب منزل خوري في حي باب توما، أو على أحد الطرق التي اعتاد سلوكها. وحددت عمليات المراقبة أنماط تحركاته اليومية، بما في ذلك زياراته للأماكن الدينية وتواصله مع أفراد من المجتمع اليهودي المتبقي، وفترات وجوده المتوقعة في منزله. ولم تكن الخطة عشوائية، بل عكست عملاً منهجياً لتتبع هدف ثابت وتحديد أفضل نقطة للهجوم.
وضُبطت خلال الاعتقالات مواد متفجرة وآليات تفجير وأسلحة خفيفة، ما يشير إلى أن الخلية تجاوزت مرحلة التخطيط إلى الجاهزية للتنفيذ. وقدّرت التحقيقات أن الهجوم كان يمكن أن يقع خلال أيام لولا إحباطه. وتكوّنت الخلية من نحو خمسة إلى سبعة أفراد، لكل منهم دور محدد يشمل المراقبة والدعم اللوجستي وتجهيز العبوة والتنسيق المحلي.
ويرتبط توقيت العملية بالسياق الأمني الأوسع في سوريا، حيث كثّفت الحكومة بقيادة أحمد الشرع منذ أواخر 2025 جهودها لتفكيك الشبكات المسلحة غير النظامية داخل المدن، خاصة في دمشق. وتندرج هذه الاعتقالات ضمن حملة أوسع تستهدف خلايا ذات ارتباطات خارجية.
وجاء نفي حزب الله لضلوعه بعد الإعلان عن الاعتقالات، دون التطرق لتفاصيل العملية أو هوية الموقوفين، في نمط معتاد من التنصل من الأنشطة ذات الكلفة السياسية داخل سوريا. إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى استمرار قدرة شبكات مرتبطة بالحزب على تنفيذ عمليات نوعية داخل العاصمة.
وما يميز هذه القضية هو طبيعة الهدف؛ إذ لم يكن موقعاً عسكرياً أو شخصية سياسية، بل رجل دين لا يُعرف له دور في أي صراع، ما يضع العملية في إطار رمزي قائم على الهوية والرسائل، أكثر من المكاسب التكتيكية المباشرة.
الحاخام ووجوده في سوريا
يُعد الحاخام مايكل خوري من آخر الشخصيات المرتبطة بالحياة اليهودية في دمشق، وقد ازدادت أهميته مع محاولات محدودة لإحياء مواقع التراث اليهودي خلال العام الماضي. وينتمي إلى عائلة يهودية دمشقية عريقة حافظت على وجودها في البلاد رغم موجات الهجرة.
ومع تقلص المجتمع اليهودي بشكل كبير منذ أواخر القرن العشرين، اضطلعت عائلته بدور الحفاظ على الممتلكات والمواد الدينية واستمرارية بعض مظاهر الحياة المجتمعية. ولا يُعد خوري شخصية عامة أو ناشطاً سياسياً، بل تقتصر نشاطاته على الشؤون الدينية وإدارة المواقع التراثية.
ويشرف اليوم على صيانة المعابد، والحفاظ على المخطوطات والطقوس الدينية، إضافة إلى التنسيق مع أفراد من الجالية اليهودية في الخارج الذين بدأوا بزيارة دمشق مجدداً منذ أواخر 2025. كما ساهم في إعادة افتتاح أحد المعابد التاريخية في كانون الأول/ديسمبر 2025، في خطوة رمزية أعادت تسليط الضوء على الوجود اليهودي المحدود في المدينة.
وتتطلب هذه الأنشطة تنسيقاً مع السلطات السورية، ما يندرج ضمن الإجراءات الروتينية لأي أقلية دينية، ولا يعكس انخراطاً سياسياً.
ويقيم خوري في حي باب توما، أحد أقدم أحياء دمشق وأكثرها تنوعاً دينياً، ما يزيد من وضوح حضوره وسهولة تتبع تحركاته. ويُعد هدفاً “ثابتاً” نسبياً بسبب نمط حياته المرتبط بمهامه الدينية.
ولا يستند استهدافه إلى أدلة على نشاط استخباراتي، بل إلى اعتبارات رمزية مرتبطة بهويته ودوره وظهوره المتزايد مع عودة الاهتمام بالتراث اليهودي في سوريا.
آليات العمل واستمرار شبكات حزب الله
تعكس الخلية نموذجاً عملياتياً مصغراً أصبح شائعاً منذ 2024، حيث لم تعد الشبكات الكبيرة تعمل كما في السابق، بل حلت محلها مجموعات صغيرة تعمل بسرية عالية واتصال محدود.
اعتمدت الخلية على توزيع الأدوار، واستخدام مواد متوفرة محلياً لتجنب المراقبة، مع التركيز على الرصد الميداني المباشر بدلاً من التقنيات المتقدمة. كما اعتمدت على التواصل المحدود لتقليل فرص الاختراق.
ويشير استمرار هذه الخلايا إلى أن بنية حزب الله في سوريا لم تُنهَ، بل تكيفت مع الضغوط، لتعمل بوحدات صغيرة قادرة على تنفيذ عمليات نوعية.
في المقابل، يعكس إحباط العملية تحسناً في قدرات الأجهزة الأمنية السورية، التي باتت تعتمد على مزيج من المعلومات الاستخباراتية والمراقبة وتحليل الأنماط لكشف هذه الشبكات.
سوريا وإسرائيل وتقاطع المصالح الاستخباراتية
تكشف العملية أيضاً عن بيئة استخباراتية متداخلة، حيث تتقاطع مصالح سوريا وإسرائيل في الحد من نشاط حزب الله، رغم غياب التنسيق المباشر بينهما.
تسعى دمشق لتعزيز سيطرتها الداخلية، فيما تواصل إسرائيل مراقبة تحركات الحزب في المنطقة. ويؤدي هذا التوازي إلى نتائج متشابهة، حيث تُستهدف الشبكات ذاتها من جهات مختلفة.
ولا يمكن الجزم بوجود تبادل مباشر للمعلومات، لكن تعدد مصادر الرصد يجعل أي خلية عرضة لمستويات متعددة من المراقبة، ما يزيد احتمال كشفها.
تغير البيئة الأمنية
تعكس محاولة اغتيال الحاخام مايكل خوري عملية دقيقة قائمة على المراقبة والتخطيط، لكنها فشلت بفعل تغير البيئة الأمنية في دمشق.
ويبرز اختيار الهدف البعد الرمزي للعملية، حيث يمثل خوري استمرارية حضور ديني وثقافي شبه متلاشٍ، ما يمنحه دلالة تتجاوز شخصه.
كما يظهر تطور أساليب العمل لدى الشبكات المرتبطة بحزب الله، التي باتت تعتمد على خلايا صغيرة ومرنة.
وفي المقابل، يشير إحباط العملية إلى تنامي فعالية الجهود الأمنية، ضمن بيئة استخباراتية معقدة تتقاطع فيها مصالح عدة أطراف، ما يزيد الضغط على هذه الشبكات ويحد من قدرتها على التحرك.




