سلام سوريا الهش: العنف، العودة، والعدالة غير المكتملة

بقلم إيرينا تسوكرمان
قبل أسبوعين، وقع الهجوم على بلدة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة بطريقة كشفت مدى سرعة انهيار التعايش المحلي الهش تحت الضغط. فقد بدأ النزاع بين أفراد، لكنه لم يبقَ محدوداً. إذ تحرك مسلحون من مناطق مجاورة، لا سيما قلعة المضيق، ودخلوا البلدة، محوّلين شجاراً فردياً إلى مواجهة ذات طابع جماعي.
وصف السكان إطلاق نار استمر لساعات، أصاب منازل ومحال تجارية أُغلقت تحت التهديد، فيما خلت الشوارع مع لجوء العائلات إلى منازلها. وأشارت بعض الروايات إلى محاولات حرق ممتلكات، وأخرى إلى عمليات نهب واستهداف متعمّد لممتلكات يملكها مسيحيون. ولم يكن تحرك المسلحين عشوائياً، بل تحدث شهود عن نقاط دخول منسقة، وتحركات جماعية عبر دراجات نارية وشاحنات صغيرة، في ظل غياب تدخل أمني فوري في الساعات الأولى.
رافق الدمار المادي شكل من أشكال الترهيب الرمزي، حيث تم استهداف الصلبان وتخريب رموز دينية، ووسم أماكن مرتبطة بالهوية المجتمعية بالعنف. وفي بعض الحالات، بدا أن الأضرار استهدفت مواقع محددة بناءً على معرفة بأنماط الملكية، ما يشير إلى أن المهاجمين كانوا على دراية بالنسيج الاجتماعي المحلي.
شهدت أعداد المسيحيين في سوريا تراجعاً حاداً منذ عام 2011، من نحو 1.5 مليون إلى أقل من نصف هذا العدد اليوم. وشهدت أحياء كاملة في مدن مثل حلب وحمص ودمشق نزوحاً مستمراً، نتيجة انعدام الأمن والانهيار الاقتصادي. كما زاد تفجير كنيسة قرب دمشق في وقت سابق من الصيف، والذي أودى بحياة 25 شخصاً على الأقل، من المخاوف وأعاد إلى الأذهان استهداف الكنائس ورجال الدين.
ويضيف هجوم السقيلبية بُعداً مختلفاً، إذ يُظهر أن الاستهداف الطائفي قد ينشأ من نزاعات محلية في ظل غياب سلطة مركزية قوية. ويكون تأثير هذه الحوادث نفسياً بقدر ما هو مادي، حيث تبدأ العائلات بإعادة تقييم حياتها اليومية، ما يدفع في النهاية إلى قرارات الهجرة.
في المقابل، يعكس ضعف الاهتمام الدولي بالحادثة تحولات أوسع في موقع سوريا ضمن الأجندة العالمية، حيث تراجع الحضور الإعلامي الدولي وارتفع سقف الاهتمام، ليقتصر على الأحداث ذات الخسائر الكبيرة أو التداعيات الجيوسياسية المباشرة.
وتُظهر المقارنة مع أحداث 2025 الطائفية سبب هذا التفاوت، إذ شهد الساحل السوري مجازر واسعة بحق العلويين أودت بحياة نحو 1500 شخص، بينما شهدت السويداء أعمال عنف أوقعت أكثر من 1700 قتيل ونزوح نحو 200 ألف شخص. في المقابل، بقيت أحداث السقيلبية محدودة جغرافياً وزمنياً، ما قلل من حضورها إعلامياً رغم دلالاتها العميقة.
كما لعب توقيت الأحداث دوراً، إذ جاءت أحداث 2025 في مرحلة انتقالية حساسة بعد سقوط النظام، بينما شهدت الفترة اللاحقة نوعاً من “التطبيع النسبي”، ما جعل الحوادث المحلية تُفسّر كجزء من عدم الاستقرار المتبقي.
تشكل أحداث السقيلبية جزءاً من نمط أوسع يؤثر على الأقليات في ظل قيادة أحمد الشرع، الذي طرح رؤية للوحدة الوطنية، واتخذ خطوات لتعزيز الشمول، منها الانفتاح على الأكراد وإدانة العنف الطائفي. إلا أن استمرار الحوادث يشير إلى ضعف السيطرة على الفاعلين المحليين.
بالنسبة للعلويين، تبقى مجازر الساحل في آذار 2025 الحدث الأبرز، حيث قُتل نحو 1500 شخص في نحو 40 موقعاً، مع تهجير واسع وتدمير ممنهج. أما في السويداء، فقد أدت المواجهات متعددة الأطراف إلى أكثر من 1700 قتيل ونزوح واسع، في ظل تعقيد المشهد الأمني.
في هذا السياق، تمثل عودة نحو 800 عائلة كردية إلى عفرين تطوراً مهماً، ضمن اتفاق 29 كانون الثاني بين دمشق والإدارة الذاتية، بعد تهجير واسع منذ 2018. وقد شملت مراحل سابقة عودة 400 عائلة في آذار و200 في نيسان.
إلا أن العودة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها النزاعات على الملكيات، حيث شُغلت منازل من قبل آخرين أو استُخدمت لأغراض عسكرية، إضافة إلى ضعف الموارد الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات.
كما تظل المخاوف الأمنية قائمة، مع استمرار وجود مجموعات مسلحة تتحكم بالحواجز وتؤثر على الحياة اليومية، إلى جانب توترات اجتماعية نتيجة التغيرات الديمغرافية.
ويرتبط مستقبل عفرين بقدرة الجهات المختلفة على إدارة هذه التحديات، وبمدى نجاح التنسيق بين دمشق والإدارة الذاتية والفاعلين المحليين.
في المقابل، لا تزال مسألة العدالة للأقليات موضع جدل، إذ بدأت محاكمات محدودة في قضايا الساحل، لكنها لا تعكس حجم الانتهاكات، بينما تغيب آليات محاسبة شاملة في السويداء، وتبقى المتابعة القانونية في السقيلبية محدودة.
تمر سوريا بمرحلة انتقالية معقدة، تتقاطع فيها جهود بناء الدولة مع مطالب العدالة، وسط إرث ثقيل من الحرب والانقسام. وتشير أحداث السقيلبية وعودة عفرين إلى واقع متعدد الأوجه، حيث تتعايش محاولات الاستقرار مع استمرار التوترات.
ويبقى مسار المرحلة المقبلة مرهوناً بقدرة البلاد على تحقيق التوازن بين إعادة بناء المؤسسات، وضمان العدالة، وخلق بيئة أكثر استقراراً وشمولاً لمختلف مكوناتها.




